أخبار عاجلة

بروفايل: محمد عبد المنعم زهران.. مبدع ينتصر للإنسان

كتبت_ سمية عبدالمنعم 

قد يسعد بعض الأدباء إذا ما أطلق عليهم لقب صائد الجوائز ويعتبرونه نصرا مؤزرا، إلا أن للكاتب محمد عبدالمنعم زهران رأيا مخالفا، فرغم عدد لا بأس به من الجوائز داخل وخارج مصر قد ناله إبداعه، إلا أن الجائزة لا تعني له استحقاقا أو تميزا أو حتى وفرا ماديا، ففي حوار سابق له، أكد أن الجائزة تعني له أن إبداعه سيصل لقراء آخرين وستفرد له فرص النقد بشكل أوسع وستسلط عليه أضواء أكثر، وهو ما يضمن له كمبدع تواجدًا لفترة أطول.
ولزهران ثمانية إصدارات، تتنوع بين المجموعات القصصية والمسرحيات والشعر والرواية، حتى قصص الأطفال، ليثبت أن الإبداع كلٌ لا يتجزأ.
له إصداران جديدان سيشاركان في معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير، أحدهما مجموعة قصصية مترجمة للانجليزية، والآخر ديوان في قصائد النثر .
وربما جاء ديوانه المعنون “دون ضجيج”، والذي يصدر عن دار أكوان، تتويجا لمشوار طال مع موسيقى السرد، واكتمالا لبناء ماتع من التناغم اللفظي كان واضحا جليا في كتاباته، حتى أن سؤالا صار يلح على قرائه: لِم لا يكتب شعرا؟
فكانت الخطوة التي يراها زهران غير عمدية، كان “دون ضجيج”.

*ولنا هنا أن نذكر جزءا من إحدى قصائد ذلك الديوان، حيث يقول:

في سباقٍ إلى هناك.. نمضي..
ويمضي كل شيء..
في سباق على لا شيء نحارب
حرب اللاشيء العظيمة
النقطة المجيدة بين السباقين
تنهيدة ارتياح لشخص يتأمل
يغرس رمحه الوحيد في الأرض
يلقي دروعه وينهض عاريًا على حافة جرف
ليستقبل بصدره ووجهه وعينيه
الضوء الأخضر لقمر أخضر في السماء
انبثق فجأة بجوار القمر الأبيض
المسافة بين القمر الأخضر والأبيض
هي مساحة الروح الحلوة:
سلام العالم.

هكذا نكتشف أن زهران يمتلك لغة يدق بها أجراس المعنى قبل اللغة، فهي على بساطة مفرداتها إلا أنها تلج بانسيابية إلى داخلك وتسحبك سحبا إلى عمق أبعد من المراد.
فتلك روح الشاعر، التي تملكه حتى وإن كتب نثرا وليس شعرا، فتأتي العبارات وكأنها سطور من قصيدة طويلة مكتوبة بعناية.

ولا تختلف طبيعة أدبه عن لغته كثيرا، فهو يكتب  من منطقة مغايرة، ربما تتشابه مع الأدب الروسي في انتصارها للإنسان  دون إعمال مربك لمبدأ الخطيئة والثواب والعقاب،  إلا أن قلم زهران في حقيقته ينفرد بمهارته في المزج الغريب بين الإنسانيات وروح الميتافيزقيا، حيث قدرته على توظيف تلك الأخيرة لصالح الذات الإنسانية أيضا.

* المتجول في الأحلام:

ففي مجموعته القصصية الجديدة ” المتجول في الأحلام” The wonderer in dreams، والتي ضمت ٦ قصص قصيرة مختارة من مجموعاته السابقة، و تصدر في ترجمتها إلى الإنجليزية، حيث ترجمها محمد الحديني، يبرع زهران في التقاط التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية لينسج منها فكرة قصصية تزخر بالمشاعر الإنسانية،  وهو ما يبدو جليا في قصة “ولد طيب بجواري”، حيث ذلك المشهد المعتاد لامرأة طاعنة تتوسد إحدى الحدائق مستقرا وبيتا لها، لكنه بالنسبة للكاتب لم يكن أبدا معتادا، فقد نفذ بقلمه إلى تلك المرأة البائسة واصفا معاناتها اليومية في جمل موحية جاءت على لسانها، ولمس حلمها البسيط في أن تلقى الله ولا شيء لها سوى ولد طيب بجوارها ومذاق البطاطا الساخنة التي أحبت يملأ فمها، ليثير بداخلنا مزيجا عجيبا من الشفقة والاجلال لعجوز حكيمة تحملت قسوة العالم وحيدة.
وهو الاهتمام بالمشاعر الإنسانية ذاته الذي يتجلى أيضا ولكن من زاوية مختلفة في قصته الأكثر شجنا ” فردوس”، والتي يسرد عبرها معاناة فتاة لم يصبها حظ من الجمال، لتقع فريسة مجتمع متنمر لا يرحم ضعفها ولا يرى فيها سوى شكلها المختلف والمنفر، فيأتي مشهد النهاية أكثر درامية وشجنا، ليتحقق لتلك الفتاة ما كانت تصبو  إليه ويدرك الجميع ما تحمله من روح ملائكية لا يملكها أحدهم، لكن بعد فوات الأوان
وبعد موتها مقهورة كسيرة.

يبرز التناول الفلسفي واستخدام الرمز دون تعقيد، وهو ما يتمثل جليا في باقي قصص المجموعة ” المتجول في الأحلام”،  و “المرأة في السحابة”،  و”حيرة الكائن”، حيث الولوج إلى أفكار الآخرين والوصول السهل إلى ما يريدون، دون كثير عناء.

*سبع عربات مسافرة:

وهي المجموعة القصصية الفائزة بجائزة يوسف إدريس في القصة القصيرة عام 2020، والتي  تضم بين دفتيها 14 قصة قصيرة، تنفرد بتركيزها على الإنسانيات والانتصار الكامل للمباديء السامية التي لا يعنيها سوى الإنسان فحسب.
وربما وجدت نفسي حائرة أي قصص تلك المجموعة أتناول بالاشارة هنا، فوجدتني دون عناء أشير إلى ” أصابعي منك في أطرافها قُبل”، فهي تحمل بدءا من الفكرة مرورا بالأحداث وحتى نهايتها، كثيرا من المشاعر الإنسانية التي تدور في فلك المثالية المفتقدة، وهو ما يجعلها ذات تأثير مباشر في القاريء، فهي تمس لديه ربما أمنية تكمن في الأعماق، أو حلما يراوده، أو حتى خيبة عاشها ذات يوم.
الإخلاص لحبيب غائب، الإخلاص بتركيبته الأفلاطونية التي تضرب في الخيال، الأمل الذي من أجله يهون العمر، ويصبح الانتظار جزءا مقدسا من حياتنا، تلك القيم المثلى التي يراها البعض نوعا من المبالغة المثيرة للسخرية، الا انها في حقيقتها واقع قد يحدث كثيرا لكننا لا ندري عنه شيئا، ذلك هو جل ما ترتكز عليه فكرة القصة.
وكعادة زهران، فهو يجنح للإنسانية ويراها الهدف الأسمى لوجود الانسان على هذه الأرض، وهي السمة التي تجمع أدبه عامة ، فهو هنا ينتصر للوفاء ويجعل مكافأته الكبرى هي الفوز بالحلم.

* حيرة الكائن:

وهي المجموعة الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربى فى القصة القصيرة عام 2002م.
وإذا ما تناولنا القصة التي تحمل المجموعة اسمها، وهي قصة تنطلق فكرتها من زاوية مختلفة وجديدة، تبدو عبرها حيرة الروح التي تفارق الجسد، حين يحين الأجل، الا أن ارتباطها الازلي به، يجعلها لا ترغب في مفارقته إلا في المكان والزمان المناسبين لهذا الجسد، أو بمعنى أدق الأكثر راحة لها هي، وكأنها صارت والجسد وحدة واحدة، وهو ما يتجلى في قوله:
.”أتراه ذلك الخيط الرفيع ، الذى يشدنى فى أوقات خاصة جدا ، يشى بالوحدة مع ذلك الجسد ، وأنه – أنا – بصورة أو بأخرى”.
لتنتهي حيرة الروح حين تصل الى مرفأ أمانها، فتغادر الجسد وهو يسكن بين يدي من أحبها وأحبته، في إصرار مبهج من الكاتب، وربما ليكسر حدة التناول الفلسفي، على أن يضمن فكرته خطًّا رومانسيا وإنسانيا لا مفر منه.

*بجوارك بينما تمطر:

صدرت تلك المجموعة في طبعة أولى عام 2013، وتصدر في معرض الكتاب في طبعة جديدة منقحة، وهي تحوي 12 قصة قصيرة تهتم جلها إن لم تكن جميعا بالتناول الاجتماعي الفلسفي لكثير من النزعات الإنسانية، كالأخوة بمفهوم مختلف، وهو ما أوردته قصة “بجوارك بينما تمطر”، بنهايتها الصادمة التي كشفت حقيقة المثاليات الخادعة وأن ما يبطن في الأعماق قد يتجاوز الاعراف وصلات الدم، وعلى المنوال ذاته يأتي تناوله  للصداقة، التي تتهاوى أمام المصالح والمنفعة الشخصية، وذلك ما يبدو في قصة ” لم أكن هناك لأنه..”.

*هندسة العالم

وتحفل   مجموعة “هندسة العالم” الصادرة عام 2020 بالثنائيات، مثل ثنائية الخير والشر، الضمير واللاضمير، الحب والكره، الأرض والسماء، وهو ما يبدو في قصص ” شجرة الملائكة_ تستلقي لينام_ المرأة في السحابة_ هندسة العالم_ جانبك الآخر_ حار وبارد”.
وربما كشفت قصة ” جانبك الآخر” عن مكنون الإنسان وبحثه الدائم _مهما أخفى وادعى قوة_ عمن يحتوي ضعفه ويشعر بحاجته، بل وينصت ويهتم له.

* السرد لدى زهران:

يفاجئنا محمد عبد المنعم زهران في كل قصة بأسلوب سردي مختلف، وهو ما يشعرنا بحيرة، ويجعلنا نتساءل: كيف يفعل ذلك؟، فها هو يخرج على المألوف والمتبع، ليبتدع طريقة مختلفة في سرد قصته القصيرة، وهو ما يبدو في قصة ” أصابعي منك في أطرافها قبل”، فقد استطاع بمهارة يحسد عليها أن يجعل للقصة أكثر من راو، مستخدما هنا مزجا فريدا بين الراوي المتعدد والراوي المشارك، فقد جعل من كل شخوص القصة رواة، يحكي كل منهم جانبه الخاص من الأحداث التي شارك بها، لتتحول القصة إلى أحجية سردية تكتمل مع تصاعد الحدث.
وهو ما فعله أيضا في قصة ” في شارع” من مجموعة ” بجانبك بينما تمطر”، حيث تأخذنا أساليب الالتفات المتنوعة وتباين ضمير المتكلم، والانتقال السلس غير المربك من راوٍ لآخر في رشاقة محمودة.

محمد عبد المنعم زهران:
قاص وشاعر وكاتب مسرحي مصري.

_صدر له:
في القصة القصيرة:
“حيرة الكائن”، الشارقة، 2002، وطبعة ثانية في القاهرة،2016
“بجوارك بينما تمطر”، مصر، 2013.
سبع عربات مسافرة”، القاهرة 2017 .
هندسة العالم، القاهرة 2020.

وفي المسرح كتب وأصدر:
“زيارة عائلية”، مصر، 2013.
“أشياء الليل”، الكويت 2000.

وفي أدب الأطفال أصدر:
سلسلة أنا ومجتمعي، قصص للأطفال، دار أصالة، بيروت، 2017

تحصل على عدة جوائز في مجالي القصة والكتابة المسرحية، منها عربيا:
جائزة أخبار الأدب للقصة، 1997.
جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة القصة المفردة 2000.
الجائزة الأولى في مسابقة سعاد الصباح للتأليف المسرحي، 2000.
جائزة الشارقة للإبداع العربي في القصة القصيرة، 2002.
جائزة يوسف إدريس في القصة القصيرة 2020