أهدت الكاتبة والروائية الدكتورة سوسن الشريف، سطورا من كتابها الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع “من فانكا إلى تشيخوف”، وهو عمل أدبي يصنفه متخصصون بالأدب الروسي كرواية رسائلية.
وتتواجد دار روافد بعدة مؤلفات لكبار الكتاب بمعرض القاهرة الدولي للكتاب يناير 2022 ، والذي تحل اليونان ضيف شرف علي دورته الثالثة والخمسين، وتم اختيار يحيى حقي شخصية المعرض لهذا العام.

وأولى رسائل فانكا إلى تشيخوف كانت في ربيع 1905 وجاء فيها:
“عمت مساءً يا سيدي أنا ابنك فانكا .. “فانكا جوكوف” هل تتذكرني؟!!
صدقني يا سيدي أنا ابنك، أعلم أنك تتعجب وربما أطلقت صيحة “ليس لي أبناء”، لكنني أؤمن بذلك، لقد أوجدتني على الورق يومًا ما، وتركتني في ظروف صعبة للغاية، ربما انشغلت بأبناء آخرين مثلي أو انصرفت لكتابتك. على كلٍ أسامحك، ليس لأنك نسيتني، بل على الظروف التي وضعتني فيها ولم أكن تجاوزت التاسعة بعد. لطالما تألمت لصوت سعالك وجسدك الهزيل، مما شغلني عن حالي حينها، كلانا مُثيرٌ للشفقة والألم، لذا لا أحتمل لومك، بل أقدر شعورك جيدًا.
أكتب إليك وقد بلغت الخامسة والعشرين، ولا أعلم عنوانك، وإن كنت كففت عن الكتابة دون معرفة العنوان منذ آخر رسالة إلى جدي “قسطنطين”، وكانت أول رسالة كذلك أكتبها في حياتي، أتتذكرها؟!!
لم أستطع مقاومة كتابة رسائل وأضعها بدرج مكتبي الهزيل، لعلها تصلك أحد الأيام، فكل ما به من رسائل إليك أنت، فلا أعرف أحدًا غيرك لكي أقص عليه أخباري وأتحدث بمثل هذا الدفء والألفة، أنت أقرب الناس إلي يا سيدى، أنت أبي. اااه هل تسمح لي بمناداتك أبي؟! أفتقد مذاق هذه الكلمة في فمي شاعرًا بكل حرف فيها، يفتقد قلبي ذلك الإحساس بوجود الأب، والأريحية بل والاعتياد على مناداته بكل بساطة ويسر “أبي”…
بعد أن وضعت ذلك المظروف بصندوق البريد ظللتُ أنتظر لأيام وأسابيع دون رد أو بادرة دافئة تخبرني بكلمة تهدئ قلبي وتطمئنه، جالت كل الأفكار الشريرة برأسي، هل مات جدي؟ هل رفض استقبالي؟ ألم يعد يرغب في؟!! كانت عيناي مُعلقتان بساعي البريد أراقبه في كل خطوة، وما أن يقترب من دكان “إلياخين” الإسكافي يدق قلبي سريعًا وكأنما سيهرب مني ويتركني ميتًا مفضوحًا بفعلتي أمامه، اااه لو علم أنني أرسلت رسالة، بالطبع سيقتلني ثم يعلق جسدي تتصفي منه الدماء بجوار الأحذية على باب الدكان إلى أن يصبح جثة بالية، ربما يسلخ جلدي ويصنع منه حذاءً يهديه لرفيقته.
كثيرًا ما لمحت نظرة غريبة في عيني ساعي البريد السيد “أورلوف”، يختلسها إليّ وهو يسلم الإسكافي رسائله، لم أتبين معناها، إلا إنها لم تكن قاسية على الإطلاق. بعد ثلاثة أشهر فقدت الأمل تمامًا من وصول أي رد من جدي، لكن السيد “أورلوف” كان يفاجئني ويأتيني خلسة بقطع بسكويت وطعام، ويمر على الدكان ليلًا وقتما يكون المكان خالٍ، يسألني عن حالي، مبتسمًا ابتسامة بيضاء نقية، تجرأت ذات مرة وسألته “ألا توجد رسائل إليّ؟!”، ابتسم ذات الابتسامة وقال “وممن تنتظر رسالة يا صغير، من سيراسلك؟!”. خفت أقول أكثر من ذلك كي لا يُخبر الإسكافي، فابتسمت في يأس وأجبت بالصمت، ألقى عليّ تحية المساء، وقبل أن ينصرف دعاني لمنزله لتناول الشاي والحساء عشية اليوم التالي.
لقد هون وجوده علي كثيرًا يا سيدي .. ااه أقصد يا أبي .. عفوًا لم أعتاد الكلمة بعد، لقد نسيتها بحق..
مرت أسابيع وشهور إلى أن صارت سنوات، وبينما أنتظر رد جدي نسيت أحسب ما مر بي من أزمنة، كل قسوة الإسكافي “إلياخين” والمُعلمة التي كانت تُجبرني على تقشير الفسيخ، كانت تهون بمرور قصير من السيد “أورلوف”. وصلت السادسة عشر ولم أكن أعلم وقتها ذلك، إلا عندما سألني عن عمري وقد صرت فتيًا، فأجبته بأنني لا أعرف، ابتسم كعادته وأخبرني أن هذا عمري وقد اطلع عليه في وثيقة ميلادي التي لمحها صدفة بينما كان ينظم بعض الرسائل مع معلمي. بل أخبرني أن هذا اليوم هو عيد ميلادي، ابتسمتُ فرحًا دون أن أدري هل بسبب أنني علمت عمري ويوم ميلادي، أم لأننا يجب أن نبتسم في أعياد الميلاد”.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











