أخبار عاجلة

يحيى حقي المفترى عليه.. ضحية “قنديل أم هاشم” و”صح النوم”

كتبت: سمية عبد المنعم

على اختلاف إبداعاته وتنوع ما كتب، إلا أن هناك ارتباطًا أزليًّا  بين اسم يحيى حقي ، شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثالثة والخمسين، كقاص وروائي، وثلاثة عناوين بعينها، تنحصر بينها شهرته: “قنديل أم هاشم، أم العواجز، صح النوم”.
ورغم أنها تستحق الخلود، إلا أنها ألحقت ظلمًا بينًا بأعمال أخرى ربما لو التفت إليها النقاد لاكتشفوا بها نقاط تفوق وتميزًا آخر.


هنا نحاول أن نزيح بعضًا من غبار أصاب تلك الأعمال وأخفاها عن العيون:
فعلى سبيل المثال، فى الكتاب ذاته الذى نشرت به قنديل أم هاشم لأول مرة عام 1944، نجد مجموعة أناشيد نثرية، رأى بعض النقاد أنها من أبدع ما كُتب فى شعر النثر والشعر المنظوم، بما يحمل من نزعات صوفية وغزل عفيف.

بينما يطرح كتابه «صفحات من تاريخ مصر» رؤية أخرى من تأملاته كقاص يروى أحداثًا من تاريخ مصر، واصفًا الحياة عبر عصور مختلفة، من عادات وتقاليد، بدءًا من العصور الفرعونية الى العصر الحديث، وتناول كل مظاهر الحياة، حتى اللعب التى كان يزاولها الاطفال والبائعون وانواع البضائع انذاك، وكيف كان المصري يفكر ويتصرف.


ولحقي مجموعة قصصية أصدرتها دار نهضة مصر، وزينها الفنان الراحل مصطفى حسين بروسوماته، ضمت تلك المجموعة قصص: «فلة ومشمش ولولو» و«عنتر وجولييت» و«الديك الرومى»، وتحمل قصص هذه المجموعة من الإنسانيات شديدة العمق والدقة ما يجعلها أقرب إلى الشعر، فتلك قصة (فلة . مشمش . لولو)، وهى أول اعماله، فقد كتبها عام 1926، يتبدى خلالها حبه لعالم الحيوان، وان كان أبطالها رموزا، وهى لوحة تعبيرية لمجموعة من البشر يضمهم مسكن واحد، منهم من أصابته الشيخوخة، ويفتقد لمن يؤنس وحدته، فلا يجد سوى قطة صغيرة اسمها فلة، لكن حتى هذا الأمل يتبدد أمام رغبة البعض فى حرمانه من ذلك الأمل.


أما قصة (عنتر وجولييت) التى نشرها عام 1955، فتحكي عن الكلب عنتر، الذي يعيش راضيا مع كوكب هانم وحسن أفندى أمام بيتهما البسيط فى بولاق، (يقول حقي فى وصف البيت: ماذا يظفر به اللص فى هذا المسكن الفقير؟ إذا دخل سيخوض أكوامًا من اللحم ولن يفلت من عنتر .كلب الست كوكب .لقيته ذات يوم ضالا فى الطريق، فترك الخلق وتبعها. لما دخلت البيت لم تكد تقفل الباب، حتى سمعت خربشة، لو كانت على وجه طفل لما خدشته .ففتحت له الباب وقلبها) ..
فيما تعيش الكلبة جولييت فى قصر إجلال هانم عيشة العز ولها شهادة ميلاد ونسب عريق.
هنا تبدو المفارقة فى تلك القصة، الفارق بين عنتر وجولييت هو الفارق ذاته بين شديدي الفقر وشديدي الثراء، فالكلب عنتر يعرفه كل حى بولاق منهم صبى نقاش، والنوبى بائع السجائر ويحبونه، فهو طوال النهار هائم فى الشارع، أما جولييت فتعيش فى سجن وقصر ، بحى الزمالك، نوافذه دائما مغلقة لا تفتح أول الصباح حتى تغلق لئلا تحيل الشمس الستائر الحريرية والصالون الأبسون فتظل النوافذ مغلقة والدار معتمة ، لا تسمع فيها ضحكة طفل، وإجلال هانم لا تنجب.

فأخذت من جولييت طفلة لها، فهي تصب حسراتها على رأس جولييت، تصرخ في وجهها دائما، لذلك انتهزت جولييت فرصة فتح باب الفيلا وخرجت فقبضت عليها شرطة الحى ووضعتها فى سيارة الحيوانات الضالة التى تشبه قفص الاتهام وسيارة المساجين،وفي الوقت ذاته قبضت أيضا على «عنتر»، ليلتقي الاثنان فى السجن على القش، الذي يراه عنتر فراشًا وثيرا، وتراه جولييت رديئا.

وتأتي إجلال هانم وتدفع الغرامة عشرة جنيهات ويفرج عن جولييت، أما أصحاب عنتر فلم يسألوا عنه فلم يلحظوا غيابه الا عند العشاء، نصحها العسكرى بكلام مشوش بالذهاب للشفخانة لدفع الرخصة والغرامة، ولأن كوكب لا تملك مالا “ولو جاءتها النقود لكست بها العيال وهكذا تركوا عنتر فى السجن. وعادت كوكب على غير هدى وقدماها تقودانها الى البيت. رفعت وجهها للسماء فرأت الليل يطبق على الأرض ..”.


لم يقتصر الأمر على الأدب فحسب، بل إن غبنًا قد أصاب عطاء يحيى حقى الآخر فى مجاليْ الفنون والموسيقى.
ففى الفنون الجميلة نجد أن له أكثر من كتاب، فهناك كتابه «سهراية فى الفن الشعبى» وكتابه «فى محراب الفن» والذى تحدث عبره عن الفنون التى شكلت وجدانه وكتب عنها كعاشق لهذه الفنون وكناقد فنى يعرف بواطن الجمال والابداع.
ومن بين الكتب التي تقف شاهدة على عبقرية يحيى حقي في الفنون،  كتاب «تعالى معى الى الكونسير »، حيث يجمع فيه بين الثقافة الراقية والثقافة شديدة الشعبية.
وقد فعل الشيء نفسه في الموسيقى فجمع في كتابه بين حبه للموسيقى الشعبية والموسيقى الغربية.
وينقسم الكتاب إلى قسمين: الجزء الأول من الكتاب يحتوى على خواطر يحيى حقي عن الموسيقى الكلاسيكية، يأخذك فيه إلى دار الأوبرا، يجلسك في إحدى شرفاته لتشهد حفلا للأوركسترا، يريك بكلماته أدق تفاصيل الحفل ويسمعك العازفين وهم يجربون آلاتهم الموسيقية، وحين يبدأ العزف يأخذك لعالم الأوركسترا الموسيقى الجميل لدرجة تجعلك تنساب بين حروف كلمات كتابه فتظن أنك هناك تجلس بين المستمعين تارة وتقف على مقربة من العازفين تارة أخرى تتأمل آلاتهم الموسيقية بعناية شديدة وتذوب في عزف الأوركسترا.

أما الجزء الثاني من الكتاب فيتناول فيه فن الكاريكاتير في موسيقى سيد درويش، سيد درويش الذي ترك بفنه إرثا عظيما للتراث المصرى، فألحانه ظلت وستظل علامة بارزة في العقل الجمعى للمصريين، وفي هذا الجزء من الكتاب قدم الكاتب يحيى حقي مقدمة عن تطور فن الكاريكاتير بمصر منذ ثورة 1919.

في بداية الكتاب يوضح حقي أن هدفه من هذا الكتاب لم يكن أبدا اقتحام ميدان الموسيقى وإنما ” أن (يلقط) جو حفلة الكونسير و(يقف) عند لحظاتها العلوية و(يدور) حول جانبها الإنسانى، متبسطا في الكلام، خالطا الجد بشيء من الدعابة، والقصد بالمبالغة، مسترجعا (ذكرياته) حين (بدأ) في روما_قبل الحرب العالمية الأخيرة_ (يخالط) الكونسير لأول مرة.” .

كما أنه بهذه المقولة يحدد الأسلوب الذي سيتناول به فكرة الكونسير والموسيقى وهو الأسلوب الساخر والحس النقدى الإجتماعى، ولعله يستخدم هذا الحس النقدى الساخر ليلقى الضوء على قضية فقدان المجتمع للوعى الجمالى للموسيقى.

وهكذا فمازال فى تراث يحيى حقي وإبداعاته الكثير من الأفكار والمواضيع الثرية، سواء كتاباته عن السينما أو عن المسرح أو السير الذاتية او تأملاته الصوفية، أو نظراته الانسانية.
هو زخم من الإبداع المتنوع الذي أثرى به تاريخنا الأدبي، ولا يجد من ينزع عنه غلاف الخفاء، ليقدمه إلى القاريء العربي، ليدرك أن يحيى حقي ليس أديبًا فحسب، بل مفكر ومبدع من طراز يندر وجوده.