على مدار أكثر من ألف عام، دأب اليابانيون على طريقة تقليدية للتخلص من ضغوط الحياة وأعباء العمل المتواصلة، وهي حمامات المياه الساخنة الشعبية المنتشرة بكل مكان في بلاد الشمس المشرقة، كما قصدها آخرون للاستشفاء من الأمراض الجلدية وخلافه بفضل التركيبة الكيميائية التي تحويها مياه تلك الينابيع خصوصًا الطبيعية منها.
الظاهرة الشائعة التي حولت اليابان على مر السنين، لأكبر مقصد للاستشفاء بمياه الينابيع الساخنة بالعالم، فقبل تفشي فيروس كورونا اعتاد الملايين من مختلف الجنسيات زيارة الجبال والوديان اليابانية التي تحوي تلك الينابيع محاطة بمناظر طبيعية خلابة، وبينما لا يكاد يخلو منزل الآن في اليابان من أحواض الاستحمام إلا أن شعبية الحمامات العامة لم تشهد تراجعا كبيرا كما هو متوقع.
وهناك نوعان من الحمامات العامة في اليابان، أحدهما “أونسن” أو ينابيع المياه الساخنة التي تحظى بشهرة عالمية، والآخر هو “السينتو”، الذي يعد أقل شهرة من نظيره الأونسن ويعتمد على مياه الصنابير المرشحة. وينتشر النوعان بكل منطقة تقريبا في اليابان ويشترط للاستحمام فيها التجرد تماما من الملابس. فيما تضع جميع الحمامات العامة اليابانية قواعد صارمة للاغتسال قبل النزول إلى المياه وتوفر مساحة مشتركة للأصدقاء والعائلات وزملاء العمل للاسترخاء والتواصل.
تعد ينابيع المياه الساخنة الغنية بالمعادن التي تعرف بـ “أونسن” الخيار الفاخر بين الحمامات العامة، واشتهرت مياه هذه الحمامات بخصائصها العلاجية العديدة، من تنقية الجلد إلى تخفيف آلام التهاب المفاصل، وهي في ذلك تشبه منطقة حلوان في القاهرة قبل أن تحيطها المصانع، وقد كانت بؤرة صحية للاستشفاء من الأمراض الجلدية.
وقد أشادت الكثير من الأساطير اليابانية بقدرتها الفائقة على مداواة الحيوانات والآلهة القديمة. فيما توجد أكثر حمامات الينابيع الساخنة في الهواء الطلق وسط المناظر الطبيعية الخلابة، وتضم أحواض استحمام من خشب الأرز. وتجتذب حمامات أونسن التي تبعث على الاسترحاء عادة الأزواج والأصدقاء الذين يبحثون عن فضاء للاسترخاء بعيدا عن هموم الحياة اليومية.
مركز أبحاث جالان، وهو منظمة أبحاث واستطلاعية أمريكية تركز على السياحة، أجرى دراسة استقصائية حول الينابيع الساخنة اليابانية. كشف عن أن معظم عشاقها من الأجانب يفضلون منطقة “كوساتسو أونسن” بمحافظة غونما، لكي تأخذ الصدارة من منطقة يابانية أخرى تدعى “هاكوني أونسن” بمحافظة كاناغاوا. وقد تراجعت الأخيرة في الترتيب لكي تتصدر القائمة أهم ثلاثة ينابيع ساخنة يرغب المستجمون في زيارتها مرة واحدة على الأقل هي “نيوتو أونسن” بمحافظة أكيتا، و”كوساتسو أونسن” بمحافظة غونما، و”يوفوين أونسن” في محافظة أويتا.
ففي عصر الإمبراطور ميجي (1868-1912)، اشتهرت ينابيع كوساتسو الساخنة في الدول الغربية عن طريق الطبيب إرفين بيلتز وهو أحد المبشرين الألمان. ومؤخرًا حظيت تلك المنطقة، باهتمام خاص بعدما أعلنت جامعة غونما نتائج بحث تفيد بأن مياهها فعالة في مقاومة فيروس كورونا، كما عملت محطات غسيل الأيدي تيرانويو، كبديل للمطهرات الكحولية، والتي أنشئت بالمنطقة بالقرب من مصدر الينابيع الساخنة في يوباتاكي كجزء من إجراءات مكافحة تفشي الفيروس، مما ساعد في تقليل القلق بين كبار السن والعائلات ممن لديهم أطفال وسط تزايد المخاوف من العدوى. وتقع تلك الينابيع فوق هضبة بارتفاع 1200 متر، وتفخر باحتوائها على ينابيع مياه ساخنة طبيعية هي الأكثر غزارة في اليابان. وبالإضافة إلى 6 ينابيع رئيسية للعامة، هناك 100 من الينابيع الصغيرة الأخرى.
وفرت منطقة أونسن هاكوني وسائل الراحة للمسافرين منذ عهد الإمبراطور إيدو (1603-1868)، ففي القرن السابع عشر اكتشفت 7 مصادر لمياه الينابيع. وهناك انتشرت منتجعات صحية هادئة صورتها أعمال فنية للرسامين القدامى باليابان. خصوصًا وأن سهولة الوصول بوسائل النقل العام جعلت هذه الينابيع الساخنة خيارًا شائعًا وشعبيًا بين اليابانيين، فضلًا عن وقوعها على أحد أهم الطرق الرئيسية التي تشهد حركة السفر من الشمال للجنوب والعكس.
في جزيرة هوكايدو، لا شعبية تفوق ينابيع نوبوري بيتسو الساخنة، والتي تأتي من فوهة بركان خامل يصل قطرها 450 متر، ما جعل مرتاديها يجدون تنوع بين أنواع مياه الينابيع ويصل لـ9 أنواع مختلفة على الأقل، أهمها الينابيع الكبريتية والحمضية “جيغوكوداني” و”أويونوما”.
ويطلق اليابانيون على كتاب السجلات التاريخية لقب “نيهون شوكي”، وفيه ورد ذكر ينابيع دوغو أونسن الساخنة خلال فترة القرن الثامن الميلادي، بوصفه أحد أقدم ثلاثة ينابيع بالبلاد كلها. وعنها سجل الأديب الياباني الشهير ناتسومي سوسيكي، إعجابه بالهندسة المعمارية ذات الطراز الياباني الحديث للمبنى الرئيسي بالمكان الذي يحوي الينابيع “دوغو أونسن” وأشاد بها في رائعته الأدبية “بوتشان”.
في مدينة ببيبّو بمحافظة أويتا، ستجد أعمدة البخار المتصاعدة بالأفق كي تتأكد من أنك وصل لواحدة من أكبر معاقل ينابيع المياه الساخنة بالعالم. فالمدينة تستتحوذ وحدها على أكثر من 2300 ينبوع يصبّ 80 ألف لتر من المياه في كل دقيقة بنسبة أكثر من 8% من كل ينابيع المياه الساخنة باليابان. تلك الينابيع تلعب دورًا هامًا في حياة سكان ببيبّو اليومية، فضلًا عن دورها السياحي، حيث يستخدمون المياه في المنازل والمطاعم بأغراض الطهي، كما تستخدم في البحوث الزراعية.
وينابيع نيوتو أونسِن الساخنة أرض الأحلام، وهي “آخر الينابيع المخبأة باليابان”، نظرًا لأنه المياه تنتمي لعدة نوعيات أهمها كبريتيد الهيدروجين. واكتسبت شهرتها بفضل تصاعد أعمدة البخار وسط غابات أشجار الزان عند سفح جبل نيوتو، محيطة بمجرى نهر سينتاتسو الذي يشق الغابة ومرتفعات “تازاواكو كووجين” التي تقع فوقها الينابيع السبعة وأشهرها “ينبوع طائر الكُركي” و”الينبوع الأسود”.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..












