أخبار عاجلة

بعد وفاة مبتكرها ماكي كاجي.. «سودوكو» اليابانية بكل بقاع العالم

للثقافة كقوة ناعمة أوجه متعددة، تستخدمها الدول ويبدعها مبتكروها في الوصول إلى العالم وإحداث التأثير والأثر في شعوبه. ربما كانت الفعاليات الثقافية الكبرى كمعرض القاهرة الدولي للكتاب واحدة من أدوات التفاعل والتواصل، كمناسبة تحل ضمن الكبريات عالميا، وفيها تظهر مشاركات دول كبرى، مثل اليابان التي تقدم نفسها للمجتمعات العربية بإبداعاتها.

على سبيل المثال؛  من منا يتخيل أن لعبة «سودوكو» الشهيرة يابانية الأصل؟ لقد عرف معظم الناس ممن اعتادوا حل اللعبة في مربع الألغاز بالصحف اليومية تلك المعلومة، عندما استيقظوا في أغسطس الماضي على خبر وفاة مبتكر اللعبة والأب الروحي لها كاجي ماكي، عن عمر يناهز 69 سنة متأثرًا بسرطان القناة الصفراوية.
الرجل الذي رحل عن عالمنا، بذل مجهودات كبيرة لتطوير اللعبة وتبسيطها كي تنال شعبية كبيرة بين الأطفال دون الاضطرار للتفكير العميق، ومن المفارقات أنها لم تحقق نجاحًا عالميًا حتى عام 2004 بعدما قدمها أحد المعجبين من نيوزيلندا وكتبت عنها صحيفة “ذا تايمز” البريطانية. لكي تعرف “نيكولي” نجاحات متتالية وهي الشركة التي أسسها كاجي ماكي وتصدر مجلة متخصصة في الألغاز بهدف تطويرها ونشرها حتى وصلت لمعظم دول العالم، كما استقطبت بطولات “سودوكو” حوالي 200 مليون شخص في 100 دولة على مر السنين.
رئيس جمعية سودوكو اليابانية غوتو يوشيبومي، يقول في حوار أجرته معه مجلة يابانية، عن كاجي ماكي ولعبته، إن صداقته معه استمرت منذ أن كانا زملاء بالمدرسة الثانوية، وفي عام 1999، انضم لشركته “نيكولي” المتخصصة في الألعاب والألغاز لكي يشاركه نشر الحلم على مدار نصف قرن من الزمان، مضيفًا أن اللعبة عرفت بشكل بسيط بمجلة أمريكية في الولايات المتحدة عام 1984 باسم “Number place” أو رقم السلام، وكان المهندس المعماري الأمريكي ومشجع الألغاز هوارد غارنز، هو صاحب الفكرة وكانت لعبة ذات قواعد مماثلة لقواعد لعبة “سودوكو”. لكي يطورها كاجي ويطلق عليها اسمها الحالي وهو “سودوكو” وتعني باليابانية “الرقم الوحيد” اختصارًا لفكرته عن اللعبة والتي تتلخص في عبارة “سوجي وا دوكوشين ني كاغيرو”، أو “يجب أن تكون الأرقام عزباء”.


وعنه يقول غوتو يوشيبومي ضاحكًا: “لقد كان كاجي ماكي شخصية جذابة للغاية، وكان رجلًا مشهورًا أينما ذهب. وكان يميل إلى التصرف والارتجال بناءً على الإلهام الفوري، مما جعله شخصًا يصعب تحديده والتعرف على ما يدور في رأسه بدقة. وربما من الأفضل القول إنه كان شخصًا لا تنطبق عليه التعريفات الاعتيادية”.
ويؤكد أنه حاول إثناءه عن فكرة إصدار “نيكولي” كأول مجلة متخصصة في الألغاز باليابان عام 1980، لأنه لم تكن فكرة مثمرة من وجهة نظره، إلا أن قدر لها أن تزرع بذور طفرة سودوكو العالمية في السنوات اللاحقة. لكن اللعبة ظلت غير معروفة لأكثر من عقدين من الزمن، حتى عام 2005، عندما حظيت بشعبية كبيرة مفاجئة في بريطانيا، وعندها انطلقت شعبية سودوكو في جميع أنحاء العالم.
وعن اللعبة بشكلها الأمريكي، يقول غوتو، إنه حاول حل بغض ألغازها لكنه “سرعان ما سئم منها”، لكي تتطور لعبة “سودوكو” تدريجيًا من تلقاء نفسها بفضل إتاحة المجال لقراء المجلة للمساهمة في تطويرها بأفكار جديدة والحصول على مقابل رمزي نظير إسهاماتهم، بل أن بعضهم من صانعي الألغاز الموهوبين حصل على فرصة وظيفة بالمجلة، ما دفعها لآفاق جديدة من التقدم ومنح اللعبة زخمًا أكثر، وبدأت تستكشف أراضي جديدة بعدما باتت واحدة من أكثر الألغاز شعبية باليابان.
وحدثت الطفرة أواخر 2004 عندما نشرت صحيفة “ذا تايمز اللندنية” لغز سودوكو في عددها كي تكتسب شعبية في لندن. والتي اشترتها من أحد عشاق السودوكو بنيوزيلاندا واين جولد، والذي بدوره حصل عليها من كتاب للألغاز اشتراه وقت زيارته اليابان عام 1997. ما دفع كاجي وغوتو للسفر إلى لندن ويكتشفا أن اللعبة حققت طفرة تجاوزت توقعاتهما، حيث بدأت كل الصحف تقريبًا في نشر ألغاز سودوكو. وأصبحت جملة “هل حللت سودوكو هذا الصباح؟” بمثابة تحية شائعة خلال تنقلات الناس في الصباح، كما تحولت لأن تكون أحد أكثر مواضيع المحادثات انتشارًا، بعيدًا عن أمور العائلة المالكة. وبطريقة جنونية انطلقت من لندن للانتشار بالولايات المتحدة والهند وأستراليا وجنوب إفريقيا وهونغ كونغ، وأخيرًا إلى أوروبا والشرق الأوسط أيضًا.


حاول الثنائي الاستفادة من ذلك في تسجيل علامة تجارية باسم سودوكو تحقق له ربح مالي، لكن الأب الروحي للعبة كاجي ماكي فضل أنه من الأفضل أن يستمتع أكبر عدد ممكن من الناس بها، وأيضًا للهروب من أعباء المراقبة المستمرة لألعاب التقليد التي تصل السوق، وربما كان تعرض لسيل من الدعاوي القضائية. لكنه بدلًا من ذلك حصل على ترحيب حار بكب مكان يذهب إليه تقام به منافسات اللعبة، لدرجة أن الناس كانوا يستوقفونه كان يسير بشوارع العاصمة الإسبانية مدريد للحصول على توقيعه والتقاط صور تذكارية معه، ومنهم من كان متذمرًا منه حيث اشتكى له رجل من أن زوجته كانت تحب سودوكو لدرجة إنها لم يعد لديها وقت له.
ويقول غوتو عن صديق عمره، إن “كل شيء حول كاجي كان يجذب الناس إليه.. فقد كان يستطيع تسلية أي شخص كان معه”. وبعد زلزال شرق اليابان الكبير عام 2011، كان الأشخاص المسنين الذين تم إجلاؤهم يقضون وقتهم بملاجئ الطوارئ من خلال حل ألغاز سودوكو، وعندما زار بعضهم. كون صداقات مع كل شخص قابله، فقد كان لديه نوع من الكاريزما التي يمكن أن تؤسس لصداقة حميمة أينما ذهب.