جدي “الطاهر” كلمة السر في بزوغ موهبة أبي.. والحي الشعبي أثر كثيرًا في شخصيته وكتاباته
ممتنة للبلد التي لا تزال تذكر أبي وتكرمه.. وأتمنى أن يُطلق اسمه على أحد شوارع السيدة أو مصر الجديدة
شاهدت أبي للمرة الأولى في السابعة من عمري.. وورثت منه حب القراءة والاستماع إلى الموسيقى
حوار – سحر عزازي
30 عامًا على رحيل الأديب يحيى حقي، بالتزامن مع اختياره شخصية الدورة الـ53 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ليتجدد الحديث عن صاحب «عطور الأحباب»، الذي لم يحبس نفسه في كتابة القصة القصيرة فقط بل كان فنانًا شاملًا تذوق جميع الفنون بعمق، وتنوعت إبداعاته ما بين رواية وكتب فكرية وقصص قصيرة، كما كتب عن الموسيقى والفنون الشعبية والفن التشكيلي والمسرح وغيرها، وكأنه مايسترو يستطيع عزف جميع المقطوعات.
درس «حقي» القانون واشتغل بالمحاماة وسافر للعمل بالسلك الدبلوماسي، وأبدع من خلال كتاباته المتفردة ليصبح أديبًا استثنائيًا عشق اللغة العربية وأبدع في كتابتها، وتأثر بأحيائها الشعبية ووثق حكايات من قلب الصعيد ثم ذهب للحجاز وبعدها إلى تركيا وروما غيرها؛ ليواصل رحلة ابداعاته.
ابنه الأديب الراحل، الكاتبة نهى يحيى حقي، تكشف في حوار مع «3+50» عن تفاصيل وأسرار عن حياته الخاصة ومشواره الأدبي والثقافي وغيرها.
– في البداية.. كيف استقبلتِ خبر اختيار يحيى حقي ليكون شخصية معرض القاهرة للكتاب هذا العام؟
استقبلت الخبر بسعاد غامرة؛ لأن يحيى حقي في يوم من الأيام كان رائدًا من رواد معرض الكتاب، وكنت أحرص على الحضور معه، للاستمتاع باللقاءات الثقافية في الساحة وحضور المناقشات وشراء الكتب والالتقاء بالكتاب والأدباء والتعلم من تجاربهم.
كما أن والدي لم يكن أديب عصره فقط بل أعماله تصلح لكل زمان ومكان. وأتوجه بالشكر للدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة، والدكتور هيثم الحج علي رئيس الهيئة العامة للكتاب، على هذا الاحتفاء والتكريم.

– ما هي رسالتك للأجيال الجديدة؟
يجب أن نخبرهم بأن كتابات الأديب الراحل معاصرة وتتناسب مع أعمارهم، وعليهم خوض التجربة وفتح صندوق إبداعات يحيى حقي، وهذه فرصة أسعدتني لوجوده على الساحة من خلال المعرض وطرح إرثه الثقافي للشباب للتعرف عليه عن قرب، واكتشاف الكنوز الأدبية التي تركها.
وأريد أن أُخبرهم أن هناك تفاهمًا كبيرًا بين حقي وبينهم، رغم أنه حاليا بمثابة الجد وليس الأب، ولكن يمكن أن نطلق عليه «الجد المعاصر»، لو قرأت كتابا له ستشعر أنه كتبه اليوم، لأنه أحد الرموز الذين كتبوا باجتهاد وصدق ولهم رؤى تعيش للأبد.
ذكريات الابنة مع والدها
– ماذا عن ذكريات الذهاب إلى معرض الكتاب معه؟
كانت فترة المعرض بالنسبة لنا من أجمل اللحظات التي تمر علينا طوال العام، حيث نلتقي بالقراء والمستمعين ونحضر ندوة من القلب مليئة بالأفكار الجديدة، وكان والدي مستمعا جيدا، كانت الفعالية تمر وكأنها مباراة كلامية ثقافية تضم جميع إبداعات الحديث.
وكان «حقي» يسجل هذه الأحاديث كي يخرج منها بأفكار جديدة، كان متميز ليس لكونه والدي فقط بل لأنه كاتب لن يتكرر، وأنا دائمًا اعتز به وكنت أشعر بالسعادة لمجرد تواجدي معه في أي مكان، لأنه كان صادقًا في مشاعره يصف كل شيء بمحبة، وبخاصة للشباب الواعد الذي كان يحضر اللقاءات بحماس، وكنا نلتقي بالعديد من الكتاب المعروفين، آنذاك، ومنهم من كان يأتي من البلدان العربية، من بينهم نزار قباني الذي كان يلقي شعرًا بالمعرض.
– انتقل يحيى حقي من دراسة القانون والعمل بالمحاماة للأدب وكتابة القصة القصيرة.. حدثينا عن هذا التحول؟
من حسن حظ يحيى حقي، إن ربنا أتاح له محطات كثيرة في حياته شكلت موهبته سواء في القراءة أو الإطلاع، فكان في البيت معروفًا بحبه الشديد للمعرفة، فضلًا عن أنه عاش وسط أسرة عاشقة للقراءة والكتابة فكان عمه الطاهر حقي من الرواد الذين كتبوا الرواية الطويلة، واكتشف موهبة ابن أخيه منذ نعومة أظافره، فكانت من عادات الأسر المصرية العيش معًا تحت سقف بيت واحد، فكان عم والدي يراقبه ويتابع تطور موهبته ويشجعه على تنميتها.
أبي بدأ منذ سن الـ14 عامًا يحضر الصالونات الأدبية، ولقاءات للشاعر أحمد شوقي، كما كان والده عاشقًا للقراءة، وشجع والدي على دراسة الأدب الروسي والعربي والشعر القديم، فكل هذا شكل أول محطة في حياته، بجانب بدايته في حي السيدة زينب الذي شكل كل مشاعره وأحاسيسه وكان دائمًا يقول والدي: «كنت أحب أبقى ابن بلد ولكن الساحة جعلتني دبلوماسيا».
مرحلة المحاماة كانت محطة قصيرة في مشواره، ولكنها دربته كيف يقرأ القضايا ويدخل المحاكم ويستمع إلى كبار المحامين في مرافعاتهم، ثم الانتقال لمعاون بإدارة منفلوط التابعة لمحافظة أسيوط، والالتقاء بالصعيد وأهلها والحياة هناك في بداية العشرينيات، ولم تكن هناك أي وسيلة ترفيه فكان يعيش معهم وروى تفاصيل تلك الفترة في «خليها على الله» السيرة الذاتية التي وثقت تلك الفترة فقط، وكتب «دماء وطيب» المستوحاة من أهل الصعيد أيضًا.

– كيف أثر العمل بالسلك الدبلوماسي على حياة وإبداع يحيى حقي؟
كانت هذه النقلة الثانية في حياة يحيى حقي بأن يعمل في السلك الدبلوماسي، حيث بدأ من الحجاز ثم تركيا، ثم إيطاليا في عهد موسوليني، ثم فرنسا، ثم عاد لتركيا مرة أخرى، وشهد تحولها من الدينية للعلمانية، وأخيرًا ليبيا، وبالتالي شاهد الكثير من الأشياء والأحداث التي أضافت لأعماله، حيث عمل في مصلحة الفنون وأحدث تطويرًا للفنون الشعبية بكل أطوارها. التأثير السلبي الوحيد أنه كان بعيدًا عن وطنه بحكم طبيعة عمله.
إنسانية وبساطة الأديب
– وماذا عن سنوات الطفولة وعلاقتك بوالدك في تلك الفترة؟
أمي توفيت بعد أسبوع واحد من ولادتي، فتكفلت أمها – جدتي – بتربيتي ورعايتي، وظل أبي معي حتى بلوغي سن الثالثة، لكني لم أكن في كامل وعيي، ثم انتقل للخارج لمدة 4 سنوات دون إجازات، كان دائم التواصل معي وكان يرسل لي الهدايا وهكذا، ولكن بدأت ألتقي به مرة أخرى وأنا في سن السابعة.
عشت مع أبي أجمل أيام حياتي، كان يحب الطفولة بكل أطوارها، وأجمل ما فيه أنه كان ينزل لعالمي، يعلمني الهوايات ويصطحبني للسيرك. كنت بدأت أفهم أكثر واتحدث، ولن أنسى زيارتنا لحديقة الحيوان والأسماك، والأماكن الشعبية مثل سيدنا الحسين أو السيدة زينب، كان جمال ما بعده جمال، ويجب أن أذكر بأنني لم أشاهد السيرك إلا من خلاله، فهو دخل عالمي بكل الحب يتابعني ليعرف ما أحبه في الأكل وما أفضل سماعه، ولم أسمع طيلة حياتي كلمة آذتني منه، كنا أصدقاء وأكثر عقاب لي أنه يزعل مني، كان عقاب شديد جدًا ليا.
– رُبما يعرف الكثيرون يحيى حقي الأديب.. فماذا عن الجانب الإنساني في حياته؟
اعتدنا قبل العيد شراء الملابس الجديدة كعادة باقي العائلات المصرية، وكانت هناك فتاة تأتي من الريف لتساعدنا في أعمال البيت، لم يمر عيد إلا وكان أبي يشتري لها ملابس العيد معي ومن نفس المحل وبنفس الجودة، حتى يرى في عينيها السعادة، يصطحبنا ويبدأ بها أولًا ثم يأتي دوري لاختيار ما يناسبني “كان بيخليها مبسوطة قبل ما أنا اتبسط”، وبالتالي الموقف ده أثر فيا جدًا وبدأت آخذ بالي من مثل هذه الأشياء البسيطة في الفعل والعميقة في النفس، رغم إن ولدي لم يكن ميسور الحال ولكن كان حريص على إرضاء من حوله قدر استطاعته. كان راقيا بتصرفاته ومتواضعا وشديد الخُلق والرفق مع الجميع.
– ما هو شعور يحيى حقي عندما كان يُقال له إنه «تركي»؟
يحيى حقي مولود في حارة «المبيضة» بحي السيدة زينب، وعاشق لتراب مصر، ولا ننكر أن له جذورًا تركية، ولكنه كان مصريًا خالصًا، وكان دائمًا يقول جملة مهمة: «لما عشت بالخارج، لم أذب في بلاد الحضارات، لأني متسلح بأرض مليئة بالحضارة»، كما أنه كان عاشقًا للغة العربية وإبداعاتها.
– وماذا ورثت الابنة الوحيدة من الوالد؟
ربما أكون ورثت منه حبي واهتمامي بالكتابة والقراءة والاستماع إلى الموسيقى، ولكن افتقدت الهدوء النفسي والتصالح الشديد مع الحياة الذي كان يتمتع به والدي، كما أنه كان عصريًا ويحب التطور وشديد التأني في كل شيء ومبتسما.
لو كان يحيى حقي بيننا في هذا الزمن.. هل كان سيفضل التطور التكنولوجي الذي أثر بشكل كبير في القطاع الثقافي؟
يحيى حقي عاصر بداية ظهور الكمبيوتر وكان يشجع على التقدم لأنه مؤمن بأن كل هذا سيؤثر على الإنسان إيجابيًا وعلى ذكائه، كما كان متابعا جيدا للأفلام والأغاني الأجنبية وأيضًا العربية، واعتقد لو كان حيًّا بيننا الآن لاندمج وتفاعل مع التغيير والتطور والقراءة عبر الهاتف المحمول.
– هل هناك إصدارات جديدة لـ«يحيى حقي» في معرض الكتاب هذا العام؟
نعم.. هناك كتاب بعنوان «وصية صاحب القنديل» للكاتب الدكتور صلاح معاطي، ويضم الكتاب مجموعة من الدراسات الأدبية الخاصة بكيفية كتابة المقدمة، سواء التي كتبها الراحل، أو التي كتبها عنه بعض النقاد، وهو عن الهيئة العامة للكتاب، وجمع الدكتور صلاح المقدمات من بعض الكتب كما طلبته منه وتحمس لهذا العمل وجمعها وأدعوا الجمهور لقراءته.
موقف السنما من أعمال يحيى حقي
– هل تجاهلت السينما أعمال يحيى حقي؟
لا يمكن أن نقول تجاهل، ربما كان السبب أن معظمها قصص قصيرة ويصعب على أي سيناريست تحويلها لعمل سينمائي طويل، ولكن أدعو في الوقت الحالي إعادة النظر فيها، فإذا كان لدينا سيناريست حاليًا يعمل من القصص وليس الروايات فقط، فسيكون فيلمًا ناجحًا ومعاصرًا ومنها على سبيل المثال «امرأة مسكينة» و«عنتر وجوليت» وغيرها يهمني أن يظهروا للجمهور في صورة سينمائية تخلد تلك الأعمال.
صدفة الزواج
– هل تزوج يحيى حقي من والدتك بـ«الصدفة»؟
نعم تزوج أبي من أمي بالصدفة، فعندما عاد من روما عام 1942 كان عمره وقتها 39 عامًا، وقرر أن يتزوج فرشح له أحد معارفه أسرة لديها فتاتين يركبان قطار حلوان يوميًا من محطة المعادي للذهاب للمدرسة.
وبعد أيام نسى والدي اسم أسرة الفتاتين وعاد ليسأل صديقا آخر عنهما، فرشح له أسرة أمي، وكانت فتاة جميلة وبدأت المشاعر تتولد بينهما رغم أنه كان في مرحلة عمرية كبيرة وهي شابة لا تزال في بداية العشرين، لم يعش معها والدي إلا 9 أشهر فقط، وتوفيت بعد ولادتي بأسبوع، بسبب إصابتها بحمى روماتيزمية أثناء الحمل.
– هل أنتِ مستعدة لعمل مكتوب عن يحيى حقي، بمفردك؟
مع الخبرة التي اكتسبتها، نعم الآن مستعدة، وأرغب في تقديم رسائل والدي مع أصدقائه والتي شاهدتها بنفسي «رسائل خاصة بين بنت وأبيها»، فمن خلاله تعرفت على معالم كثيرة وشخصيات وأحاديث كثيرة دارت بينه وبين أصدقائه ومنهم نجيب محفوظ وعباس العقاد وتوفيق الحكيم، وكنت في غاية سعادتي بسهير القلماوي وأهل الأدب عمومًا في تلك الفترة وهنا أذكر بهاء طاهر وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وغيرهم، بالإضافة إلى أحاديثه وأعماله في التلفزيون الذي له دور كبير في إبراز يحيى حقي المتحدث الجميل مع فاروق شوشة وسميرة الكيلاني، وليلى رستم، فهناك العديد من اللقاءات في الإذاعة مع نادية صالح، وعمر بطيشة، وغيرها يجب توثيقها.
– ذكرتِ من قبل أن أمنيتك أن يطلق اسم يحيى حقي على أحد الشوارع؟
نعم.. لا زالت أتمنى أن يطلق اسم يحيى حقي على أحد شوارع حي السيدة أو مصر الجديدة التي كان عاشق لها، وهذه فرصة جيدة بالتزامن مع اختياره ليكون شخصية معرض الكتاب هذا العام أن نعيد المطالبة بإطلاقه اسمه لتخليد ذكراه.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











