أخبار عاجلة

أثر «يحيى حقي».. قديس البساطة والعمق والالتزام

أشرف عبد الشافي: أعتبره ضمير الإبداع الأول
رضوى الشريف: تأثيره في الأجيال لن تكفي مجلدات لشرحه
محمد الزلباني: صاحب لغة رشيقة واستخدامه للعامية جرأة

كتبت – عزة عبد الحميد
“صاحب كتابة لغوية لا مثيل لها، عاشق اللغة، صاحب القنديل الأدبي، المعبّر بتفاصيل اللغة عن كل ما يريد الوصول إليه بسهولة ويسر”.. كلمات وُصف بها أدب الكاتب الراحل يحيى حقي، صاحب التأثير الكبير في الحياة الأدبية في مصر.
ولم يكن يحيى حقي كاتبًا للقصص القصيرة والروايات فقط، لكنه كان ناقدًا ساخرًا ولاذعًا، وداعمًا للكتاب الشباب، وبالرغم من أن نقده كان لاذعًا أحيانًا، فإنه كان يطالب كل أديب بأن يحتفظ بطريقته ولغته، دون أن يكف عن المحاولة لتحسين هذه اللغة ليصل إلى حدود البراعة.
واعتمد يحيى حقي في نقده على أسلوب النقد التأثري، أي النقد القائم على الحساسية الجمالية في اللغة قبل كل شيء، هذا ما قاله في بداية كتابه الذي ضم مقالاته النقدية، وبدأت بنقد المجموعة القصصية “سخرية الناي” للكاتب محمود طاهر لاشين، وانتهت بمقال عن الدكتور مصطفى محمود وقصته “المستحيل”.
ولكنه عاد أيضًا في “خطوات في النقد”، مُعلنًا أنه هاجم البعض بقسوة، لكنه كان يريد أن يصل الأدباء دائمًا باللغة إلى أفضل العبارات وأفضلها انتقاءً، حيث قال: “قد ألوم نفسي أو أستسخفها إنْ بدر مني من قبلُ كلامٌ الآنَ أودُّ ألَّا يكون قد خطَّه قلمي بجهلٍ واندفاع وخطل رأي. إنني نادم الآن ومستغفر لربي على اشتطاطي في القسوة على بعضِ مَن تناولتهم بالنقد، وعلى أسلوب وخز الإبر الذي دلس نفسه عليَّ بأنه دعابة مقبولة لا سخرية مرذولة”.
واعتمد نقد “حقي” على أن يكون التقييم في جوهره، وإن كانت أسس التقييم لا تنهض على الحاسة الجمالية وحدها، بل تجمع إليها فطنة مرهفة لوظيفة اللغة في الأدب، وحساسية قوية بوظائف الأدب الإنسانية العامة والقومية المحلية، وإن اتجه في انتقاده إلى إعلاء أساليب اللغة عن أي شيء آخر.
ولكن مع الانتقاد اللاذع الذي قدمه يحيى حقي خلال مشواره الأدبي، وقصصه القصيرة التي نشرها والروايات، هل وصل إلى ما كان يرغب من تأثير في أجيال جاءت خلفه؟ بالطبع نعم، فقد اعتبره البعض مؤسس مدرسة فريدة لا يوجد مثلها في كتابة القصة القصيرة، واعتبروه أبًا روحيًا لهم، لتظهر بعض مجموعاتهم القصصية متأثرة به، ومقالات نقدية لنقاد أدب تعتبر أنه جمع بين الدبلوماسية والمهارة في توصيل ما يرغب في مجال النقد الأدبي.
وقال الكاتب أشرف عبد الشافي: “بشكل شخصي أضع يحيى حقي أمامي في كل تجربة كتابة أقوم بها، باعتباره ضمير الإبداع الأول، فلم يكتب قصة إلا راجعها مئات المرات بالحذف والإضافة”. وأضاف: “يحيى حقي تحدث في مذكراته ومقالاته عن هذه الدقة التي جعلته يبحث مرة عن كلمة ينطق بها محسن بطل روايته قنديل أم هاشم، للتعبير عن دهشته، فظل ليالي يبحث حتى وجدها في مسرحية لشكسبير، وكتب هامشًا في الرواية يشرح كيف عثر على ما يريد”.
وتساءل “عبد الشافي”: “هل هناك دقة وروعة ويقظة ضمير أجمل من هذا؟ هل هناك درس للكاتب والمبدع أفضل من ذلك؟ يحيى حقي القديس الذي تطيب النفس في قراءة إبداعاته أو مقالاته التي صدرت في كتبه عن الموسيقى مثلًا كما في كتابه “تعال معي إلى الكونسير”، أو رحلاته في قرى مصر كما في كتابه “خليها على الله”، أما في رواياته فهو في مصاف أكبر أدباء العالم برائعة “البوسطجي” إضافة إلى قنديل أم هاشم بالطبع”.
أما الكاتبة رضوى الشريف فقالت: “الأديب الكبير يحيى حقي واحد من أعمدة الأدب العربي، ولو تحدثنا عن تأثيره في أجيال أعقبته لن تكفي مجلدات، سواء بالحديث عن موهبته أو رواياته العظيمة مثل البوسطجي الذي تحوّل فيما بعد لفيلم ضمن قائمة أفضل ١٠٠ فيلم في تاريخ السينما المصرية”.
وأضافت الشريف: “يحيى حقي أبدع في رواية قنديل أم هاشم ونقل صورة مطابقة للواقع حينها بالمناطق الشعبية من جهل ونصب، وغيرها مثل مذكرات عابر سبيل وأم العواجز وصح النوم، والتي تأثرنا بها جميعًا في كتاباتنا”.
أما الكاتب والصحفي محمد الزلباني، فرأى أن “يحيى حقي كاتب بديع، واللغة لديه رشيقة بشكل كبير، حيث إنه استخدم أساليب تعبيريه لمعانٍ كبيرة بسلاسة واضحة ولغة مفهومة ودقيقة في ذات الوقت وذات تعبيرات مميزة جدًا”.
وأكد أن إصرار يحيى حقي على استخدام اللغة العامية في حوارات رواياته في زمنه هو شيء جريء يُحسب له، ويعد جرأة كبيرة، وكان هذا ضمن ثورته على ما كان يُتّبع حوله في المجال الأدبي، كما أنه في مجال النقد الأدبي والصحافة، كان يهتم كثيرًا بأن يكون الناقد الذي يقدم له مقالاته ذا فكر واضح وصريح، وكان يعمل على التدقيق في اختيار اللغة التي يكتب بها النقاد، ويتناقش معهم فيما يقومون بكتابته، محبًا وليس من باب الانتقاد”.