خاض سجالات مع طه حسين والعقاد.. وهاجم باكثير على «حبل الغسيل»
كتب في الفلسفة والنقد.. ونظم الشعر في ديوان «أغنية الإنسان»
كتب – محمد عبد الرحمن
خلال إحدى دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب، في مطلع الألفية الجديدة، وبينما الخال عبد الرحمن الأبنودي يتحدث، في أمسية وسط جَمع من مريديه، دخل فجأة رجل باسم قليل الحجم، تشير حركاته البطيئة إلى قدر كبير من التواضع. بهدوء ملحوظ جلس الرجل على أول مقعد التقاه في نهاية القاعة الكبيرة، ويبدو أن هناك من انتبه إليه، فأرسل إلى «الأبنودي» ورقة وهو على المنصة، ما أن قرأها صاحب «جوابات حراجي القط» حتى قال: «فلنرحب بالأستاذ الكبير محمود أمين العالم».. صفق كل من في القاعة، وذاب الرجل خجلًا بعد أن طلب منه «الأبنودي» أن يأتي للصف الأمامي ليجلس بجانب ابنتيه «آية» و«نور».. فما كان من المفكر الكبير إلا أن قال: «لا أريد أن أحدث ارتباكًا في الأمسية»، لكن الخال أصر، فتحرك الرجل إلى الأمام، وصفق الناس من جديد.
هكذا كان محمود أمين العالم، قامته صغيرة، وهدوؤه طاغٍ، لكنه صاحب إنتاج وفلسفة يقفان في الثقافة المصرية كعملاقين. لم يمنعه خجله هذا من خوض معارك فكرية كبرى، ولم يكن أدبه الزائد مانعًا للدفاع عن أفكاره.
اختلف مع الكبار، وكان منهم وفي مقدمتهم، تباين مع طه حسين وعباس العقاد في أفكارهما، وهاجم علي باكثير بسبب «حبل الغسيل»، لكنه ظل طيلة حياته مهمومًا بالإبداع وحرية الفكر.
في حي «الدرب الأحمر» عام 1922، وُلد محمود أمين العالم، وبمدرسة «النحاسين» الابتدائية في حي الجمالية، تشكل وعيه، وداخل كلية الآداب في جامعة «فؤاد الأول» -القاهرة حاليًا- درس الفلسفة.
فى شبابه تأثر بـ«وجودية» عبدالرحمن بدوي، مقتنعًا بالعلم في جانبه التطبيقي الطبيعي، واتخذ من «الماركسية» إطارًا منهجيًا للتفكير المادي، وكانت طريقه لكتابات مثل «الماركسيون العرب والوحدة العربية» و«الفكر العربي بين الخصوصية والكونية».
أحب «شيخ الشيوعية» -كما أُطلق عليه- الفلسفة بعمقها وبساطتها، وكتب النقد والفلسفة، وشارك في كتاب «في الثقافة المصرية»، الذى ألقى فيه الضوء على نتاج العديد من أدبائنا وكُتّابنا الكبار، ولم يخجل من كتابة الشعر في ديوان «أغنية الإنسان» 1970، وكيف لا يكتب الإبداع بكل صنوفه وهو الفيلسوف المبدع؟
واجه محمود أمين العالم كل إغراءات الانضواء تحت عباءة السلطة، وتمسك بروح اليساري وأفكار العدالة الاجتماعية، وظل دائمًا مخلصًا رافضًا للهزيمة، ولِمَ لا وهو الذى كتب «ثلاثية الرفض والهزيمة»؟
عاش محمود أمين العالم بابتسامة تواضع لم تفارق وجهه، وظل إلى آخر أيامه مناضلًا لا يلين، وفيلسوفًا دائم المراجعة لأفكاره، حتى رحل عام 2009، تاركًا بصمة لا تُنسى في الحياة الفكرية والثقافية المصرية.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











