أضافت للفن السابع عنصر «الحكاية» سواء الكوميدية أو التراجيدية
كل أنواع وتصنيفات السينما الحديثة مستمدة من التقسيم اليوناني
فنون الحكي والرقص والملابس والتمثيل والمكياج أصلها إغريقي
«Troy وUlysses وUlysses’ Gaze» مستمدة من «الإلياذة والأوديسا»
كتب – رامي المتولي
من القرن السابع قبل الميلاد وحتى الآن، لا يخفى على أي مهتم بالفنون تأثير الدراما الإغريقية، منذ تأريخ هذا الشكل الفني واعتبار «هوميروس» هو نقطة انطلاق لذلك، بما سطره أو منسوب إليه وتم اعتباره النواة التي سمحت بدراسة التأثير العظيم لتلك الدراما.
وتطورت الدراما الإغريقية مثلها كمثل أي نوع فني، لكن الفارق أن تطورها كان في عهد سحيق من التاريخ، ما يجعل تطورها هو الأهم، لأنه في الحقيقة تطور أدى إلى ازدهار أنواع فنية أخرى.
ولا يمكن تخيل العديد من الفنون بشكلها الحالي، دون أن تلاحظ بوضوح تأثرها بالدراما الإغريقية، التي وضعت أسسًا لا تزال تُستخدم حتى الآن، وذلك وعلى الرغم من أن المسرح الإغريقي نفسه قد اندثر كشكل متفرد، ما زال أثره في كل أنواع الفنون، خاصة التي تضم عددًا من العناصر الفنية داخلها مثل المسرح والسينما.
السينما تحديدًا تعد من أحدث وسائل التعبير الفني، والتي تضم عناصر فنية متعددة، وبجمعها معًا يخرج العمل الفني تحت مظلة السينما، سواء كان فيلمًا طويلًا أو قصيرًا.
في البداية تم استغلال الصورة المتحركة في أجهزة عرض بدائية، وتطويرها اعتمد على التقاط الصورة الفوتوغرافية الثابتة، لتظهر الصورة المتحركة المكونة من عدة صورة ثابتة وتُعرض بسرعة محددة، لتستقبلها العين البشرية كسلسلة متصلة من الصور.
واستغرقت هذه العملية من التطور تقريبًا القرن التاسع عشر بأكمله، بعدها تأسست صناعة السينما بشكلها الحالي، وهو فيلم ينتج للعرض في قاعة عرض بمقابل مادي للجمهور، كما كان شكل العرض الأول في مقهى «جراند كافيه» بباريس، في 28 ديسمبر 1895، والذى نظمه الأخوان «لوميير» الفرنسيان، وعُرض خلاله 10 أفلام قصيرة صوراها باستخدام الكاميرا التي ابتكراها.
لكن الأفلام التي كانت تُنتج في هذه المرحلة لم تتعد التقاط مشاهد طبيعية وأحداث حياتية، لذا كان الاحتياج للقصة أو الحكاية التي توفر الاستمرار والتجدد في الأفلام السينمائية. هنا سد الفراغ الأساس الذى وضعته الدراما الإغريقية قبل 700 سنة قبل الميلاد، وأصبحت هذه الدراما بتصنيفاتها «تراجيديا وكوميديا» هي حجر الارتكاز في السينما، واعتمدت هذا التراث الإنساني ليكون المحرك الأساسي لمسيرتها التي تخطت الآن أكثر من 120 عامًا.
وجميع هذه العناصر التي تعد أساس عملية الإبداع في السينما، ويستخدمها المخرج كوسيلة أساسية في التعبير، أصلها إغريقي، ولجأ إليها الفنانون وقتها لحاجتهم إليها.
وكما كانت السينما تفتقد عنصر الصوت في بدايتها، واستعاضت عنه بالأصوات الحية داخل قاعة العرض سواء عن طريق راوٍ أو فرقة موسيقية، اعتمد المسرح الإغريقي على «الكورس» ليسد الفراغات في الحكي، ويقدم الاستعراض والغناء في الفترة التي يحتاج فيها الممثل الرئيسي أن يغير ملابس الشخصية، أو يرتدي قناعًا آخر.
التصنيف الأساسي للسينما على أساس النوع ينقسم إلى «تراجيديا» و«كوميديا»، وفقًا للتقسيم الإغريقي، ومنه خرجت كل الأنواع الأخرى، فهذان النوعان هما الأساس، وترتبط بهما الأنواع الأخرى مثل «الجريمة» أو «الإثارة» أو «الحركة».
وسنجد أيضًا أن الأنواع الأخرى لها جذور خفية في الدراما الإغريقية، وكمثال عند واحد من أهم الشعراء الإغريق وهو «هوميروس»، المنسوب إليه ملحمتا «الإلياذة» و«الأوديسا»، وكلتاهما تمزج التاريخ اليوناني بالأساطير بالدين، من خلال سرد تاريخي درامي لحرب طروادة وانتصار الاغريق، ثم رحلة العودة لقائدي الجيش الإغريقي، وتركيزه على «أوديسيوس» وعلاقته بالآلهة، وصراعاته مع الوحوش الأسطورية، وهو ما يمكن أن يُعتبر أساسًا لعشرات الأنواع الفيلمية حاليًا، نذكر منها التاريخي والمغامرات والإثارة والخيال.
كلٌ من «الإلياذة» و«الأوديسا» كانت محور عدد كبير من الأفلام التي تم إنتاجها من رحمهما، مستندين على أجزاء منها فقط، سواء بشكلها وسياقها الطبيعيين مثل فيلم «Troy» إنتاج 2004، المعتمد على «الإلياذة» من بطولة براد بيت وإريك بانا، وفيلم «Ulysses» إنتاج 1954، المعتمد على «الأوديسا» من بطولة كيرك دوجلاس وأنتوني كوين.
كما أن هناك العديد من الأعمال التي تغير زمن وأحداث وطبيعة «الإلياذة» و«الأوديسا»، لتنتقل أحداثهما إلى المستقبل والفضاء، مثل مسلسل الرسوم المتحركة «Ulysses 31» إنتاج عام 1981، أو فيلم المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولس «Ulysses’ Gaze» إنتاج عام 1995، الذى ربط من خلاله بين حرب البلقان وملحمة «الأوديسا».
وهناك بالطبع عشرات الأمثلة الأخرى لتأثير الدراما الإغريقية على الفنون في العالم، خاصة السينما، والتي تضم عشرات الأفلام التي نجد فيها أن مفهوم العدالة ــ مثلًا- ما زال يظهر كقضية إشكالية في الأفلام، على غرار الصراع الشهير من مسرحية «أنتيجون» للشاعر «سوفوكليس»، وكأنه إعادة تجسيد لموقف «أنتيجونى» في مواجهة الملك «كريون».
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











