أخبار عاجلة

مثقفون عن هوية مصر: اختصرت كل الحضارات والأجناس

احتضنت الجميع.. ولم تستبعد أحدًا بناء على لونه أو جنسه أو دينه
ليست آثارًا أو فنًا أو ثقافة.. بل في الروح التي تقف وراء هذا كله

كتبت – آلاء عثمان
فيما قدم عدد من المثقفين تصورات ورؤى مختلفة حول نظرتهم وتعريفهم لمفهوم «الهوية المصرية»، التي تم اختيارها لتكون شعار الدورة 53 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، المقام حاليًا وحتى السادس من فبراير، ورغم اختلاف تعريفات كل منهم لمفهوم «الهوية المصرية»، إلا أنهم اتفقوا على أن مصر احتضنت الجميع، وتمكنت من دمج كل الحضارات والأجناس والأعراق على أرضها، لتكوّن لنفسها هوية متفردة لا توجد في أي مكان آخر في العالم.

متعددة ولا يمكن اختزالها
الناقد الأدبي رضا عطية، قال إن الهوية المصرية نسيج يُمثل خصوصية الثقافة المصرية على امتدادها التاريخي، وهي متعددة ولا يمكن اختزالها في شيء واحد.

وأوضح أن ذلك يشمل آثارًا حضارية وأنساقًا فكرية ومعتقدية بكل ما تعنيه المعتقدات من مفاهيم وصور، سواء ديانات أو معتقدات وأطروحات ورؤى، ما جعل لمصر خصوصيتها وتميزها.

وتابع: «أضف لذلك أشكال الهوية المادية المختلفة للثقافة المصرية والنتاجات الحضارية لها، مثل الآثار المصرية على مر العصور، والتكوين الجمعي للشخصية المصرية نتيجة احتكاك الإنسان بالمكان، كالعادات والتقاليد والأداءات اللغوية، بما في ذلك من تنوعات وتمايزات تشكل في مجملها ملامح للشخصية المصرية»، معتبرًا أيضًا أن تعدد اللهجات باختلاف الأقاليم في مصر هو تشكيل لملامح التعدد الثقافي المكون للجوهر الكلي للشخصية الجمعية والثقافية المصرية.

وأشار كذلك إلى الإبداع الفني والجمالي والأدبي المصري المعبر عن الشخصية المصرية بهمومها وتطلعاتها وخصوصيتها وتميزها على مر العصور، علاوة على أشكال الفنون المختلفة، سواء كانت قديمة مثل الغناء والنحت والرقص، أو حداثية كالفنون البصرية مثل السينما والغناء والأدب والدراما، مختتمًا بأن «كل هذا يمثل خيوطا تتآزر وتتشابك لتكوّن نسيجًا لهوية مصر».

احتضنت الكل دون استبعاد أي عرق
اعتبرت الكاتبة والروائية سهير المصادفة أن أهم ما تميزت به مصر على مرّ العصور هو هويتها، خاصة أنها حافظت على تعدد منابعها، منذ بدء التاريخ الذي أهدت فَجره إلى العالم أجمع.

وأوضحت هذه الفكرة بقولها: «مصر لم تكن أبدًا إمبراطورية استعمارية، وإنما حرصت على دمج كل الهويات والأجناس في بوتقة تخصها وحدها. لم تستبعد أي عرق منذ قديم الأزل بسبب لونه أو جنسه أو دينه، بل احتضنت الجميع، واستطاعت الحفاظ على حدودها واسمها لآلاف السنين».

وواصلت: «اللحظات التاريخية – تحديدًا – التي كانت فيها مصر مُستعمرة، ويحاول المستعمر تلوينها بلون أيديولوجي أو عِرقي أو ديني واحد، هي أكثر الحلقات ضعفًا في مسيرتها الحضارية، بينما محطاتها الأهم على صعيد العمارة والفنون والسينما والأدب والفكر فقد كانت حين تمسكتْ بهويتها الكوزموبوليتانية، التي تسمح بتعدد وجهات النظر وحرية الأفكار والمذاهب والمساواة والرغبة في بلوغ الآفاق الأبعد للجمال والعدل والخير».

وشرحت أن «مصر اختارت هويتها مذ وحد مينا قطريها الشمال والجنوب، مُشيّدًا أول عاصمة مدنية في العالم بشكلها الذي نعرفه الآن، وبوضع أسس الدولة المدنية حدد ليس فقط حدودها، وإنما ما يميز الدولة المدنية الحديثة من مبادئ وأسس يتعايش الجميع تحت سمائها في سلام».

واختتمت بتأكيد أن «هوية مصر ليست في ثلث آثار العالم الذي تحويه أرضها، وليس في منجزها المعماري الخالد الذي يقف في وجه الزمن، وليس في منجزها السينمائي اللافت، ولا في ثقل إرثها التاريخي والفكري والأدبي، ولكنه فيما وراء هذا كله، في الروح التي حققت هذه المكانة، وتستطيع تحقيق أكثر إذا ما حلقت بجناحي هويتها الحقيقية وإرادتها».

تعاني الفقر الثقافي والإبداعي
رأى الدكتور حسن حماد، أستاذ الفلسفة، أن الهوية المصرية مفهوم دينامي حركي، بمعنى أنها تتحقق على أرض الواقع في الوقت الحالي، وتتجه صوب المستقبل، مبينًا أن هناك عناصر من الماضي تُشكلها، بعضها أكثر حضورًا وأخرى تظل هامشية.

وأضاف العميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة الزقازيق: «الهوية المصرية على المستوى النظري لها جذور وروافد عديدة، في مقدمتها الحضارة المصرية القديمة، أعظم الحضارات التي ظهرت في التاريخ، لكن لا يوجد تواصل واتصال ما بين هذه الحضارة وبين الواقع الذي نعيش فيه حاليًا».

وأوضح أنه «بمعنى آخر حدثت قطيعة مع هذه الحضارة، نتيجة عوامل ذاتية هي اضمحلالها وضعفها، وعوامل خارجية أو موضوعية مثل دخول حضارات جديدة جاءت من خلال الغزو أو التأثير والتأثر».

وأضاف «حدث هذا مع مجيء الإسكندر الأكبر ودخول الحضارة اليونانية إلى مصر، ثم الحضارة الرومانية المسيحية، ثم دخول الإسلام، ثم الدولة العثمانية التي جفت معها ينابيع الازدهار والإبداع الحضاري على أرض مصر، وأدت بالمصريين إلى التخلف».

وواصل: «زاد الأمر سوءًا مع الموجات المختلفة من الاستعمار الغربي، الذي أجهض أي محاولة للنهوض، حتى بدأت النهضة الحديثة مع دولة محمد علي باشا، إلى أن وقعت نكسة 1967، التي كانت ردة للخلف، وصولًا إلى تصاعد موجات التطرف الديني مع مجيء السادات».
وقال «حماد» إنه «إذا عُدنا لمسألة الهوية نجد أننا في العصر الراهن نكاد نختزل الهوية في اللغة والدين والتاريخ، وبالتالي هناك عناصر أخرى تكاد تكون غائبة، مثل العلم والفلسفة والفنون المختلفة».

وأضاف: «حاليًا نحن نستهلك ثقافة الآخر، خاصة في مجالي العلم والفلسفة، أما الفنون فحدث ولا حرج، فنجد المسرح قد مات، والسينما في سبيلها إلى الموت، وأصبحت أغاني المهرجات تتصدر المشهد الغنائي في مصر، لذلك كله أرى أن الهوية تعاني نوعًا من الفقر الثقافي والإبداعي».