كتب – على الكشوطي
ربما من شاهد فيلم «قنديل أم هاشم» للمخرج كمال عطية، عن رواية يحيي حقي بنفس الاسم، والذي عُرض في الستينيات، يعتقد أن الفيلم – الذي يشكل صرخة في وجه الجهل- لم يعد له مكان وسط التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يعيش فيه العالم حاليًا. لكن حقيقة الأمر أنه لا يزال صالحًا لتوجيه المزيد من الصرخات في وجه الجهل والتخلف.
فربما إذا سنحت لك الظروف بالمرور في منطقة «الأنفوشي» بالإسكندرية، بجوار مسجد «أبو العباس»، ستجد الكثير من النساء يقفن طوابير طويلة وفى أيديهن أكواب بلاستيكية. قد تعتقد أنه معمل تحاليل من باب السخرية. لكن السخرية الحقيقية هي أنهن في انتظار ذبح «التِرسة» أو السلحفاة البحرية، لشرب أكواب من دمها أملًا في الإنجاب. فالمرأة التي لا تنجب تقف في هذا الطابور تشتري كوبًا من الدم يساعدها على الإنجاب، وفق اعتقادها.
وربما إذا قادك القدر للذهاب إلى ضريح «السبع بنات» في قرية «البهنسا» بمحافظة المنيا، ستجد العديد من الرجال والنساء يتدحرجون على الأرض من أجل الإنجاب أيضًا.
تلك النماذج وغيرها الكثير يجعلك على يقين بأن فيلم «قنديل أم هاشم» لا يزال صالحًا لهذا الزمان والمكان، فالجهل الذي دفع البسطاء للتبرك بزيت «قنديل أم هاشم» هو أيضًا من دفعهم للدحرجة على الأرض أو شرب أكواب من دم السلحفاة البحرية.
تغلل الأديب والروائي يحيى حقي في طبقات المجتمع المصري، فوضع يده على قضية الجهل الكامن بين نفوس البسطاء، الذي يغذيه المستفيدون من وراء هذا الجهل. وضع «حقي» يده على مشكلة كبيرة يصعب التغلب عليها إلى وقتنا الحالي، فصحيح أنه لا يتبرك أحد بزيت «قنديل أم هاشم» الآن. لكن مناحي الجهل تمتد حاليًا في أجزاء كثيرة من مصر، حيث التبرك والطلب من الأولياء، والتمسح بالأضرحة.
هذه هي عبقرية فكرة رواية «قنديل أم هاشم»، وبالتبعية عبقرية الفيلم، الذي يحارب الجهل المتغلغل في نفوس البسطاء، ولا يزال أمامه الكثير من الجهلة ليحارب فكرهم، من المتواكلين والدافنين رؤوسهم في الرمال، وينتظرون الحل من أناس رحلوا قبل سنوات طويلة، تاركين العلم ومتمسكين بالخرافات والعادات والتقاليد التي في بعض الأحيان تشبه المعتقدات والممارسات الوثنيّة. هؤلاء الذين تناسوا حجم العلم وما وصل إليه المتعلمون في مصر والعالم.
بالطبع لسنا ضد تقدير واحترام السلف الصالح والدعاء لهم والحفاظ على سيرتهم، لكن دون الإيمان بأنهم قادرون على التدخل في مشيئة الله سبحانه وتعالى.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











