أبي أهم كاتب أطفال في العالم.. ويستحق المزيد
صلاح عبدالصبور كان الصديق الأقرب لأبي.. وأنيس منصور اختبأ في منزلنا من السادات
أتعجب من عدم تدريس «كان أبي معلمًا» بالمدارس
والدي رفض وزارة التعليم.. وقال للسادات: عايز أربي أولادي ومش عايز أتسجن
كان أبًا يجيد الإنصات.. وكافأ أختي بالسفر للخارج
كتاب «قلبي وعقلي وقلمي» المطروح بالمعرض هو سيرته الذاتية
حوار- نور الهدى فؤاد
عُرف كمقدم برنامج المسابقات الشهير «العباقرة» ومؤلف رواية «ربع جرام» و«2 ضباط»، وكاتب مسلسل «ذهاب وعودة»، لكن لا يعرف الكثيرون أن الكاتب والإعلامي «عصام يوسف» هو أصغر أبناء الأديب عبدالتواب يوسف الشخصية الأولى لأدب الطفل في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال دورته الـ53، بل وتعود فكرة «العباقرة» إلى برنامج من فكرة وتقديم «يوسف» الأب كان عنوانه «الكاس لمين؟» وذلك ضمن عشرات الأفكار والأعمال الإذاعية والتليفزيونية بخلاف منجز أدبي يعد الأضخم عالميًا في مجال أدب الطفل يتخطى حاجز الـ1200 عمل.
كأنها امتداد «جينات» تربوية خاصة من الجد الذي عمل معلمًا، إلى الأب الأديب، وحتى الابن مشعل حماسة التنافسية الثقافية بين أبناء اليوم.
وهنا يحق لنا التساؤل: كيف كان «عبدالتواب يوسف» الذي شكل وجدان آلاف الأطفال، أبًا لثلاثة أبناء هم لبنى وهشام وعصام، وزوجًا لامرأة قيادية صارمة هي نتيلة راشد أو «ماما لبنى» أشهر رئيس تحرير في تاريخ مجلة «سمير»؟ وكيف كانت تلك الأسرة الاستثنائية تقضي يومها تربويًا من جانب وعمليًا من جانب آخر؟
في البداية علق «عصام» على اختيار والده كشخصية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 53 قائلًا: كانت مفاجأة جميلة أثلجت صدورنا، فدائمًا كنا نشعر بأن عبدالتواب يوسف الذي وهب حياته لتربية الأطفال لم يأخذ حقه، وهو أكثر كاتب في العالم كتب للطفل بحصر يتخطى الـ1200 كتاب، وتوزيع بلغ بأحد كتبه الـ7 ملايين نسخة كما ترجمت أعماله للعديد من اللغات، وهي رسالة بأنه لا يزال متواجدًا ومقدرًا وستقرأ له الأجيال دائمًا، بالإضافة إلى أن تسميته تفتح الباب لإعادة طبع أعماله.
مضيفًا: كنت أتمنى أن تكرّمه الدولة من خلال جائزة كبيرة تحمل اسمه وتعاد طباعة كتبه وهو ما نسعى له حاليًا بالتعاون مع الدار المصرية اللبنانية والهيئة العامة للكتاب، كما أتمنى أن يتم إعطاؤه قدره ككاتب عالمي، وتحيا سيرته وذكراه، فبخلاف أن مجال الكتابة للأطفال مظلوم كثيرًا في بلادنا، إلا أن له عددًا من الأعمال الهامة للكبار مثل كتاب «كان أبي معلمًا» الذي أتعجب من عدم وجوده بالمناهج الدراسية، وهو يناقش قيمة المعلم عند تلاميذه والعكس، وهو أيضًا جزء من سيرة جدي الذي كان يعمل مدرسًا، ويعتبر مهنته رسالة سامية يرفض من أجلها تقلد المناصب، وهي قيم يحتاجها أبناؤنا بشدة.

هذا بخلاف مكتبته الضخمة في بيته بكورنيش المعادي التي ننوي أن يتم فتحها لزيارة الجمهور، وجارٍ حاليًا تحضيرها لذلك مع توافر «استوديو» للتصوير، ما يعتبر جزءًا من ذكريات ومقتنيات عبدالتواب يوسف وماما لبنى وجوائزهما التي تملأ دواليب كاملة، وكتابات والدي بخط يده التي مازالت موجودة، ونتمنى أن تطور الفكرة ليصبح ما يشبه المتحف.
وتابع: لوالدي كتب سابقة لعصرها، ككتاب «اللقاء الفريد» والذي يحوي مقابلات افتراضية بين كبار علماء العرب والغرب والفلاسفة، و«حياة محمد» الذي فاز عنه بجائزة أفضل كتاب في معرض كتاب بولونيا الدولي عام 2000، تلك الجائزة التي تسببت في مشكلة آنذاك لما تبعها من اعتراضات غير رسمية من الجانب الأمريكي واليهودي في العالم لمنح كتاب حول سيرة النبي محمد جائزة دولية كبرى كتلك، وهو ما أكده الرئيس الأسبق حسني مبارك لوالدي في أحد اللقاءات.
عبدالتواب يوسف الأب
بقول عصام: على الرغم من نشأة أبي في قرية صغيرة بمحافظة بني سويف، وهو ابن فلاح بسيط، كان يدخر كل قرش ليشتري كتابًا، كما بدأ حياته بالعمل في 3 وظائف وتحمل مسئولية أربع أخوات وأم لا تعرف القراءة والكتابة، إلا أنه كان أبًا متفتحًا وغير منغلق، حتى إنني أذكر مكافأته لأختي بأن تسافر لليونان مع صديقاتها بعد نجاحها وحصولها على الترتيب الثاني على مدرستها في الثانوية العامة، وذلك خلال سبعينيات القرن الماضي، وكانت أختي تبلغ آنذاك 18 عامًا فقط، كما سافرت بعد ذلك للدراسة في جامعة أوكسفورد، وكذلك فعلت أنا وبدأت في السفر للخارج في عمر مبكر، فقد كان والدي يحب السفر ويشجعنا عليه، ويرى فيه فرصة لتعلم خبرات حياتية عظيمة.

واستطرد: كان أبي مستمعًا يجيد الإنصات، وعندما «يزعل» يخاصمني ولا يكلمني لفترة، وكان هذا عقابًا قاسيًا بالنسبة لي، بعكس أمي التي تنحدر من أسرة أرستقراطية، فوالدها عبدالعزيز باشا راشد، ولكن ذلك لم يكن أزمة في بيتنا، إذ كانا متفاهمين بسبب ثقافتهما العالية، وبينهما لغة حوار فكرية تعتمد على المناقشة العميقة الواعية.
ويتابع عصام عن أبيه: كان هادئًا جدًا ويستقبل الأمور بروية وبساطة، إذ يتبسط في تناوله للأحداث من حوله، بينما كانت هي قوية وصرامتها مرعبة، حتى أذكر كلمة الكاتب الصحفي الكبير مكرم محمد أحمد الذي قال عنها «بمجرد دخول ماما لبنى مكتبي كنت أبادر بقول أنا موافق مباشرة» ولعل السبب في ذلك الضغط الشديد الذي كانت تعانيه من مسئولية عملها كرئيس تحرير مجلة تصدر أسبوعيًا، وتحتاج مئات القرارات والحزم والسرعة، وبالرغم من ذلك لم تكن تربيتها لنا مبنية على العقاب، كما كانت لها رؤيتها الأرستقراطية إذ أصرت هي أن نتعلم بمدارس خاصة ونلتحق بنادي الجزيرة ولم يكن هو يراجعها في ذلك.
ويواصل عصام الحديث عن والده: لم تختلف شخصيته الهادئة الحالمة كزوج، حتى فيما يتعلق بشروط «ماما لبنى» الصارمة، وأذكر من ذلك تعرضها لمشكلة عدم توافر كاتب مناسب ليكتب عن احتفالية قناة السويس في «سمير» فعرض عليها أن يفعل لمساعدتها فرفضت، ثم وافقت بشرط ألا يكتب اسمه ولا يأخذ مقابلاً، ولا يخبر أحدًا عن ذلك، فوافق وتم الأمر، حتى هاتفها رئيس مجلس إدارة دار الهلال يسألها عن هوية كاتب المقال، فقالت «ملكش دعوة.. دي أسرار شغل» فأخبرها أن المهندس عثمان أحمد عثمان هاتفه وطلب أن يعرف هوية الكاتب، وبعد يأس هاتفها المهندس عثمان بنفسه فرفضت مرة أخرى فطلب زيارة مكتبها فرحبت، وهناك أعاد السؤال عن هوية الكاتب وبعد إلحاح متبادل لمعرفة سر اهتمامه بالأمر أفصح عن رغبته بأن يستعين بذات الكاتب الذي يعتبره مناسبًا لتوثيق سيرة المقاولون العرب، فاضطرت لإخباره على أن يظل الأمر سرًا.
وأضاف: كما أذكر لأمي موقفهما حين رفض عبدالتواب يوسف عرض الرئيس السادات بتقلده منصب وزير التربية والتعليم خوفًا من أن يتهمه الناس بالفساد، وكان هذا الرفض في أوج سنوات السادات عام 1974 وفي منزله، إذ علقت «ماما لبنى» موجهة حديثها للسادات قائلة «عنده حق ميوافقش، الفساد إلى عندك أقوى منه وأقوى منك» ثم استقال أبي من الوزارة بعد تلك الواقعة وتوقف عن العمل بالسياسة خوفًا من أن يسجنه السادات حتى قال له «أنا عمري ما سرقت ولا دخل جيبي مليم حرام ولن أنجح فيما فشل فيه طه حسين.. عايز أربي ولادي ومش عايز أتسجن»، فقال له السادات «حاضر».
روتين الأسرة اليومي
أما عن روتين الأسرة اليومي فيقول «عصام يوسف»: كان والدي يستيقظ فجرًا بينما تنام أمي فجرًا، وقبل أن ينام كان يصنع لها كوب «النسكافيه» وساندويتش الجبن، وهو روتين يومي اعتدت مشاهدته كل صباح حتى ولو كانا متخاصمين، ولا أنسى عبارة «النسكافيه هيبرد» عدة مرات قبل أن تستيقظ، وكانت تصل لدار الهلال 11 صباحًا بينما تعود للمنزل بعد 11 مساء، إذ كان لها نمطها الخاص الذي لم يكن يمثل له مشكلة.
واستكمل: كان يقضي يومه بين كتبه التي يحفظها كما يحفظ اسمه، فبينما بلغت نصف مليون كتاب، كان يعرف مكان كل كتاب، فإذا طلبت منه كتابًا للحسن بن الهيثم مد يده فورًا وأخرجه، وذلك على الرغم من ذاكرته الضعيفة فيما يخص الأفراد والوجوه، كما أعتاد أن يقرأ كتابًا كاملاً يوميًا كروتين أساسي، فكانت حياته ما بين القراءة والكتابة ولقاء الكتاب من أصدقائه بشكل أسبوعي تقريبًا، ومنهم صلاح عبدالصبور وفاروق شوشة وبابا شارو مصطفى حسين ويوسف السباعي ومنير عامر وأنيس منصور الذي كان مختبئًا في منزلنا من الرئيس السادات، بينما كان صلاح عبدالصبور الأقرب لقلبه، وكانوا يجلسون وكأنه صالون ثقافي ويتناقشون ويحللون كل ما يدور في البلد.

آخر كتبه «قلبي وعقلي وقلمي»
وعن آخر أعمال الأديب الراحل يقول «عصام»: آخر كتاب له سيطرح للمرة الأولى خلال معرض الكتاب 53 بعنوان «قلبي وعقلي وقلمي» والذي أخبرني عنه قائلاً «دي آخر حاجة هكتبها في حياتي» وبعدها طلبت منه أن نراجعه أو نعيد قراءته معًا فقط في محاوله مني لاستعادة نشاطه وقد أعياه وقتها التقدم في السن، فقال لي «لا.. أنا عارف كل كلمة كتبتها وخلاص كده أديت رسالتي على أكمل وجه» فعرفت أنه على وشك الرحيل، إذ كان تركه لقلمه بالصعوبة التي تعني النهاية. يتضمن الكتاب قصة حياته وسيرته الذاتية منذ كان في قريته مرورًا بمراحل حياته المختلفة وحياته معنا وآراءه المختلفة حول زمنه.
الوصية:
وعن آخر ما يذكره «عصام يوسف» عن والده قال: هو صاحب فكرة برنامج «العباقرة» حين قال لي الجملة التي غيرت حياتي «أعمل الكاس لمين تاني»، فالبرنامج بصورته الحالية هو تطوير لفكرة مسابقة «الكاس لمين» التي بدأها عبدالتواب يوسف من فكرته وتقديمه بالتليفزيون، بل وكتب معي الحلقة الأولى والثانية من العباقرة، أما وصيته لي فانحصرت في أن أربي أبنائي من الحلال وكان يردد في ذلك «ربيتكم بهذا القلم فقط، ولم يدخل جيبي مليم حرام».
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











