«قنديل أم هاشم» تُرشد أديب نوبل إلى رائد القصة.. و«مصلحة الفنون» تعقد رباط المحبة
كتبت – عزة عبد الحميد
صداقة جمعت رائد القصة القصيرة يحيى حقي، وأديب نوبل، نجيب محفوظ، تجلت فيها معاني الإنسانية والاحترام والتقدير، الذي كان يكنه كلٌ منهما للآخر، وكانت تتوطد مع مرور الأيام.
ورغم أن 6 سنوات، هي فارق العمر بين حقي ومحفوظ، لصالح الأخير، لكنها لم تمنعه من الاعتراف بأستاذية الأول عليه، وأنه معلمه ومرشده، وكان حريصًا على قراءة قصصه القصيرة، حين كان يتم إصدارها في سلسلة «اقرأ» بدار المعارف.
بداية التعارف
تركت قصة «قنديل أم هاشم»، التي طرحها يحيى حقي، ضمن مجموعة قصصية، أثرًا كبيرًا في نفس نجيب محفوظ، في البداية، حيث إنه لمس أسلوبًا جميلًا وعذبًا، وأدبًا من نوع مختلف، يمزج بين الأسلوب النقدي واللغة بمفرداتها، مع تبسيط المفاهيم الخاصة لجمهور القراء، ما جعله صاحب مدرسة متفردة في الكتابة، بحسب «محفوظ».
وشرع نجيب محفوظ، في البحث عن يحيى حقي، ليجد أنه يعمل بالسلك السياسي، حتى اجتمعا معًا ذات يوم في «نادي القصة»، ومن هنا بدأ التقارب بين الأديبين.
وقال «محفوظ» في أحد الخطابات: «يحيى حقي كان يكتب حين كنا لا نقرأ، ومع بداية تعارفي عليه في نادي القصة، كنت ممن يدعوهم إلى منزله، حين كان يقيم بالزمالك، ويحاضرنا عن الأسلوب ودقته والأشياء التي اهتم بها في حياته».
عمل وترابط إنساني
مع اقتراب التواصل بين أديب نوبل وأديب القنديل، وضعهما القدر أمام بعضهما بشكل أكبر وأقوى، فبعد قرار وزير الإرشاد فتحي رضوان، عام 1955، بتأسيس «مصلحة الفنون»، والتي استمرت حتى عام 1959، بتعيين يحيى حقي مديرًا لها، اقترح المدير اسم نجيب محفوظ وأحمد باكثير، ليكونا مساعدين له.
ومع إتمام الأمر، أصبح أديب نوبل مدير مكتب «حقي»، ليكتشف منه جانبًا إنسانيًا آخر بعيدًا عن الأديب الذي عشق أسلوبه: «لمست فيه البساطة والتقدمية والإقدام والاستنارة دون أن يدعي أو يزعم هو شيئًا من هذا، فكان سلوكه يشي به ويدل عليه، لم أره مرة يمارس سلطاته على الموظفين، وطوال مدة عملي معه لم أشعر أنه رئيسي، بل صديق وشخص ودود».
وتابع: «وكان يترك مكتبه ويأتي ليجلس معنا، ومع انتقال مسكنه إلى مصر الجديدة واستقراري حينها في العباسية، كان يصطحبني في سيارته الخاصة، ويوصلني إلى مسكني ثم يتجه إلى مسكنه، وتواصل الحوار فيما بيننا في المكتب والأوتومبيل في كافة شئون الحياة والأدب. واتصلت علاقتي بالأستاذ حقي، أديبًا بأديب، بل إلى ما هو أعمق من ذلك على المستوى الإنساني».
مثالية أديب نوبل

مع ما جمع بينهما من علاقة إنسانية أثناء فترة عملهما معًا، إلا أن يحيى حقي كان كثيرًا ما يُعاتب نجيب محفوظ في بعض التصرفات، ومنها التزام الأخير بالوقوف لأداء التحية له، وعدم الجلوس إلا حين يجلس هو، ما كان يثير غضب «حقي»؛ لأنه لا يعامله بهذه الطريقة معاملة الأصدقاء التي كان ينتظرها.
وخصص «حقي» فصلًا في كتابه «عطر الأحباب»، تحدث فيه عن نجيب محفوظ، ومن بين ما قاله: «لم أفلح في زحزحته عن مسلكه ولو قيد أنملة، وظل هذا دأبه معي حتى في ندواته الخاصة، ما أكاد أصل حتى يقف ويترك ليّ مقعده ويتخلى عن الحديث، ولم أدفع مرة ثمن المشروب من جيبي، كنت أتمنى أن يهفو هفوة واحدة لأحس أن الكلفة بيننا قد سقطت، وبخاصة وهو يراني أفضي إليه بكل أسراري».
وأضاف: «ليس في نجيب ذرة من طبائع الموظفين، ولا في حياته كلها سعي وراء درجة أو علاوة أو افتتان ببريق السلطة أو أُبهة المنصب، ولا تستغرب إذا قلت لك إنه ــ مع ذلك – موظف مثالي، لم يحدث له أن تأخر عن الوصول إلى مكتبه دقيقة واحدة، بعد دقة الساعة معلنة الثامنة صباحًا، كان هذا دأبه حتى وهو يشغل المنصب الرفيع كمدير عام لمؤسسة دعم السينما، إنه يفعل ذلك؛ لأنه حريص على أداء واجبه، وأن يكون قدوة».
تقدير متبادل
كان يحيى حقي يرى أن نجيب محفوظ، هو بلورة للمدرسة الحديثة في الأدب التي انتمى إليها في بداياته، وينظر إليه على أنه استكمال لما بدأه هو مع كتّاب جيله. ومن خطوات دعمه لأديب «الثلاثية»، هو دفاعه عن «أولاد حارتنا»، عام 1963، وسط أجواء من التحفظ والتربص بهذه الرواية وما تبعها من أضرار لحقت بـ«محفوظ».
وقال «حقي» عن الرواية: «صاحبها حقق بها ما عجز عنه غيره من الكتاب، حقق الأمل في ارتفاع الأدب عندنا إلى النظرة الشاملة والتفسير الفلسفي الموحد للبشرية جمعاء، ووضع تاريخ الإنسان كله في بوتقة واحدة، فيعلو عما ألفناه إلى حد التخمة من الأدب الواقعي». بل إنه زاد على ذلك بوصفه، أنه «مهندس معماري هادئ الأعصاب صاحب بناء لا يخر منه الماء، لا مكان فيه للخلل في النسبة والأبعاد».
على الجانب الآخر، كان يرى أديب نوبل، أن يحيى حقي كان أجدر بالحصول على تلك الجائزة العالمية، وهو ما صرح به بشكل علني، في أحد خطاباته: «حين فاز الأدب العربي بجائزة نوبل ممثلًا في شخصي، رشحت وأهديت الأستاذ يحيى حقي هذه الجائزة، كواحد من المبدعين الممتازين الذين يستحقونها لولا الحظ الذي لم يجعلهم ينالونها، فقد كانت القصة القصيرة التي يكتبها الأستاذ يحيى حقي من أجمل ما كُتب في الأدب المصري والعربي المعاصر».
وداع الأحباب
ومع كل هذه العلاقة التي جمعتها الصداقة والحب والتقدير والاحترام، ظل نجيب محفوظ على تواصل مع يحيى حقي أثناء المرض في فترة الشيخوخة، حتى توفاه الله، ورثاه قائلًا: «كان من الناس الذين حزنت عليهم حزنًا شديدًا جدًا، فقد كان صديقًا لا يُعوض، نزيه الفكر، صافي القلب، بسيطًا ممتعًا في كتاباته وأحاديثه».
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











