كتب – علي الكشوطي
ربما يُشكل أسطورة الغناء الشعبي محمد طه بالنسبة للأجيال الجديدة اكتشافًا جديدًا، بعدما انتبهت إليه وسائل الإعلام، لأهمية ما كان يقدمه ولا يزال يعيش بيننا، رغم مرور 100 عام كاملة على ميلاده في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج، في 24 سبتمبر 1922.
لكن بالنسبة لي، عرفت محمد طه كـ«ملك للمواويل» عن طريق والدي، الذي كان يشكل ولغيره من المصريين جزءًا كبيرًا من وجدانهم.
«ملك المواويل».. كلمة قالها لي والدي، وهو يدندن لـ«محمد طه» مواله الشهير عن مصر: «مصر جميلة.. خليك فاكر»، وكما بدأ «طه» هذا الموال بـ«أبويا نصحني وقالي»، قال لي والدي ناصحًا: «مصر جميلة.. خليك فاكر».
قالها لي ليذكرني بجمال مصر الدائم، وبجمال صاحب هذا الموال، محمد طه، الذي كان ومازال يتمتع بشعبية كبيرة في قلوب محبيه، ليس فقط من ينتمون لأجيال قديمة، بل وسط فئات عمرية كثيرة من بينها الشباب.
10 آلاف موال قدمها محمد طه. لكنني لا أقف كثيرًا لدى هذا الرقم رغم ضخامته. بل أقف احترامًا وتبجيلًا للمعاني التي بثها في نفوسنا بهذه المواويل، والتي لم تكن مجرد كلمات سجعها وواقعها على المسامع «حلو». وإنما كانت خلاصة خبرات.. خبرات حياتية وإنسانية ووطنية.
ربما الكثير من مواويل محمد طه ضاعت وسط إهمال هذا اللون من الأعمال، لكن الكثير منها يجد مكانه في القلوب، ويدندنها عشاقه، لتحيا في نفوس المصريين قبل آذانهم، لسنوات أطول من عمر ابن مدينة طهطا، الذى نشأ في بلدة والدته «عزبة عطا الله سليمان» التابعة لقرية «سندبيس» بمركز قليوب في القليوبية.
وكان من حسن حظ الأجيال الجديدة هي أن محمد طه أهلته شهرته للمشاركة في الأعمال السينمائية عام 1956، وهي الأعمال التي تعيش أطول، خاصة أن السينما تؤرخ ومن النادر أن تضيع الأفلام من أرشيفها، على عكس روائع الإذاعة التي ضاع جزء كبير منها بسبب الإهمال أو حتى الجهل في أحيان كثيرة.
لذلك حافظت السينما على جزء من أرشيف محمد طه، ولولاها لكان الجزء الأكبر من تاريخه في طي النسيان، فمن منا ينسى مشاركاته في أفلام مثل: «السفيرة عزيزة»، و«دعاء الكروان» و«فيفا زلاطا» و«صراع في الجبل»، وغيرها؟
كما ضمه زكريا الحجاوي إلى فرقة الفلاحين للفنون الشعبية، التي كلفته وزارة الثقافة بتشكيلها، وقدمت لنا الكثير من النماذج الناجحة في عالم الفن الشعبي، على رأسها جمالات شيحة.
وكان محمد طه أول فنان شعبي مصري يحصل على عضوية جمعية المؤلفين والملحنين في فرنسا، وظل يبدع ويؤلف ويرتجل المواويل حتى وفاته في 12 نوفمبر 1996.
وفي رأيي تُلقي مسيرة محمد طه الضوء على ذلك الخطأ الكبير الذي يقع فيه باحثون عن المواهب، وهو تجاهل الكثير من المواهب الحقيقية في الريف والنجوع والقرى، والاكتفاء بالبحث في المدن والعواصم.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع