كتب – رامي المتولي
في عام 1968 أنتجت «المؤسسة العامة للسينما» فيلم «البوسطجي» الذي يحتل المركز رقم 12 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري في القرن العشرين، ولكي تخرج هذه التحفة السينمائية للنور وقف وراءها مع الدولة المصرية ممثلة في «المؤسسة العامة للسينما» مجموعة من المبدعين في مقدمتهم المخرج حسين كمال، وصاحب الرواية يحيى حقي، وصاحب السيناريو والحوار موسى صبري، والذي شاركته في كتابة السيناريو دنيا البابا.
هؤلاء الأفراد يمثلون مؤسسات تثقيفية ضخمة، دورهم لا يقل أهمية عن دور «المؤسسة العامة للسينما» وقتها في نشر الثقافة والذوق الرفيع بشكل عام، ولخروج فيلم بهذه الأهمية تضافرت جهودهم أولهم حقي الذي رصد تفرد قرية في صعيد مصر لها خصوصية، كما وصفها في روايته، لا يلتصق باسمها كلمة «بني» ولا يفاخر أهلها بنسبهم إلى قبائل عربية مهاجرة، كما أنها تعتمد على التجارة وتتميز بعسلها ومنه استمدت اسمها وهو «كوم النحل».
هذه الخصوصية جعلته يرصد هذا المجتمع بدقة، من خلال فكرة براقة وتتمثل في شخص عباس، ناظر مكتب بريد القرية، القادم من الطبقة المتوسطة في القاهرة إلى أعماق الصعيد، مما يتسبب في دخوله في صراع مع عمدة القرية، الأمر الذي يضطره إلى قراءة خطابات أهل القرية كنوع من أنواع التسلية.
تطور كبير حدث على يد صبري، لا يقل إبداعًا ولا أهمية عن الرواية المكثفة الذكية، التي ألفها حقي، متمثلة في سيناريو استمد من الرواية بعض تفاصيلها وتعامل مع التفاصيل الأخرى بما يتناسب مع الوسيط الجديد وهو السينما، فيما ذهبت الرواية إلى تقبل الأمر الواقع من قبل عباس حتى يستطيع أن يستمر في حياته دون أن يقتله الشعور بالذنب عملاً بنصيحة صديقه الضابط حسني، تحولت نهاية الفيلم إلى مشاعر مختلفة تمامًا حيث استغل صبري مشهد الانفعال بتمزيق الخطابات في وسط الرواية ونقله إلى المشهد النهائي في الفيلم.
وهنا يأتي دور المخرج وصاحب الرؤية البصرية حسين كمال، والذي عبّر عن هذا التغيير بعدد من الدلالات، بعد أن كان تمزيق الرسائل في وسط الرواية رد فعل غاضبًا، أصبح في الفيلم صرخة رفض للعادات وواقع القرية، خاصة أن التعبير بصريًا عن شخصية البطل نفسه اختلف، حيث يدفعنا المشهد النهائي إلى المقارنة بين بداية الفيلم ونهايته، حيث كان البطل في الأولى مهندمًا يرتدي بذلة كاملة، في حين أن النهاية كان البطل شخصًا يبدو على ملامحه الإهمال يرتدي جاكت بذلة عمله على جلباب، كتعبير عن تضارب الثقافات ما بين ثقافة المدينة وثقافة القرية داخله، ومع هذه الهيئة والتعبير البصري البليغ من حسين كمال، نستطيع تفهم فعل تمزيق الخطابات بشكل مختلف وأعمق، رافضًا لزيف هذا المجتمع الذي يبدو خارجه فاضلاً أخلاقيًا، وهو كل شيء عكس ذلك في حقيقته.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











