كتب – بشري عبد المؤمن
قد يبدو غريبًا أن يخصص يحيى حقي فصلاً كاملاً في كتابه “خليها على الله”، للحديث عن الحمير، لكن الأغرب أنه عنون الفصل بـ”وجدت سعادتي مع الحمير!”، لم يكن حقي ساخرًا ولا متندرًا، لكن طرافة الحديث عن ركوب الحمار لا تخلو من الحديث عن طرافة من يركبه، فكان حقي من الذكاء أن بدأ بالحديث عن الحمير وانتهى بنا للحديث عن البشر!
الفصل بمثابة وصف فاتن لعلاقة الإنسان بالحمار، ويمثل سجلاً لعواطف كاتب كبير وفنان شديد الإحساس إزاء الحيوان المغلوب على أمره المسمى بـ”الحمار”، المتهم -ظلمًا- بالغباء، المكلف بأن يحمل البشر والمتاع كما كُلف الإنسان بحمل رسالته، ولا ينال الحمار من كل هذا سوى النذر اليسير من الطعام والراحة.
“ألعاب” الحمار النفسية لمقاومة الاكتئاب
كان يحيى حقي شديد الافتتان بالحمار، بل يخلق له إرادته، بهجته، لعبه، ذكاءه العلمي لا غباءه، فقال في وصفه: “لم أر كالحمار حيوانًا تحس أنه أدرك أنه أسقط في يده، إنه لم يقبل قدره عن عمى وغفلة أو تدليس عليه، بل عن بصيرة وفهم، بعد أن وازن بين حيلته وقدرة ظالمه، وقاده ذكاؤه العلمي إلى الاقتناع بأن كل أمل قد مات، وأن لا فائدة تُرجى من الثورة أو اللجاجة أو العناد، فوضع إرادته وغرامه وبهجته ومرحه وفرحه وحبه للعب والمعابثة في حرز مكتوم في قلبه، وأحنى رأسه وأذنيه وسبل ظهره واستسلم بلا قيد ولا شرط”.
لم يكتف حقي بوصف الحمار بل تغزل فيه! فعين الحمار “ذليلة حزينة، تكاد تترقرق فيها الدموع، بل يخيل إليّ في بعض الأحيان أنها “معمصة” كعيون الأطفال بعد بكاء”، وكما سأل وديع سعادة بعفوية بالغة العمق والحنين: من أخذ النظرة التي تركتُها أمام الباب؟ يسأل حقي من قبل وديع بسنوات عن عيون الحمار التي تبدو كعيون الأطفال بعد بكاء فقال: أهذا هو سر نهيقه؟ فليس في صوت أي حيوان آخر مثل هذه الحرقة والمرارة، توقع حقي أن تكون صرخة الحمار هي صرخة عذاب أو استغاثة، كأن الحمار بنهيقه يشهد الناس على بكائه دون دموع!
عاشقان يتأملان من خلف سور الإسطبل
لم يتأمل أحد عيون الحمار قبل يحيى حقي، الذي انتمى منذ اليوم الأول لجمعية الحمير التي أسسها الفنان زكي طليمات، تقبل حقي أحوال الحمار وردها إلى طبعه لا غبائه، وكتابة عن الحمير تحيلك إلى عالم كامل لم يخض غماره أحد قبل حقي، ولا تجدها بعده إلا لدى محمد المخزنجي، في عيون حقي والمخزنجي فقط يمكننا أن نرى الحيوانات، وربما أكثر من هذا: أن نرى أنفسنا فيها.
ومن أحوال الحمار عند حقي أنه هو وحده الذي يعلن عن شبقه بلا حياء، ويلاحق الأنثى علنًا بإرادته، فلا يعرف الحمار جواز الصالونات، ولا ينتظر حتى يساق ذلولاً إلى موعد غرام مرتب له من قبل، ويلتقط حقي صورة بالغة الرقة لحمارين أحدهما يقف وراء سور خشبي غير مرتفع عند الغروب، وآخر يأتي كل ليلة من بيت في الطرف الآخر، يسير الهوينى كأنه يتنزه، ثم يقف جنب زميله وبعد معابثة خفيفة بالأسنان- كأن أحدهما قد ألقى نكتة لآخر- يعد الاثنان رأسيهما خارج الحاجز كما يفعل المُطل من النوافذ وينظران إلى الطريق والمارة، كأنهما يقفان على حافة مشربية يطلان على إحدى الحواري المصرية القديمة!
الحمير “مقامات”
وإذا تحدث يحيى حقي عن أحوال الحمير، فلا يبتعد كثيرًا عن أحوال البشر، فالحمير مثل البشر درجات، أدناها حمار الشيخ، يليه حمار الأجرة بالمحطة، ثم يأتي حمار الفلاح وركوبته الخاصة، الأول يجند له أضعف الحمير أو أكثرها كبرًا، والثاني يقاس طعامه بالدراهم وبمقدار ما يبذله من جهد وكأنه عامل أجرة، والثالث يعيش بين أحضان الأسرة كواحد من أبنائها وإن فارقها حينًا انتابته الغربة والحيرة، أما حمار الأعيان فيأتي على رأس القائمة، حمار فاره وقوي، منتصب الرقبة، مرفوع الرأس، له بردعة من جلد ثمين كأنها بدلة على أحدث طراز. ولم يتوقف حقي أمام هذا الحمار الأخير كثيرًا، ربما لأنه منحاز لبسطاء الحمير، كما ينحاز لبسطاء البشر.
يحدثنا يحيى حقي كذلك في كتابه الذي اعتبره- هو نفسه- أشبه بالمذكرات عن مدرسة الحمير التي كان يديرها الشيخ شعبان، وكان بها قسمان لـ”تلاميذ” الخارجية وتلاميذ الدراسة الداخلية، والشيخ شعبان رجل وقور، خفيض الصوت، يلبس العمامة والجبة والقفطان ولا تخلو رائحته من عطر، ويحكي حقي طرفة عن الشيخ شعبان وعلاقته بالحمير فيستغرب من أمر الشيخ الذي استطاع أن يروض خيول المركز وحميره وعلمها الأدب ثم عجز عن أن يروض زوجته! إذ قابله حقي بعد سنوات فسأله أين هو ذاهب؟ قال الشيخ: إني رافع قضية إسقاط نفقة ضد زوجتي، فقد نفذت عليها حكم الطاعة ثلاث مرات، وفي كل مرة تهرب ناشزة إلى بيت أهلها!
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











