أخبار عاجلة

ننشر مقدمة الدكتور حمدي النورج لكتاب «ثورات الفوضى الخلاقة»

يشهد جناح مركز إنسان بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 53 ، الأحد 6 فبراير 2022 ، حفل توقيع كتاب “ثورات الفوضى الخلاقة.. الخطاب الأخير”، للكاتب الصحفي ياسر الغبيري.
وينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض”، مقدمة الدكتور حمدي النورج أستاذ النقد وتحليل الخطاب بأكاديمية الفنون المصرية، للكتاب الذي يرصد فيه “الغبيري” مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، وجاء فيها:

“يبدو أننا انتقلنا لمرحلة جديدة في صناعة الفوضى والاستحواذ على مقدرات الشعوب وإعادة ترسيم واقعيات جديدة. لقد قامت الثقافة بدورها قديمًا حيث معامل التحضين والتربية والإنتاج وهزيمة الذات والاستقلال التام لأفكار الآخر وطموحه الشره نحو الاستحواذ والكسب. انقضت أيضًا المواجهات العسكرية ذات السمعة السيئة والصوت المرتفع العالي. لن تجد مثقفا واحدا في هذا العالم يبرر فعل الاحتلال لكنه سيمجد ثقافة المحتل، وسينحاز لها قبولا وتصرفا. في لحظات ناعمة هادنت الشعوب المغتصب بعد حركات التحرر الكبرى وطرد المستعمر… نامت الشعوب على وقع الفوز المبين بطرد المحتل… لكن المحتل لم يتحرك بعيدًا نحو رغبة الامتلاك ولغات المصلحة فخدع الضعفاء وجلس بجوارهم في منصات عالمية درًأ للنزاع المسلح وذهب للتفاوض ثم لعبة الفيتو أو الاعتراض.
لقد فرض العالم واقعًا جديدًا في التفاوض المنقوص تحت مسمى وجود الحكماء الذين يرجحون ويرفضون الذين يملكون حق الفيتو حتى ضاعت حقوق وسلبت أخرى وقتل العديد من الأبرياء والضحايا، هذه لعبة موازنة تضمن مصالح الكبار. كانت اللغة سلاحًا خفيًا للسيطرة حتى ظهرت دوائر تحليل الخطاب والتي اهتم بعضها بتفكيك الخطاب الاستعماري ثم الاستشراقي ثم لم يعد الكبار يهتمون أصلا بما تقدمه هذه التحليلات حيث دكت العواصم العربية الكبرى عنوة فلا حاجة إذن لفضح سياسات الكبار.
كان من الصعب أن تتخيل سيناريو سيقع للمنطقة مثل هذا السيناريو الذي نلاحظه ونراقبه. لما فاقت الشعوب من طغيان المحتل هبت لصناعة ذاتها وأمجادها لكنها وقعت في حبائل التخطيط المقيت حتى طب مستعمر جديد بلون وزي ولغة وخطاب وهيئة جديدة.. يرفض مقولة الاحتلال ويطبق أفعاله ينادي بنزع السلاح ويبيع وينتج أطنانا، يرفض لغة القوة ويستعملها أحيانا كل هذا عيانا بيانا لكنه أيضًا احترف لعبة المكر والتقسيم الخفي لإعادة ترسيم وتسوير المنطقة ومن ثم راح يشجع ثورات التغيير. كيف يساعد على فعل التغيير وهو من يصنع فعل التدمير؟
اليوم ظهر سلاح أكثر فتكا جربته أمريكا حديثًا عندما استخدمته في صناعة أحداث سبتمبر.. افعل وغيّر دون أن يراك أحد، سلسلة كُبرى من الحوادث الخفية التي يُجهل صناعها… مَن وراء ثورات الربيع العربي؟… مَن وراء أزمة اليمن وسوريا والعراق؟… من وراء أزمة ليبيا وسد النهضة؟… من وراء مطالبات الأقليات والإرهاب وقضايا التطرف؟… من وراء من قتل وصفى التل، ومن ضرب شركات البترول الكبرى ومخازن الأدوية؟… ليست هناك إجابات شافية. لكنها أحداث تغير وتهدم .

في هذا الكتاب، بانوراما توثيقية شارحة لأخطر مؤامرة تقسيمية تحت ما يسمى باسم “الشرق الأوسط الكبير” التي قدم أفكارها النظرية برنارد لويس طموحًا للتسيد المستمر والاستحواذ الخفي المغلف.
لقد صاغ برنارد لويس المؤامرة وطرح مشروع التقسيمات القائم على أبعاد جغرافيا ونعرات إثنية واحتقان طائفي وعرقي مستوثقًا في أن أخطر ما يودي بالمجتمعات الراسخة العتيقة هو انفتاح آفاق الصراعات الطائفية أو العرقية أو الحدود السياسية والجغرافية. التاريخ الذي قدم فيه برنارد لويس نظريته ليس بعيدًا. وتعجب للأثر البالغ الذي تحركت به هذه الأفكار محدثة التغير المطلوب. في هذه النظرية رأينا كيف تتحرك الأفكار على الأرض وكيف يتأتى من رحم الفكرة فعل الانهيار، وربما فعل التدافع وربما فعل المقاومة والصمود بحسب آفاق المواجهة.
الظن أن حالة المواجهة، وإن كانت معلومة لكنها أصبحت خفية ومن اليسير أن ترجع العديد من الوقائع إلى جهة معينة دون أن تقدم دليلا مقنعًا لما تصرح به. التستر سيد الموقف وبه يتم فعل التغيير وحادث الفوضى الثورية لا يقل في خفائه خطورة عن غيره من الأحداث. يقوم الكتاب بفعل الإسناد والكشف عن الفاعل والمفعول وطرق الفعل وأطرافه دون انحياز. فعادة البحث الدقيق ألا ينحاز. وهذا من طبيعة الفعل الجيد، وإن كان مسموحًا له أن يمارس انحيازه المطلق تجاه وطنه وقضاياه. هذا الوطن الذي فطن للفعلة الخبيثة فوقف بالمرصاد والقوة. تحية لوطن واع برجاله، ولكل مثقف لا تحيد عيناه عن حقوق الوطن وخدمته”.