أخبار عاجلة
حسين

أفارقة يعيشون في «أم الدنيا»: «بقينا أصحاب مكان»

باه: تعلمت من المصريين حتى في «التاكسي» و«الميكروباص»
نانا: أعشق مسلسل «نيللي وشريهان».. والزعيم نجمي المفضل
رماذ: لعبت «السبع بلاطات» و«السيجا» في طفولتي.. وأحب «المحشي»
فاطيمة: بزور بيت صديقتي.. وأحلى سبانخ أكلتها من إيد والدتها
جوري: بتكلم زي أي مصري لدرجة إنهم فاكرني من أسوان
كتبت – سحر عزازي
جاءوا إلى أم الدنيا وقِبلة كل الدنيا للدراسة أو العمل، يحملون جنسيات مختلفة، ويتحدثون بلكنات ولغات متنوعة، شباب وفتيات من دول القارة السمراء كافة.
ظلت حقائبهم محتفظة بعاداتهم وتقاليدهم التي جاؤوا بها، لكن سرعان ما انصهرت تلك العادات بالتقاليد المصرية، وتأثروا بالشارع المصري واللهجة العامية المميزة، تمامًا كما تفعل مصر مع الجميع.
اندمج هؤلاء مع أشقائهم المصريين، حتى أصبحت مصر وطنهم الثاني، ليس بالكلام فقط، بل بالممارسة الفعلية، والتي بدأت تظهر على طريقة كلامهم ومعظم أفعالهم المُغلفة بالطابع المصري الأصيل.
يلبسون نفس الثياب ويطلقون نفس النكات، ويتقاسمون أشهى المأكولات، ويجلسون على المقاهي، ويجوبون شوارع المحروسة، ويشاهدون المسلسلات والأفلام ذاتها التي يشاهدها المصريون.
يحضرون الأفراح، وفي العُطلة يسافرون لزيارة معالم مصر المختلفة، ثم يقبلون دعوة صديق للمبيت معه في أحد الأقاليم، لتزداد صلة الود والمحبة التي تظل ساكنة القلوب، وتبقى مصر محفورة بداخل جميع الأفارقة غير المصريين.
السنغال
من بين هؤلاء إبراهيم سوري باه، طالب في قسم «التاريخ» جامعة الأزهر، الذي قال إن مصر أثرت عليه كثيرًا في مجالات عدة، وأتاحت له الاحتكاك وتبادل الثقافة مع مواطنيها أصحاب الحضارة العظيمة الفريدة.
وأضاف: «تعرفت على شباب وشابات مصريين في محافل الثقافة والعلم، وتعلمت منهم نطق اللهجة المصرية، وكذلك الدقة في التخصص بمجال الكتابة والبحث العلمي»، واصفًا شباب مصر بأنهم من أنشط الشباب في قارة إفريقيا، وأكثرهم حبًا للقراءة والكتابة.
لم يقتصر احتكاك «باه» بالمصريين والتعلم منهم على محافل العلم والثقافة، بل امتد الأمر إلى المواصلات، فحتى من خلال «التاكسي» و«الميكروباص» تعرف ابن السنغال على الكثير من قصص الماضي والتاريخ المصري، وتبادل الحديث والمعرفة مع صغار وكبار وشيوخ.

 

ابراهيم

 

 

وشدد على أن «الأساتذة في جامعة الأزهر الذين تعلمت على أيديهم أغلبهم مميزون، ونوروا لي الطريق لأكون مميزًا وباحثًا في تخصصي، كما أنني أتابع على مواقع التواصل الاجتماعي كثيرًا من الشخصيات المصرية صاحبة البصمات في العلم والبحث والكتابة».
وأوضح أن من بين هؤلاء الكاتب حسن حافظ، الذي تعلم عن طريق «منشوراته» كثيرًا من النقاط المظلمة في التاريخ، وخليل منون، الباحث في «الأنثروبولوجيا»، وغيرهما الكثير، فضلًا عن قراءته للعديد من الكتاب المصريين، أمثال أحمد خالد توفيق، وعبدالوهاب المسيري.
وخلص إلى أن الاحتكاك مع المصريين ذو تأثير إيجابي على شخصيته، وكان مثمرًا للغاية، وأشار إلى ما كتبه يومًا على صفحته بموقع «فيسبوك»: «إنني غيني المولد وسنغالي الجنسية، ومصري الثقافة كوني تعلمت أكثر عندما جئت إلى القاهرة»، مختتمًا بقوله: «أتمنى مزيدًا من الاستفادة، وأتمنى الخير لمصر ولرئيسها ولكل الشباب الحالمين بمستقبل أفضل».
الكاميرون
من دولة الكاميرون جاء حسين الحج نانا، للدراسة في كلية التربية جامعة الأزهر، لا ينسى أيامه الأولى في القاهرة، حين كان لا يفهم الناس في الشارع ولا يفهمونه، ويواجه صعوبة بالغة في التواصل، حتى اندمج وأصبح مصري القلب والروح.
وقال «نانا»: «منذ جئت إلى مصر في 2013 وحتى الآن، تأثرت كثيرًا بالشعب المصري، وبدأت أقلد لهجته وتعلم مفردات عديدة منها أصبحت من بين قاموسي اليومي».
وأضاف أن أشقاءه كانوا يدرسون في الأزهر، وحكوا له كثيرًا عن مصر، لكن الممارسة الفعلية والاحتكاك المباشر كان مختلفًا، متابعًا: «رغم وجود خلفية لدي عن المصريين، من شقيقي الأكبر، بقيت لفترة طويلة حتى اندمجت فعليًا، ولعل الفضل يرجع لأصدقاء الجامعة، الذين اقتربوا مني وساعدوني كثيرًا».
مع بداياته في القاهرة، استغرب «نانا» من رؤية عربات الفول في الصباح، وتوقف عند نوع الخبز واسم «الطعمية»، وكان يقول في نفسه: «كيف يأكل المصريون هذا الطعام؟»، حتى أصبح من عشاقه بعد ذلك «مكنتش متعود على الأكل المصري لكن حبيته بعد كده، وأكلتي المفضلة دلوقتي الملوخية والأرز وطبعًا الفول».
وواصل الحاصل على ليسانس التربية، والذي لا يزال يعيش بين أحضان المحروسة: «المصريون كانوا بيستغربوا الزي بتاعي في الأول، وأحيانًا يسألونني ولا أفهم كلامهم، وربما يحدث سوء تفاهم، لكن الآن أعتبر نفسي واحدًا منهم».
وأشاد بأخلاق المصريين التي لم ير مثلها في أي بلد آخر، فضلًا عن حبهم للوطن وانتمائهم الكبير إليه، والذي تعلمه على يد أصدقائه المصريين، مستدلًا على ذلك بأنه «في الكورة تلاقيهم بيشجعوا بحب وحماس كبير، وأخلاقهم عالية جدًا».
وتذكر قضاءه أسبوعًا في سوهاج، بدعوة من صديقه السوهاجي «محمد»، قائلًا: «قضيت أحلى أيام في حياتي، وأهله كانوا بيعاملوني على إني واحد منهم، وشوفت كرم ضيافة مش موجود في أي مكان بالعالم».
واختتم بالإشارة إلى أنه يحب مسلسل «نيللي وشريهان»، ويعتبر الزعيم عادل إمام نجمه المفضل، ويزور الأماكن الأثرية، ويسافر المدن المختلفة، حتى «بقيت حاسس إني مصري».
السودان
كانت ابنة السبع سنوات حين قدمت إلى مصر مع والدتها من الخرطوم، للاستقرار في القاهرة، والتحقت بالمدارس السودانية حتى تخرجت في كلية السياحة والفنادق.
رماذ قاضي التي كونت صداقات مع أطفال مصريين من خلال دروس القرآن، وامتزجت روحها بمصر وتعلقت بكل تفاصيلها، لتتحدث لهجتها وتعيش وفق تقاليدها.
وحكت ابنة الـ23 عامًا أنها مارست كل الألعاب المصرية في طفولتها، مثل «سبع بلاطات» و«عسكر وحرامية» و«السيجا» و«الاستغماية»، إلى جانب ركوب الدراجات.
كل ذلك شكل لديها حنينًا لا يغادر ذكرياتها، والتي من بين مشاهدها أول صديقة لها، وهي «لينا»، موضحة «عمري ما أنساها، قضينا أجمل وقت مع بعض».
«رماذ» تسافر إلى وطنها الأول، كل عام أو عامين، لزيارة أهلها، ثم تعود لأحضان وطنها الثاني مرة أخرى، تعشق زيارة مساجده والأماكن الأثرية فيه، مثل القلعة والحسين وقصر محمد علي وغيرها، وتحب «محشي ورق العنب» والفول، مختتمة حديثها بالقول: «مش حاسة إني مش مصرية، لأني متشبعة بيها، وكفاية إننا بنشرب من نيل واحد».
كوت ديفوار
درس والد فاطيمة بمبا، من كوت ديفوار في الأزهر الشريف، وتأثر بعلماء وشعب «المحروسة» حتى وقع في غرامها، لذا أصر أن تلتحق طفلته بالأزهر منذ صغرها.
وبالفعل بدأت الفتاة – العشرينية الآن- رحلة تعليمها منذ المرحلة الابتدائية، خلفًا لوالدها الذى رحل في منتصف الطريق، لتظل والدتها تساندها وتدعمها حتى وصلت للمرحلة الجامعية.
وحكت «فاطيمة» أن أهلها وعائلتها في كوت ديفوار، لكن والدها أوصى بأن تدخل هي وشقيقتها الصغرى الأزهر، على أن تعودا لوطنهما مرة أخرى بعد انتهاء تعليمهما.
وأشارت إلى أنه في بلادها لا يتعلم الكثير من الفتيات العلوم الشرعية، ويركزن على دراسة الهندسة والطب، لكنها أحبت تلك العلوم التي لقنها لها والدها.
تفتخر بكونها عاشت وتربت في مصر، وتفرح حين تطلق عليها صديقاتها لقب «مصرية»، تعيش بعادات وتقاليد المصريين، وتربت على أكلهم، وتتقاسم معهم تفاصيل حياتهم.
تشيد «فاطيمة» بحضارة «أم الدنيا»، خاصة الحضارة الإسلامية، التي يشهد لها التاريخ، وكذلك دول القارة السمراء، مشددة على أن معظم الأهالي لا يفضلون سفر فتياتهم إلا لمصر، من أجل الدراسة في الأزهر، الذي يعد المنصة الرئيسية لدراسة الدين بشكل صحيح.
وتعيش «فاطيمة» في مصر منذ طفولتها حتى أصبحت جزءًا منها، تتحدث لهجتها العامية بطلاقة، وتعيش وسط شعبها، وتعلق فؤادها بصديقاتها ومعظمهن مصريات.
لديها الكثير من الصديقات اللاتي يساندنها في أوقات الشدة قبل الفرح، تتذكر تلك المواقف الصعبة التي مرت بها خلال فترة وجودها للدراسة، ووجدت منهن الدعم المادي والمعنوي، وكذلك من جيرانها التي تشعر وسطهم بالألفة والطمأنينة.
من بين هذه المواقف أنها كانت عائدة إلى المنزل برفقة صديقتها في مترو الأنفاق، وتعرضت لمضايقة من أحد الشباب، فوجدت الأخيرة تدافع عنها: «كأن الكلام كان موجه لها مش ليّا».
تعتبر هذه الصديقة كشقيقتها، تدخل بيتها وتطلب من والدتها إعداد الطعام المصري المفضل لديها: «أحلى سبانخ أكلتها من إيديها». بينما تعد هي لها طعام بلدها في المقابل، وتتمنى أن يدوم الحب والود بينهما للأبد.
مالي
عندما حضر إلى مصر قبل 6 سنوات، خطط إبراهيم جوري للدراسة لمدة عام واحد، ثم العودة إلى مسقط رأسه في دولة مالي مرة أخرى، لكن حبه وتعلقه الشديد بالشعب المصري جعله يفضل البقاء فيها لفترة أطول.

 

ابراهيم جورى

 

 

وبالفعل أبلغ «جوري» أسرته بأن العام ليس كافيًا على الحياة في «المحروسة»، بعد أن تعلق فؤاده بأهلها وناسها الذين اعتبروه واحدًا منهم بعد فترة وجيزة.
وقال الشاب العشريني: «بصفتي قضيت 6 سنوات هنا في مصر، رغمًا عني تأثرت بكل شيء حولي من ثقافة وحضارة، خاصة أن فلسفتي تقول إنني جئت إلى هنا ليس للدراسة فقط، بل جئت لبلد ينبغي أن أندمج مع أهله، وكيف لا أفعل وهم أصحاب ثقافة وحضارة تختلف عن أي مكان في العالم؟».
وأضاف: «لكي أعرف هذه الحضارة والثقافة، كان لابد أن أكون قريبًا من أصحاب البلد، وكان هذا سر اندماجي السريع مع المصريين، والذين أصبحوا أهلي وناسي الآن، سواء على المستوى الأكاديمي أو المهني أو التطوعي والإنساني».
وواصل: «عند مجيئي إلى مصر، كنت أنوي قضاء عام واحد فقط، وبعد ذلك أعود إلى مالي، لكن حين تعرفت على الشعب المصري، تأثرت به بشدة، لأغير خطتي بأكملها»، متابعًا: «الذي جاء لقضاء سنة واحدة، ها هو يقضي 6 سنوات كاملة».
وشدد على أنه «هذه السنوات التي قضيتها في مصر لم تكن للدراسة فقط، بل كانت تجربة ناجحة في كل النواحي، بداية من الناحية الأكاديمية والعلمية، وتخرجي في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بجامعة عين شمس، واستكمال الدراسات العليا حتى الدكتوراه».
وأضاف: «وفيما يتعلق بتطوير بعض المهارات المهنية، عملت في إحدى المؤسسات القارية، وحصلت على العديد من الخبرات، بجانب اشتراكي في العديد من الأعمال التطوعية والمبادرات الشبابية، وأتقنت اللهجة المصرية لدرجة أنني كنت أخبر العامة في الشارع بأنني من أسوان، فكانوا يصدقونني».
واختتم: «أحببت الشعب المصري حتى أصبحت مصريًا، وحتى بعد رحيلي سأعود مرات أخرى، لأن هذا البلد صار بلدي، ومن يشرب من نيلها ويأكل من طعامها لن يستطع البعد عنها أبدًا».

No tags for this post.