أخبار عاجلة

«بابجي» تقتل «العروسة والحصان»

خبراء: الألعاب الإلكترونية تُصيب الأطفال بـ«التوحد» وتؤدي إلى الوفاة
تربط الطفل بشاشة بدلاً من التفاعل مع الناس وتنتهي به إلى العزلة
خطرها يصل إلى حد الإدمان والانتحار… وقضت على الابتكار والإبداع
كثير منها لا يناسب صغار السن ويرتبط بالعنف والاغتراب عن الأسرة
اقتراح بإتاحة ألعاب مثل «صندوق الدنيا» و«الأراجوز» على الإنترنت

كتبت – سحر عزازي
ككل شيء في حياتنا، التي ترفع شعار «دوام الحال من المُحال»، تغيرت ألعاب الأطفال، وأصابها ما أصاب مُحيطنا من تطوير وتحديث وسيطرة تكنولوجية لا مثيل لها، لكن الغريب أنه مع كل هذا التطور تراجعت المتعة و«قَلّت بركتها»، بل إن تأثير الأمر امتد ليحول مُسببات أساسية للسعادة والاستمتاع إلى مصادر للعديد من الأمراض النفسية والعضوية.
فلتركب «آلة الزمن»، وتذكر معنا طفولتنا البعيدة، حيث كُنا في شوارع حارات وقرى ومدن «المحروسة»، نعقد واحدًا من تلك الاجتماعات «المصيرية» في حياتنا آنذاك، لاختيار اللعبة المناسبة التي نبدأ بها يومًا حافلاً بالمرح والنشاط.
هذا يفضل «الكُرة الشراب»، وذاك يميل لـ«السبع بلاطات»، بينما تُرجح كفة «الاستغماية» لدى ثالث، ويرى آخرون في جمع «غطاء الكازوزة» وصناعة «عجلة» منها، أو التنافس في مباريات «البلي» على «المستطيل البني»، مُتعة لا تفوقها متعة وانبساط لا يتعداه انبساط.
كان الأطفال يتشاركون جميعًا لتحقيق المتعة والسعادة، وسط ضحكات عفوية حقيقية لا تخرج إلا من القلب، وقبل كل شيء، وإلى جانب إرساء المشاركة والجماعية بين هؤلاء، كانت هذه الألعاب تمد أجسادهم بنشاط وحماس لا تخطئه عين.
وبفعل الزمن تغيرت هذه الألعاب، لتتحول من ألعاب قائمة على الحركة والنشاط وتكوين الصداقات وتنشيط العقل وحثه على التفكير، إلى أخرى إلكترونية جعلت الطفل في معزل عن عالمه الحقيقي.
فمن خلال هذه الألعاب، يعيش الطفل في آخر افتراضي مكون من أشخاص غير مرئيين، وبعد أن كان يتشارك المتعة والحماس مع أطفال من سكان الحارة أو القرية أو الشارع الذي يسكنه، أصبح يلتقي مع مجهولين بالنسبة له، عبر لوحة إلكترونية بمجرد الضغط على مُحرك اللعبة.
حقيقة نعيشها اليوم وحذر منها الكاتب عاطف عبيد، الذي قال إن «الألعاب جزء من البنية المجتمعية، والتقدم التكنولوجي المذهل غَيرَ من طبيعتها بصورة كبيرة، سواء في المحتوى أو طريقة التفاعل والانتشار».
وأضاف «عبيد»، في تصريح خاص لمجلة «المعرض»: «أنا ريفي، والألعاب على أيامنا كانت محدودة، وكل بلد كانت مشهورة بنوع معين منها، وفجأة دخلت الألعاب في إطار العالمية، وبالتالي الأطفال أصبح متاحًا أمامهم اللعب مع نظرائهم في أي دولة أخرى، والتفاعل معًا عن طريق الإنترنت»، متابعًا: «ابني له أطفال من سوريا والمغرب والعراق بيلعب معاهم وبيشاركهم».
وحذر «عبيد» من أن الأطفال أصبحوا يعيشون في عزلة اجتماعية، بسبب استغنائهم عن ألعاب الحركة لصالح الألعاب على شبكة الإنترنت، ما أفقدهم علاقتهم بالمجتمع والبيئة، وألغى فكرة «الاحتكاك المجتمعي» بصفة عامة.
وأضاف: «التكنولوجيا أكسبت الأطفال إدراكًا أوسع وذكاء أكبر، ومنحته ديناميكية في التفكير، وخلقت نوعًا من الارتباط والحميمية مع الشاشة، لكن كل ذلك جاء على حساب تفاعلهم مع بيئاتهم المحيطة».
واختتم «ألعاب زمان كانت تعتمد على الحركة والخيال، بعكس الحالية المعتمدة على التفاعلية والديناميكية، كما أن الأخيرة جعلت الطفل يتفاعل اجتماعيًا على المستوى الافتراضي فقط، وفي عزلة تامة عن الواقع، حتى امتد تأثيرها ليصل إلى الإدمان والوفاة والانتحار».
اتفق الكاتب أحمد طوسون مع هذه الرؤية، وقال: «ألعاب جيلنا كانت بسيطة يخترعها ويبتكرها الطفل بنفسه دون إمكانيات، فكان يتمتع بالإبداع والابتكار قبل اللعب نفسه».
وأضاف لمجلة «المعرض»: «بعد فترة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات ظهرت ألعاب إلكترونية، كانت باهظة الثمن في البداية، ثم أصبحت في متناول الجميع، مثل القطار الكهربائي والطائرة والعربات بالريموت، وتزايد هذا مع فتح السفر للخليج».
وواصل: «ظل الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى من يشاركه هذه الألعاب الحديثة، حتى انتشر الإنترنت والهاتف المحمول، بما تضمناه من ألعاب مشوقة بصورة أكبر، لكن كثيرًا منها لا يناسب الأطفال ويرتبط بالعنف، فضلاً عما تسببه من خطر ارتباط الطفل بالشاشة، حتى أصبح في عزلة شديدة يُمارسها وحده بعيدًا عن والديه».
وأكمل: «مهما اختلف شكل العصر، يظل الطفل يعرف طريق الاستمتاع بوقته، لكن المشكلة الأساسية في الأمراض النفسية التي تُسببها الألعاب الحديثة، ومن بينها التوحد، لأنها تؤدي إلى انفصاله عن الواقع».
واقترح «طوسون» الجمع بين ألعاب الماضي والحاضر، لتحقيق المتعة والحفاظ على الطفل في نفس الوقت، عبر الاستعانة بالألعاب الشعبية مثل «صندوق الدنيا» و«الأراجوز»، وتقديمها في ثوب حديث من خلال التكنولوجيا وعلى الإنترنت.
واعتبر أن ذلك يعني مخاطبة الجيل الحالي بما يريده، وفي نطاق التطبيقات التي يفضلها، لكن بطريقة آمنة ومناسبة لعاداتنا وتقاليدنا وأخلاقنا، بدلاً من تطبيقات الغرب التي تشجع على الانحراف والعزلة، مثل لعبة «بابجي»، على حد قوله.