“منى”: كان شديد التدين.. و”نهى”: تعلمت منه أن أكون صادقة مع نفسي قبل الآخرين
لم تحتمل زوجته البقاء في القاهرة بعد رحيله فعادت إلى باريس: «كان وطني.. وبدونه تتساوى البلاد»
كتبت – آلاء حسن
في مستشفى كليوباترا بمنطقة مصر الجديدة، وتحديدًا بغرفة العناية المركزة بالدور الرابع رقم 408، تنفس الأديب الراحل يحيى حقي أنفاسه الأخيرة، بعد تعرضه لانهيار كامل في أجهزة الجسم، وكان البعض يقول إن سبب الوعكة الصحية التي تعرض لها هي أمراض الشيخوخة.
وكشف أبناء إخوة يحيى حقي في تحقيق نشرته مجلة «آخر ساعة»، 16 ديسمبر 1992، عن كواليس الأيام الأخيرة في حياة الكاتب الراحل، موضحين أنه أصيب بانهيار في الكبد، والتهاب رئوي، ولم تكن حالته النفسية جيدة، خصوصًا بعد وفاة أشقائه الثلاثة عام 87 وهم زكريا، وفاطمة، وموسى، وكان وقتها في فرنسا.
وقالت السيدة منى حقي إنه كان شديد الإيمان والتدين، وظل حاضرًا صافي الذهن حتى لحظاته الأخيرة: ” ووصانا على ابنته وزوجته وقال لنا: لا تحزنوا، أنا عايز أمشي بقى».
وطوال أيامه المعدودة التي مكثها حقي في غرفة العناية المركزة، كانت زوجته السيدة جان وابنته الوحيدة «نهى» تجلسان بالخارج، وعلى ملامحها الحزن الشديد، ترتديان السواد، وكانت زوجته يحيط شعرها الفضي القصير بتجعيدات وجهها، شاهدة على عدد سنوات «الصحبة»، بينما عيناها في ذهول، تنظران إلى الفراغ، خلف زجاج النظارة السوداء السميك.
«تعلمت منه أن أكون صادقة مع نفسي قبل أن أكون صادقة مع الآخرين وأن الإنسان مهما كبر في العمر أو في المركز فسيكون دائمًا تلميذًا في مدرسة الحياة، تعلمه وتعطيه حتى آخر نفس في جسده».. بهذه الكلمات ودعت نهى، نجلة يحيى حقي، والدها.
ومن أمام مستشفى كليوباترا بمصر الجديدة انتقل جثمان حقي إلى مثواه الأخير، تتبعه العيون الدامعة، دون صرخة واحدة، وظلت السيدة جان في العربة خارج المسجد أثناء صلاة الجنازة على يحيى حقي، وقالت إنها ستصلي بطريقتها، وحرصت على توديعه إلى مثواه الأخير، وبعد أيام قليلة من وفاته، لم تحتمل البقاء في مصر، واتجهت إلى باريس، مؤكدة: «لا أستطيع أن أبقى لحظة بدونه.. هو كان قاهرتي ووطني.. بدونه تتساوى البلاد والأوطان».
في وصيته، أوصى حقي بأن يكون العزاء في مسجد عمر مكرم، وأن يتم دفنه فور الوفاة، وأن يُكتب خبر صغير عن وفاته، يتضمن طلبًا ممن يقرأ الصحيفة أن يقرأ له سورة من القرآن، تكون له سندًا في لحظات السفر الأبدية.
لم يكن رحيل الكاتب يحيى حقي بالأمر السهل على زوجته وابنته الوحيدة، وكذلك أقاربه وأصدقاؤه، فقد كان له أثر كبير على حياتهم جميعًا، فقد عرف عنه أنه إنسان عظيم وبسيط إلى أقصى درجة، بجانب تواضعه الشديد مع كل من حوله، وقوة إيمانه وتدينه، وكانت أعماله دليلاً على ذلك، فكتاباته تكشف سر تعلقه وولعه بالبسطاء، وكان حلم حياته أن يجد الشعب المصري بأكمله مشتركًا في برنامج محو الأمية “ليزيل عار الجريمة التعليمية عن جبين مصر المحروسة”، حسب تعبيره.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











