أخبار عاجلة

الدكتور محمد فتحي فرج يكتب عن العقاد والعميد: الكروان بين العلم والأدب

طائر الكروان Curlew من الطيور المعروفة المقيمة فى البيئة المصرية ، وهو من رتبة القطقاطيات التى تندرج تحت فصيلة الكروان ، وهو يتبع جنس الكروان. واسم كروان الصحراء العلمى هو Burhinus saharae .

ويوجد من هذا الطائر فى العالم حوالى تسعة أنواع يتواجد معظمها فى الأراضى الجافة التى تكثر بها الأحجار ، ويقع لونه بين البنى والرمادى الخفيف مع شرائط وبقع لونية عميقة اللونين البُنى والأسود على ريش الجناح ، ويصل ارتفاعه نحو 30 سنتيمترا ، وله منقار قصير قوى ورأس كبير عريض ، وعينان كبيرتان نظرا لأنه طائر ليلى النشاط ، وأرجل طويلة بالنسبة لحجم الجسم ، ويقطن المناطق المعتدلة والاستوائية فى معظم أنحاء العالم.

ويأخذ هذا الطائر ـ فى شكله الخارجى ـ الملامح الوسطية العامة التى تميز الدجاجة والحمامة ، ويمتد موطن هذا الطائر فى عالمنا العربى من فلسطين ومصر إلى معظم أنحاء بلاد الشمال الإفريقى.

ويتميز بححوظ عينيه ذات اللون البنى ، أما منقاره فأسود اللون ، وأما القدم فصفراء ، واللون الغالب على الكروان هو اللون الأصفر الرملى مع برقشة بنية اللون وخطوط ونقوش فاتحة وقاتمة ، ويمتد تحت العين وخلفها خط أبيض ؛ مما يساعده على التمويه والتَّخَفِى camouflage من أعدائه الطبيعيين.

ومنه النوع السنغالى B. senegalensis ، وهو يميل إلى البنى فى لونه ، ويستوطن مصر والسودان وإثيوبيا ، وهو يصغر فى الحجم عن النوع السابق ، كما تضع أنثاه بيضة واحدة بدلا من اثنتين بالنسبة للنوع السابق.

ولهذا الطائر تغريد موسيقِى جميل ، ذو نغمة خاصة مميزة إلى حد كبير ، خاصة حينما ينطلق فى هدأة الليل وسكونه المَهيب ، فهو يبدأ تغريده كالعازف الماهر بصناعته ، العارف لأسرارها ، بنغمات تبدأ خفيفة خفيضة ، ثم لا تلبث أن  ترتفع نبراتها ، وتزداد سرعتها رويدا رويدا ، ثم تتلاشى بعد ذلك شيئا فشيئا ، حينما ينزل مرفرفا بجناحيه. ولهذا فقد جذب إليه الشعراء والأدباء والفنانين ، واستوحوا من نداءاته الموسيقية المتميزة شعرا وأدبا وفنا جميلا ، يروق للكثيرين عذوبته وتفرده لاسيما حينما يقرنونه بذكرياتهم حين سماع أصواته العذبة الشجية.

وها هو الأستاذ عباس العقاد يصف الكروانَ ـ فى مقدمة ديوانه عنه بعنوان “هدية الكروان” ـ بصفاته الطبيعية التى تميزه ، ثم يصفه ـ فى كتابه “ردود وحدود” ـ بما ينطبع فى نفسه عنه من تصورات فيقول: طائر الليل. طائر العزلة. طائر الصحراء. طائر الصيحة التى فيها من البشرى وفيها من التبريح وفيها من التسبيح.

ثم يتساءل:

ـ تعنى الكروان؟!

ويجيب:

ـ نعم ، إياه أعنى ، وهو صامت الآن! (فقد كتب العقاد هذا المقال فى فصل الشتاء ، حيث يقل نشاط الطائر ، وإطلاقه لأصواته المعهودة).

ثم يتابع قوله: “صامت منذ أشهر لا تسمع له من وراء الأفق تلك الصيحة التى كأنها نَصْلٌ من اللحن يشق سترا من السكون ، أو كأنها عقيقة من البرق تنفتح فى سدفة من الظلام ، أو كأنها نفثة من الجَوَى تندفع فى هدأة من الصبر الطويل. وكأنما سكون ليل الشتاء فى هذه الآونة الموحشة إصغاء مرهف ، وحنين مكتوم إلى ذلك الصوت المغيب الذى سيطول غيابه ، وسيعود!”.

وقد جذبت هذه الصفات التى تميز بها هذا الطائر الفنان انتباه الشعراء والفنانين والأدباء إليه ، فأنسوا لصوته ، واستمتعوا بنغماته وتـأثروا بها ، وألهمتهم الكثير من فنون التعبير التى صَيَّروها شعرا جميلا ونثرا مؤثرا ، وكان على رأس من تأثر من أدبائنا بهذا الطائر كل من الرائدين العقاد وطه حسين.

وقد وضع العقاد ديوانه السادس بعنوان “هدية الكروان” سنة 1933 ، ثم بيَّن لنا قصة ولادة هذا الديوان وسِرُّ تسميته هذا الاسم فى مقدمته ، حيث يقول: كان الربيع وتلاه الصيف ، وكانت لياليهما السواحر الحسان ، وكان هتاف الكروان الذى لا ينقطع من الربيع إلى الخريف ، ولا يزال يتردد حتى يسكته الشتاء. وأكثر ما يسمعه السامع فى حوافى مصر الجديدة حيث أسكن ، وحيث يكثر هذا الطائر الغريب ، لأنه يألف أطراف الصحارى على مقربة من الزرع والماء ، كأنه صاحب صومعة من تلك الصوامع التى يسكنها الزهاد بين الصحراء والنيل ، فله من مصر الجديدة مرتاد محبوب. (هدية الكروان ، ص 5).

وإذا كان لنا من تعليق فهو حول الوصف الدقيق لهذا الطائر مما أورده الأستاذ من خلال المعلومات البيولوجية والإيكولوجية الصحيحة ، حتى إنه فى نهاية الديوان وتحت عنوان “كلمة شكر” ، لم ينس ـ وهو يشكر الفنان رمسيس يونان على لوحته التى زيَّن بها غلاف الديوان ـ أن يعقب بقوله: وقد ارتضيت رسم الكروان بمنقاره الدقيق الطويل على أنه تصرف تسوغه الزخرفة كما تسوغ تدقيق الحروف الكتابية وتطويلها”.

ثم يأتى بملاحظته حول منقار الكروان الذى يعهده فيقول:”أما الكروان الذى يقيم فى مصر فله منقار يخالف هذا المنقار”. (هدية الكروان ، ص 156).

ثم أنشأ يقول فى مقدمته: ولِى بالكروان ألفة من قديم الأيام ، نظمت فيه القصيدة النونية التى أقول فى مطلعها:

هل يسمعون سوى صدى الكروان       صوتا يرفرف فى الهزيع  الثانى

من  كل  ســارٍ  فى  الظـلام  كأنه       بعـض الظلام  ،  تَضـله  العـينان

يدعـو  إذا  مـا  الليل  أطبق  فوقه        موج  الدياجر  ،  دعوة الغـرقان

ثم يقول فيها أيضا:

مـا  ضر  مـن  غنى  بمثل غنائه        أن ليس  يبطش  بطشـة   العقبان

إن  المــزايا  فى  الحـــياة  كثيرة        الخـوف  فيهـا  والسَّـطا  سِــيَّان

إلى أن يختمها بقوله مُناجيا إياه ، مُشيدا بدعائه:

يا  مُحـيى  الليل  البهـــيم  تهجــــدا         والطــــــير آويـة  إلـى   الأوكان

يحدو الكواكب وهو  أخفى  موضعا         مـن  نابغ  فى  غمـرة  النســـيان

قلْ  يا  شـــبيه  النابغين  إذا  دعــوا         والجهل يضـرب حـولهم  بجـران

كم  صيحة  لك  فى  الظــلام  كأنها         دقـات  صــــدر  للدَّجـنَّة   حـــان

هن اللغات  ولا  لغـات ســـوى التى        رُفعـت  بهــن  عـقيرة  الوجـدان

إن  لـم  تقيدهـا  الحــــروف  فـإنهــا        كالـوحــى  ناطــقة  بكل  لســـان

أغنى  الكلام  عن  المقــاطع  واللُّغى       بث الحـــزين  وفرحـة  الجـذلان

(هدية الكروان ، ص 5).

وقد أودعت هذه القصيدة الجزء الأول من ديوانى. ثم أعادنى طائف من طوائف النفس إلى النظم فيه ، فاجتمعت عندى قصائد عدة فى مناجاته. وكأننى كنت أعارضه وأساجله بكثير من القصائد الأخرى التى اشتملت عليها هذه المجموعة ، فصحَّ على هذا المعنى أن يُسمى الديوان كله “هدية الكروان”.

ثم يقول: ولوصف الكروان ، وشرح طباعه ومشاربه مقام آخر غير هذا المقام. فأما غناؤه فقد تقال فيه كلمة هنا ؛ لأننا نتكلم عما فيه من شِعر يوحى الشعر ، فليس أصلح لهذا الكلام من صدر الديوان.

ثم يقول: تسمعه الفينة بعد الفينة فى جنح الليل الساكن النائم البعيد القرار ، فيشبه لك الزاهد المتهجد الذى يرفع صوته بالتسبيح والابتهال فترة بعد فترة ، ويشبه لك الحارس الساهر الذى يتعهد الليل بالرعاية بين لحظة ولحظة ، وينطلق بالغناء فى مفاجاة منتظرة ، أو انتظار مفاجئ ، فلا تدرى أهى صيحة جذل أم هى صيحة روعة وإجفال ، ولكنك تشعر بالجذل والروعة والاجفال ، تتقارب وتتمازج فى نفسك حتى لا تتفرق ، كأنك تصغى إلى طفل يرتاع وهو جذلان ، ويجذل وهو مُرتاع! ويطلب الخطر ويشتهيه لأن للخطر فى حِسه طرافة وحركة ، فهو من عالم التفاؤل والإقبال لا من عالم التشاؤم والنكوص.

ويطلع عليك بهتافه من هنا ومن هناك ، وعن اليمين وعن الشمال ، وعلى الأرض وفوق الذرى ، فيخيل إليك أنك تستمع إلى روح هائم لا يقيده المكان ولا يعرف المسافة ، أطلقوه فى الدنيا على حين غرة فسحرته فتنة الدنيا ، وخلبته محاسن الليل ، فهو لا يعرف القرار ، ولا يصبر فى مطار. فأنت تتلقى من صوت هذا الطائر الأليف النافر عالما من معان وأشجان يتجاوب فيها تقديس المصلى القانت ، وحَدَب الحارس الأمين ، وروح الطفولة ، ومناجاة الخطر المقبول ، وهيام الروح المنهوم بالحياة والجمال: عالم لا نظير له فيما نسمع من غناء الطيور بهذه الديار.

وقد كرس الشاعر نحو ثلث الديوان لطائره الأثير الكروان ، وصدَّره بهذه الأبيات عنه:

هتفات الكِرْوان*  بالليل تترى      ومعانى الربيع نورا وعِطرا

وجمال  الحياة  حـبا  وحســنا      وشبابا يفيض عطفا  وبشــرا

بتُّ أصغِى لها ، وأقبس  منها      ثم ترجمتهـا لمن شـاء شـعرا

(*الكِرْوان: جمع كَرَوان. هدية الكروان ، ص 13)

ومن أعذب قصائد الديوان ـ فى الجزء الخاص بالكروانيات ـ القصيدة الآتية ، تحت عنوان “ما أحب الكروان!” ، يُذكِّر فيها الشاعر حبيبه بصوت الكروان وهتافه الخالد ، ويجعله همزة الوصل بينهما على البعد ، والتى يستفتحها بقوله:

ما  أحب  الكـروان !

هل سمعت الكروان؟

مــوعدى  يا  صاحبى  يوم  افترقنا       حـيث  كانت  جــيرة  أو  حــيث  كنا

هــــاتفٌ  يهتف  بالأســـماع  وهنا       هو ذاك الكروان ، هو  هذا  الكروان!

*  *  *  *  *

الكــراوين  كثير  أو  قلــــــــــيلْ        عـــندنا  أو  عـــندكم  بين  النخــــيلْ

ثم صوتٌ  عــابرٌ  كلَّ  ســــــبيل       هو صوت الكروان فى سـبيل الكروان

*  *  *  *  *

لى صدى  منه  فلا  تنس  صداك        هـــــو  شـــــاديك  بلا  ريب  هــــناك

فإذا  مــا  عسـعس  الليل  دعــاك        ذاك داعى الكروان هل أجبت الكروان

ثم ينهيها بقوله:

مفـــــــــرد  لكنه  يؤنســــــــــــنا         ســــــــــــاهر  لكنه  ينعســــــــــــــنا

صدحت  فى  نفســــــــــه  أنفسـنا        فتســـامعنا  سواء ، وسـمعنا  الكروان

*  *  *  *  *

واحــــدة  أو  مــائة  ترجعـــــــــه        عــــــندنا  أو  عـــــندكم  مـطلـــــــعه

ذاك  شــــىء  واحــــد  نســــمعه        فى أوان  وبيان ، هو  صوت الكروان

*  *  *  *  *

واحـــدٌ  بين  عصــور  وعصــور        نحــن  نســـتحيى  به  تلك  الدهـــــور

لم  يفتنا  غــــــابر  الدنيا  الغـرور        فى أوان  الكروان ، مـا أحب الكروان                                                                            (هدية الكروان ، ص29)

دعاء الكروان:

ثم يأتى الدور على العميد ، الذى ألف ثالث رواياته بعنوان “دعاء الكروان” (1941) ، بعد روايتيه “أديب” (1935) و”القصر المسحور” (1936) ، فلا ينسى ديوان صديقه العقاد ـ على الرغم من صدوره قبل ذلك بثمان سنوات (1933) ـ فيُصَدِّرُها بإهداء لصديقه العقاد يقول له فيه: “أنت أقمت يا سيدى للكروان ديوانا فخما فى الشعر الحديث ، فهل تأذن فى أن أتخذ له عُشا متواضعا فى النثر العربى الحديث ، وأن أهدِى إليك هذه القصة ، تحية خالصة من صديق مخلص”.

فيرد عليه العقاد التحية بتحية مماثلة ، ويكتب فى “الرسالة” مقالا نقديا حول الرواية فى 26يناير 1942 ، ضمَّنه كتابه “ردود وحدود” ، وينتهز هذه الفرصة ليقول فى جزء منه: “يا دعاء الكروان! موعدنا معك الفضاء الرحيب كلما أوغلت بنا الذكرى فى أغوار ينقطع ما بينها وبين الفضاء الرحيب. ومن دعائك أنك جذبتنا خمسا وعشرين سنة أو جذبت إلينا تلك السنين الخمس والعشرين ، وأنك أوحيت إلى طه ما يوحَى ، فإذا به يفتح لنا فضاء الليل وما فيه من أصداء وأشباح ، ويفتح لنا فضاء النفس الإنسانية وما فيها من أصداء وأشباح ، وإذا به يلقى إلينا بعاصم فى الفضاءين من ذلك الحبل السريع الخاطف ، ففيه لياذ بالنجاة”.

ثم يقول: “وإنى لأحسب وأنا أتقبل الهدية شاكرا أن “الكروان” سيأوِى إلى العش الذى سماه صديقنا متواضعا لأنه يرتضى العش وإن أغريناه بالدواوين ، وحسبنا منه أن يدعونا وندعوه ، وإننا وإياه نلبى الدعاء”. (العقاد: ردود وحدود ، ص 40)

وكما صنع العقاد للكروان فى الشعر ديوانا فقد كرَّم طه حسين هذا الطائر المصرى ، وصنع له أيضا فى ميدان الرواية واحة فيحاء فى صحراء مترامية الأطراف ، وجعله يغرد مع أول خيوط الفجر دعاءه الشهير ، بصوته العذب الشجى الرخيم ؛ ليُذكِّرَ بطلة روايته “دعاء الكروان” “آمنة” ، بعهدها ووعدها الذى جعلت تردده كلما سمعت دعاء الكروان ، حيث جعلها العميد تقول: “لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! مازلت ساهرة أرقب مقدمك وأنتظر نداءك ؛ وما كان ينبغى لى أن أنام حتى أحس قربك ، وأسمع صوتك ، واستجيب لدعائك. ألم أتعوَّد هذا منذ أكثر من عشرين عاما!

“لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! ما أحبّ صوتك إلى نفسِى إذا جثم الليل ، وهدأ الكون ، ونامت الحياة ، وانطلقت الأرواح فى هذا السكون المظلم ، آمنة لا تخاف ، صامتة لا تسمع!

ثم يربط بين صوت الكروان فى هدأة الليل وهتاف روح أختها “هنادى” وكأنها تخاطبُها .. أختُها التى نذرت نفسها للقصاص لها ممن أغواها ، ودنَّسَ شرف أسرتها ، فتسبَّبَ فى قتلها ، فيقول: “إن صوتك إذن لأشبه الأشياء بأن يكون صوتا لروح من هذه الأرواح ليذكِّرنى روح هذه الأخت التى شهدتَ مصرعها معى فى تلك الليلة المهيبة الرهيبة ، وفى ذلك الفضاء العريض الذى لم يكن من سبيل إلى أن يُسمَع الصوتُ فيه مهما يرتفع ، ولا أن يجيب المغيث فيه لمن استغاث.

فالجو العام للرواية ـ كما أشار صلاح عبد الصبور ـ الذى صنعه طه حسين ليعالج فيه ، بشكل أساسى ، قضيتين هما: التنفير من جرائم القتل التى تُرتَكبُ باسم صيانة العِرض ، وأما الثانى فيتمثل فى تمجيد عاطفة الحب تلك التى اكتسبها العميد من ثقافته الفرنسية.

ثم يعاود التلبية على لسان آمنة: “لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! ادْنُ منى إن كان من أخلاقك الدنو ، وأنَسْ إلىّ إن كان من خصالك الأنس إلى الناس ، واسمع منى وتحدث إلىّ ، وهلم نذكر تلك المأساة التى شهدناها معا ، وعجزنا عن أن ندفعها معا ، نصرف شرها عن تلك النفس الزكية التى أزهِقت ، وعن هذا الدم البرىء الذى سُفِك. فلم نزد حينئذ على أن بعثنا صيحات تردّدت فى ذلك الفضاء العريض ، لكنها لم تبلغ أذنا ولم تصل إلى قلب ، وإنما صعدت إلى السماء على حين هوى ذلك الجسم الجميل الممزق فى تلك الحفرة التى أعِدّت له إعدادا ، ثم هِيل التراب ، وسويت الأرض ، وأنت تدعو ولا من مجيب ، وأنا أستغيث ولا من مغيث ، وامرأة متقدمة فى السن قد انتحت ناحية ، وجلست تذرف دموعها فى صمت عميق ، ورجل متقدم فى السن قد قام غير بعيد يسوى الأرض ، ويصب عليها الماء ، ويردها كما كانت ، ثم ينتحى قليلا ويزيل عن جسمه وثيابه آثار الدم والتراب ، ثم يرتفع صوتُه آمِرا أن هلمَّ فقد آن لنا أن نرتحل”.

ثم يذكرنا بعهدها ذاك لأختها فيقول:”منذ ذلك الوقت تم العهد بينك وبينى أيها الطائر العزيز على أن نذكر هذه المأساة كلما انتصف الليل حتى نثأر لهذه الفتاة التى غودرت فى هذا الفضاء ، ثم نذكر هذه المأساة كلما انتصف الليل بعد أن نظفر بالثأر ، ليكون فى ذكرنا إياها وفاء لهذه النفس التى أزهقت ، ولهذا الدم الذى سفك ، ورضا عن الانتقام وقد ألمَّ بالآثم المجرم وردّ الأمر إلى نصابه ، وأراح هذه النفس التى ما زالت تطلب الرى حتى تظفر بالثأر من الذين اعتدوا عليها”. (الرواية: ص11).

وقد تعمدت أن استشهد بجزء من مقدمة ديوان الأستاذ العقاد (نثرا) ؛ لنقارنه بجزء آخر استشهدنا به من رواية العميد ؛ ليرى المقارن المتأمل أن نثر الأستاذ لم يقل فى روعته وفنِّيَتِه وجمالِه عن نثر العميد ، وليعيدَ النظرَ كل من يظن ـ خطأ أو غَفلةً ـ أن أسلوب الأستاذ يمتاز بالصعوبة أو التعقيد ، أو على الأقل هو أسلوب جافّ ، يخلو من الجمال والرُّواء! ولْيُعِد القراءة مرة أخرى من يريد أن يتحقق مما أقول ، فلعله للحق يعود!

وعلى الرغم من أن العقاد كان يفضل الإيجاز ، ويؤثر المعانى فيما يكتب ، فإنه كان صاحب جملة تتميز بالبيان والبلاغة التى تهتم أولا ببيان المعنى ، وبلوغ الهدف من الكتابة ، ومع هذا فلم تكن تخل جملتُه من روعة وجزالة وجمال. ولا عجب فى هذا ، فهو أولا وآخرا شاعر ، والشاعر صاحب أسلوب يلتقى ويتوازن فيه المعنى مع المبنى بحيث لا يجور واحد منهما على الآخر. وعلى هذا ، فحينما انتقل العقاد من الشعر إلى النثر ، ليُحدثنا عن طائره الأثير الكروان ، فقد اقترب أسلوبه كثيرا من الشعر ، ولك أن تقول باطمئنان: إنه أشبه ما يكون بالشعر المنثور.

أما أسلوب العميد فقد قلنا عنه فى موضع آخر: “ليس من شك فى أن اللغة العربية سواء تلك التى تخرج من فم الدكتور طه حسين أو يسجلها عنه سن قلمه ذات مذاق خاص ، فللرجل أسلوبه الذى يخالف به غيره ، ونعرفه ونميزه عن سواه من أصحاب الأساليب ، فهو صاحب جرس خاص ذى وقع وتأثير على الأذن السامعة ، ليس بوسعنا مقارنته بما نسمعه من غيره ، كما أن له فى كتابته أو أحاديثه طابعه أو مذاقه الخاص ، الذى لا يختلط بغيره ممن نقرأ أو نستمع لهم من كثير من الأدباء والخطباء والمتحدثين ، فأنت لا تملك إزاء قراءته أو الاستماع لحديثه إلا أن تقر بأن هذا المبدع العظيم قد امتلك أسرار العربية وكنوزها الخفية!

ومن ناحية أخرى فإن إعادته لبعض عباراته ومعانيه بصيغة بيانية أخرى تزيدنا إعجابا باسلوبه المميز ، كما نستمع ونستمتع بترجيعات صوت الكروان ، يطلقها ويكررها عشرات أو مئات المرات ، دون أن نمل من تكرارها وسماعها ، بل إننا نحن الذين نحس بتنوعاتها حينما نقرنها بحالتنا النفسية ، ونخلع عليها انبطاعاتنا الوجدانية ، فنشعر بها جديدة طازجة فى كل مرة نستمع فيها ، ونستمتع بها.

وخلاصة القول: فقد أحب الرائدان طائر الكروان ، وتعلقا به ، وناجياه .. كلٌ بطريقته ، وبما أوحى به إليهما من نفحات الفن ، وما حرك لديهما من أشكال الخيال .. لقد استلهماه بعض أبداعهما فلباهما شعرا رائعا ، وقصَّا جميلا ، والمهم ـ قبل هذا وبعده ـ أنه جمعهما معا فى طريق الفن والإبداع والتعبير الجميل ، والتواصل الأدبى الراقى ، والنشاط النقدى الموضوعى ، فسجَّل لهما تاريخ الأدب كل هذا فى سجله الخالد ، الذى لا يمَّحِى ولا يزول ، مهما تطاولت عليه السنون والعهود.

* الكاتب أستاذ أكاديمي ومفكر

“المقال أهداه الكاتب لجمهور الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب وتم نشره بالعدد الأخير لمجلة ميريت الثقافية”