أخبار عاجلة

ننشر قصة “احكي لأحد” من مجموعة “مشهد خارجي” للدكتورة سوسن الشريف

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض” واحدة من قصص مجموعة الدكتورة سوسن الشريف “مشهد خارجي” الصادرة عن دار روافد للنشر، وهي بعنوان “احكي لأحد”، والتي أهدتها لجمهور الموقع.


وجاء في سطورها:

“من المهم أن تحكي عن ألمك، فالكلام يخفف من حدته، مشاركة تفاصيل سقوطك من الدرجة الأخيرة التي لم ترها على السلم، قد تكون أهم من تمزق الأوتار الذي أصابك.

أظنني بارعة في نزع الاعترافات من الآخرين دون جهد، ذات يوم جلس بجانبي موظف لا يحبه أحد، أخبرني عن بكاؤه كل ليلة إلى أن ينام، أوجعته الحياة إلى أن ضلت شفتاه مذاق الابتسام. يوم آخر شكى لي جذع شجرة ينزف، نزعوا عنه فروعه للتو، سقط دمعه بين يدي أوراق خضراء، بات لامعًا عاريًا وقد خُلق على غير عادة الخلق مكسوًا بنبت الزهر.

ركبت الباص اليوم في اتجاه وسط البلد، لم أركب المترو لازدحامه أكثر من موقف الباصات بجواره. جلست بجانب سيدة في أواخر الخمسينات، كانت تأكل شيئًا، أنهت نصفه ولفت الباقي في حقيبة صغيرة من البلاستك، نفضت عن ملابسها فتات الطعام. التفتت إليّ وأنا احتضن حقيبتي في صمت، وأعطي للكمسري كل ما لدي من نقود معدنية، نصحتني بالإبقاء على بعضها، أخبرتها أن لدي فائض منها في المنزل، فأمطرتني بالدعاء “معاكي الخير كله يا بنتي يارب”.

لم التفت إليها بل شكرتها وأنا ابتسم، لكنها استمرت في الكلام، تصف لي ألم قدمها، لاصطدامها بقطعة حديدية داخل الباص. رفعت طرف جلبابها الأسود الباهت، أشارت إلى كدمة ملونة بالأزرق والبنفسج والأحمر، ضغطت عليها بأصابع ذابلة، فتأوهت وكأنها بحاجة لمزيد من الألم. اضطررت الالتفات إليها أربت على ألمها بكلمات قليلة، أظنها خففت من ألمها، ليبدأ نصيبي من الألم. لم يكن علي الإنصات لصوتها الحنون، لقد تورط قلبي للأسف، وسيتحمل وحده النتيجة، ربما ستذهب لأولادها، ولن تجد من يصغي إليها باهتمام، وربما كنت أفعل مثلهم، قبل أن تصيبني الأيام باليتم، وأقضي حياتي في التمني.

تمني عودة يوم مع أي منهما، لقد تغيرت كثيرًا، صرتُ أعرف أشياء كثيرة، أود مشاركتها معهما، أعرف كيف اهتم بهما، أعرف أماكن كثيرة للتنزه والسفر بلا مشقة. تعلمت أسرارًا جديدة للطهو، لن أنافس بها أمي، التي كان يكفيها لمس الطعام، لينتقل إليه كل ما أنعم به الله عليها من محبة وحنان. تعلمتُ قيادة السيارات لأذهب مع أبي إلى الطبيب والجلسات العلاجية، كان سيهزأ من قيادتي خوفًا وشفقة عليّ كما كان يفعل. سنوات ضاعت من عمرنا معًا، وأنا على يقين بأنه حرمني الحياة، ربما كان عليه منحي بعضًا من الحرية، خوفه أوصلني لمناطق مظلمة خضتها بمفردي.

ظلت السيدة تتحدث وأنا أنظر إليها غارقة في حكايتي التي أرغب روايتها لأحد، وصلت إلى محطة النزول، أتأمل وجوه المارة، كل منهم يحمل كثير من الحكايات بحقائب بلاستيكية تحوي قوت يومه وبقايا لم يمسها الضر من قلبه”.