أخبار عاجلة

حياة الأحلام.. ننشر إحدى قصص الكاتب الراحل محمد عبد المنعم زهران

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، إحدى قصص القاص والأديب الراحل محمد عبد المنعم زهران، والذي رحل عن عالمنا منذ أيام، تاركا كنزا إبداعيا اجتمع النقاد على تفرده.

والقصة بعنوان ” حياة الأحلام”، من مجموعته القصصية ” بجوارك بينما تمطر”، والتي صدرت في طبعة منقحة عن دار أكوان للنشر، وشاركت بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2022.

“حياة الأحلام”

جلس يدخن أحلامه . فهدأ كل شيء.
أطفأ سيجارته، وراقب انطفاءها شيئا فشيئًا. تأمل آخر خيوط دخانها يتلاشى فى الهواء، وتحركت أصابعه لتعبث فى لحيته متواصلة النمو .
ثلاثون عامًا قد مرت منذ أن قرر. بعد أن أطفأ سيجارته ضحك وهو يعبث فى لحيته . وكان ابتسامًا، فى وقت غير ملائم للابتسام. رغم ذلك كان يشعر برغبة عارمة فى البكاء، ارتفع صوت ضحكاته، بدا غير قادر على إيقافها. كان الضحك يأتى من أنامل القدمين ومن كل بوصة فى الجسم ويسرى فى عروقه ليتجمع فى الصدر فيشهق. وفى الوجه والفم؛ فتخرج الضحكات .
سقط على الأرض الآن، سقط هكذا فجأة . بدا أن ذلك كان فى اللحظة التى لم يبد فيها أية مقاومة للضحكات المتأججة، والتى أسقطته، هكذا فجأة .
كانت قد أسقطته الضحكات فور أن دخن أحلامه، أو هكذا تصور .
انكمش على الأرض ، وكان جسده يهتز مع إيقاع الضحك الصاخب . مر وقت، وخيم الظلام . فخفت الضحك قليلًا قليلًا ثم تلاشى . فى اللحظة التى تلاشت فيها آخر خيوط الدخان، سكن جسمه، خده ملتصق بالأرض .
وكانت عيناه بأقصى اتساع لهما ترقبان نملة تمشى على الأرض .
زقزقت العصافير، كما فى فيلم سينمائى، زقزقت العصافير، فتح عينين رائعتين، ونظر إلىّ أنا، وأنا كنت أتأمل حاله . بدا أنه قرأ فى عينى شعورًا بأنه ميت؛ فنهض منتفضًا متجنبًا النظر إلى عينىّ، واستدار مذعورًا معطيًا لى ظهره . كان يرتعش، لقد كان يرتعش، وأنا كنت أتأمل حاله . قبل أن يستدير قائلًا وهو يشير إلىّ:
” أنت. توقف عن ” .
ولأننى، أنا، مجرد قارئ يقرأ فى فراشه لمجرد حث النوم على المجئ ، فقد تجاهلته واستمررت فى القراءة، مندهشًا من هذا الذى رآنى بينما أقرؤه فى كتاب يحمل قصته .
شعرت بالغيظ من قراءة شخص مازال يعتقد اعتقادًا خاطئًا أنى اعتقدت موته، ولأننى كرهته فقد هممت بالتوقف فعلًا والدخول فى مجال النوم دون مواصلة القراءة . لكنه رفع عينين مستكشفتين إلىَّ، ثم وقف متحفزًا ونظر إلى الأرض مرتعشًا، وأخيرًا رفع وجهه ببطء تجاهى أنا، عيناه حزينتان .
زال لدىّ كل شعور بالغضب نحوه. توقفت عن القراءة متأملًا حاله، وعيناه رأيت بؤبؤًا يبكى وتجف دموعه قبل أن تهبط . وعندما تحركت شفتاه عدت إلى القراءة. كان يتكلم :
” إإإيه .. كنت أدخن أحلامى ” .
فقلت متثائبًا مقاومًا النوم “نعم . كنتَ تدخن أحلامك ” .
مال بعنقه، فمال وجهه وهو يقول :
” وعندما كنتُ راقدًا لم تستطع أنت أن ترى هذه النملة هنا. كانت نملة أخرجتها من الداخل كنت أهدهدها وأتوسل إليها أن تخرج ولكنها كانت تتحرك ببطء، أخيرًا شعرت بها مددت إصبعى والتقطتها من بلل حلقى هئ هئ هئ هئ لم تجد شيئًا، كنت قد دخنت أحلامى فهدأ كل شيءوالله هدأ كل شيء، وإذا كنت قد دخنتها للأبد فقد كان عليها أن تخرج إذ لن تجد شيئًا تلدغه.
توقفت عن القراءة، وعدت أتثاءب؛ لأننى فهمت أن رجلًا ، محض رجل، يتعذب لأن له أحلامًا، وأنه أخيرًا استراح بتخليه عنها. كما قررت فى أريحية أنه من الرائع أن يتخلى الإنسان عن أحلامه فى الوقت المناسب إذا ما تحولت إلى محض عذاب من إخفاقات متواصلة.
تمددت وتركت الكتاب جوارى. وعندما تأخر النوم عدت للقراءة متأملًا حاله وكان قد نام. كان نائمًا يتنفس بعمق. وبدا أنه لم ينم بكل هذا العمق منذ سنوات. دغدغنى النوم أيضًا، اعتقدت أن هذه نهاية رائعة لقصة، واندهشت لأنه كان متبقيًا صفحة ونصف الصفحة، فقررت قراءتها بخمول.
كان قد استيقظ فجأة، وهو يصرخ ويدق بقدميه على الأرض، ويضرب بيديه على صدره ورأسه . كان الرجل يقاوم بجبروت النملة وقد تسللت عائدة إلى الداخل، بدا أنها تسللت فى عمق نومه المريح من إصبع اليد إلى الساعد إلى العنق إلى الوجه، حتى دخلت الفم وانسابت إلى الداخل، ثم سقط أخيرًا على الأرض وقد اندفعت من بؤبؤيه دموع كثيرة. فى هذه اللحظة نظر إلىّ، بدا محض تعاسة حية . تحركت شفتاه دون أن يقول، أخيرًا بدا أنه استراح وعاد إلى نومه . بعد قليل رأيت صفًا منتظمًا من النمل يخرج من فمه .
تركت الكتاب تحت وطأة النوم الذى خدر أطرافى، واستسلمت لنوم مريح .
وفى نومى الهادئ شعرت بخيط رفيع يقبض على روحى ويسحبها، اختنقت وبدأت أبكى فى نومى لأننى أدركت أنى أشرف على الموت، زاد الاختناق وفى عمق السواد تنسمت هواءً يندلع من فجوة غير مرئية، ولجت فيها وانتفضت مذعورًا. استيقظت كنت أبكى صارخًا واستيقظت زوجتى وأولادى . وقفتُ على الفراش هائجًا ومزقت ملابسى متسائلًا بغير فهم ..
” أين أنا .. ماذا أفعل وكيف ..”
حاولت زوجتى تهدئتى، أحاطتنى بذراعيها فانكمشت وجلست على الأرض، كنت أشعر بشيء يضغط على روحى ويدفعنى للبكاء بمرارة، وبدت لى كل هياكل حياتى محض خواء. الرواح والغدو، الزوجة والأولاد، العمل الروتينى والجلوس على مقهى بالليل، وفكرت فى إشعال النار فى كل شيء ومن ثم البدء من جديد، فأنّبتنى أصوات البكاء حولى، ولكننى أردت أن يختفى كل شيء هكذا فجأة، أن تكف كل هذه الأصوات، وتمنيت لو أنها لم تكن قد وُجدت . فقط أن يذهب كل هذا الذى أراه محض خواء، محض بله وتعاسة، لذا كنت أبكى وأرتعش.
تذكرت الكتاب فجأة، تلفّتُّ ورأيته بجوار الفراش فاندفعت إليه لاهثًا وقلّبت صفحاته لأبحث عن الرجل فى القصة.
وأخيرًا وجدته، غير مرئى تقريبًا من دخان سجائره، كان جالسًا فى هدوء بلحيته الطويلة. ينظر إلىّ، ويقرؤنى فى كتاب.