أخبار عاجلة

الكشك الخشبي.. إحدى قصص سمية عبد المنعم

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة قصيرة للكاتبة والقاصة سمية عبد المنعم، بعنوان “الكشك الخشبي”.

والقصة من مجموعتها القصصية ” رغبة”، الصادرة عن دار “أكوان”، للنشر والتوزيع، وشاركت بها بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الفائتة.

“الكشك الخشبي”

الكشك الخشبي الضيق، طابور الفتيات الصغيرات اللائي يرتدين فساتين وجلابيب بيضاء، أصوات الذاكرين تعلو على صراخهن خلف القضبان الخشبية فلا يصل إلى مسامعي اللاهثة منها شيء، الأمهات المترقبات والحوارات المترددة .
لعامين متتابعين أمرُّ بالمشهد نفسه أثناء زيارتنا السنوية لمولد سيدي أبوالحسن ، هكذا أسمع أمي تطلق عليه ، تتشبث أصابعي الصغيرة بكفها وأتساءل عما تفعله هؤلاء الصغيرات وما يدور بين جنبات الكشك ، يلوح شبح ابتسامة على ثغر أمي وتجيب باقتضاب:
” كبروا بقى..عقبالك”
فتثير إجابتها في نفسي أسئلة أكثر، تسارع هي بملاحقتها قبل أن تولد على شفتي.
سوف أقف معهن يوما وأرتدي فستاني الأبيض وسوف تأتي خالتي من البلدة خصيصا لزيارتي ، ومعها بطة مسلوقة وكسكسي …وستكون أكبر قطعة في البطة من نصيبي ..هكذا وعدتني أمي .
صرت أمر على طابور الفتيات مبتسمة ..متى يحين دوري لأقف بينهن وتنفذ أمي وخالتي وعدهما.
اليوم أتممت العاشرة ، وبلغت نصاب طابور الفتيات ، أقترب ومعي أمي لأقف في الصف  ، لكن ما لهن يبكين بخوف متوسلات إلى أمهاتن الا يدخلن الكشك ؟
ساورني القلق فاختفت ابتسامتي وتصلبت عيناي على مدخل الكشك الذي تسده ستارة سميكة تخفي ما يدور داخله ،  ولأول مرة تصل إلى أذني صرخات وتوسلات من دخلت، أنظر الى أمي برعب فتطمئنني بقلق لا يغادر عينيها .
ارتفع صوتي بالبكاء ، طلبت منها أن تعيدني إلى البيت فما عدت أريد البطة والكسكسي ، وما عدت أريد رؤية خالتي نفسها.
” متخافيش ..كل البنات الحلوين لازم يتطاهروا”
قالتها أمي ورددتها تلك المرأة السمينة الواقفة إلى جوار فراش صنع من أقفاص الفاكهة ووارت خشباته مرتبة مهترئة ، بينما اكتفت امرأة أخرى أقل منها حجما بهز رأسها مؤمنة .
أهذا كل ما يوجد خلف تلك الستارة ، فلماذا إذن خرجت الفتيات قبلي ملوثة ملابسهن بالدماء ؟
وفجأة حملتني المرأة السمينة وطرحتني فوق الفراش بحزم ، ثم نظرت إلى الأخرى نظرة ذات مغزى ، وأمرتني في لهجة حاسمة بأن أخلع ملابسي السفلية ، التفت إلى أمى بهلع فأشارت إلىّ بأن أفعل وهي تجاهد لتبدو هادئة .
هجمت عليّ المرأة الأخرى وفرقت بين فخذي وكبلت ساقي بكلتا يديها لتجبرني على فتحهما ، واقتربت السمينة حاملة زجاجة و مقصا صغيرا بدا لي بلمعته تحت ضوء متسلل من فتحات الكشك كنصل سكين كبير ، اقتربت مني وهي ترسم على وجهها ابتسامة صفراء .
أغلقت عيني وانهرت في الصراخ وأنا لا أدرك ماذا ستفعلان بي ..بل ماذا سيفعل بي ذلك المقص .
أمسكت بذراع أمي التي اقتربت مني لتكبل يدي، عدت أتوسل إليها أن تنقذني فأشاحت بوجهها عني مخفية دمعة خانت عينيها.
أحسست بسائل يرش عليّ ، فتحت عيني لأبصر أصابعها القابضة على المقص تدنيه مني وكأنها أسد جائع يكشر عن أنيابه ويبغي التهامي .
حاولت التملص  فعاجلتني بصفعة قوية جعلتني أرتد مستسلمة ، ولم تكد تمر ثوانٍ حتى شعرت بألم شديد وكأن أحدهم ينتزع عيني .
هذه المرة شاركتني أمي الصراخ هاتفة بالمرأة :
_ كل ده دم ..بنتي بتنزف.
صاحت بها المرأة ذات المقص بعنف قائلة :
_ متخافيش ..ده من كتر خوفها وهيقف حالا.
لم تقتنع أمي بقولها فراحت تندب حظي العاثر بينما راحت المرأتان تقصفان عليّ من قطع القطن دون فائدة ، حتى صرخت احداهما بأمي أن تتصرف في قطعة قماش كبيرة لإيقاف سيل الدماء ، التفتت امي حولها في حيرة ثم راحت تخلع عباءتها وتمزقها لقطع كبيرة لتضعها المرأة فوق جرحي .
كم مر من الوقت حتى توقفت الدماء ..لا أدري ..فقد حاولن جعلي أقف على قدمي بعد أن لففن الكثير من القماش حولي هاتفة بي إحدى المرأتين وهي تتنفس الصعداء :
_ الحمدلله بقيتي كويسة ..بس ابعدي رجليكي عن بعض وانت ماشية .
ثم أشارت إلى أمي إشارة حاسمة فدست في يدها بعض النقود.
ربتت أمي على كتفي وبعينيها مازالت ترقد الدموع ، حدجتها بنظرة لائمة فتمتمت مرددة:
_ معلش  ..كل البنات الحلوين لازم يتطاهروا.

* * *