كتبت: سمية عبد المنعم
ما بين مصر ولبنان جالت قاطرة حياته، وكانت رحلته الشاقة والشائقة، شاعر القطرين، هكذا لُقب، جمع في شعره بين الكلاسيكية والوسطية، والحداثة، لجمعه بين الثقافة العربية والأجنبية، فكان أحد أضلاع ثالوث الشعر العربي، الذي مثل ضلعيه الآخرين شوقي وحافظ.
إنه الشاعر الكبير خليل مطران، الذي تحل ذكرى وفاته اليوم، حيث توفي في الأول من يونية عام1949.
يقول المؤرخ الأديب حنا الفاخوري عن شعر مطران : ” أراد الخليل أن يكون ابن عصره وأن يكون في صياغته أصيل العروبة ، يخرج عن عمود الشعر الذي انقاد له أحمد شوقي وحافظ ابراهيم ، ويبتعد عن التحرر المفرط الذي نادى به شعراء المهجر ، فيسلك طريقا جديدة فيها متانة العبارة ، وسلامة الأسلوب ، وروعة الأداء والصياغة ، وفيها الروح الجديدة ، والحياة الجديدة ، والحضارة الجديدة”.
ومن شعره نذكر:
سجدوا لكسرى إذ بدا إجلالا * كسجودهم للشمس إذ تتلالا
يا أمة الفرس العريقة في العلا * ماذا أحال بك الأسود سحالا
كنتم كبارا في الحروب أعزة * واليوم بتّم صاغرين ضئالا
خليل مطران مصري الهوية:
ذكرنا آنفا أنه لقب بشاعر القطرين، مصر ولبنان، إلا أن ارتباطه بمصر وتأثره بها كان واضحا جليا، ساقه إلى ذلك أقدار حددت أحداثا مصيرية في مشواره إبداعيا وحياتيا، فقد تزامن قدوم خليل مطران إلى مصر مع وفاة أحد أساتذة المدرسة البطريركية الذي كان يحبه الشاعر ، وهو سليم تقلا مؤسس جريدة الأهرام المصرية ، فحزن عليه حزنا شديدا ، وأثناء مواراة جثمانه التراب ، انطلق الشاعر بصوته الشجي يرثي الفقيد بعبارات بليغة ، أدهشت المشيعين .
وعليه فقد عرض بشارة تقلا شقيق الفقيد على خليل مطران أن يكون محررا في جريدة الأهرام ، وما هو إلا زمن قصير حتى أصبح خليل مطران رجل الصحافة بامتياز ، لما بدا عليه من خبرة في التحرير والكتابة ، وبلاغة في الأسلوب والتعبير.
بعد ثماني سنوات من العمل بالأهرام تركها مطران ، ليؤسس جريدة خاصة به، حيث أصدر المجلة المصرية سنة 1900 ، وهي مجلة نصف شهرية، ثم أصدر مجلة الجوائب ( يومية ) .
ولأنه كان واسع الاطلاع على شؤون المسرح ، فقد عهد إليه بإدارة الفرقة القومية منذ سنة 1938 ، وأدى في سبيل ذلك خدمات كبيرة ، منها عكوفه على ترجمة كثير من الروائع الإنسانية الخالدة ، كمسرحيات ( عطيل – هاملت – ماكبت – تاجر البندقية ) لشكسبير .
ولأن خليل مطران كان ذا خبرة في المجال الاقتصادي والزراعي ، فقد تم تكليفه بوضع البرنامج الأساسي لبنك مصر ، كما كان يؤخذ برأيه في بعض ما له علاقة بالشؤون المالية من المذكرات القانونية ، وفي سنة 1912 ضارب بثروته فخسرها ، فكانت الصدمة عنيفة عليه مما جعله يفكر في الانتحار .
وكان تأثير ذلك جليا وواضحا في نفسيته وفي أدبه، خاصة وأن مرضه المزمن زاد من سوء وضعه ، وأظلم الدنيا في عينيه وهو ما بدا في قصيدتي المساء و الأسد الباكي.
وفاته
صدر قرار تعيينه سكرتيرا معاونا بالجمعية الزراعية الملكية ، فانتظمت شؤونه المادية واستقامت ، فانكب ينسج روائع من قصائد ملحمية لفتت إليه الأنظار.
أقيم له سنة 1917م مهرجان أدبي كبير بدار الأوبرا تكريما له واعترافا له بفضله في ميدان الشعر ونصرة القضايا العربية عامة ، وبعد مرور سنتين ، اشتدت عليه وطأة المرض ( النقرس ) ، ففاضت روحه في اليوم الأول من يونيو سنة 1949 ، عن عمر يناهز سبعة وسبعين عاما.
وكان آخر ما قاله لطبيبه :”أنا أعتبر نفسي الآن قد انتهيت ، وإن كنت لا أزال أعيش ، فبقوة الإرادة ، وكل ساعة أحياها تعتبر ليست من حقي ، إنها سرقة موصوفة ! أيها الطبيب ، أريد أن أخلص ، فقد انتهيت”.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











