الخميس , 15 يناير , 2026
أخبار عاجلة

المنتصر.. قصة قصيرة للكاتبة نيللي عبد العزيز

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة قصيرة بعنوان “المنتصر”، للقاصة نيللي عبدالعزيز، والقصة من مجموعتها القصصية “الحقيقة لها وجهان”، الصادرة عن دار المكتبة العربية للنشر.

“المنتصر”
منذ طفولتي المبكرة وأنا أشكو ضعفا شديداً بالإبصار وأحيانا أري الأشياء مشوشة، عرضني والدي على أفضل أطباء العيون. الكل أجمع أني أعاني من مرض نادر، سوف يخطف نور عينَي رويداً رويداً، قالوا لوالدي: سوف يرى الدنيا يوما ما من خلال أنبوب، ثم يضيق قطر هذا الأنبوب إلى أن يصبح كفيفا كليا بعد عدد من السنين لا يعلمها إلا الله وحده، ثم أضافوا: هذا المرض ليس له علاج معروف حتىَ الآن.
أيقنت ذلك وفهمته جيدا وأنا في التاسعة من عمري، ولكنني والحمد لله وهبني الله نفسًا راضيًة، مثابرة لا تتوقف عن الحلم والعمل، لذا فقد اتخذت قراري بأن أنهل من كل شيٍء في الدنيا قبل أن أحرم من رؤية الدنيا ذاتها.
لم أترك رياضة لم أمارسها وإن كنت لم أتقن أي رياضة بالطبع، لم أترك نشاطا مدرسيا دون أن أشارك به، لم أترك كتابا يقع تحت يدي دون قراءته رغم صعوبة ذلك، وفي سن الشباب خرجت وسافرت واستمتعت بكل ألوان المرح البريء مع زملائي، ورغم ضعف إمكانات والدي في ذلك الوقت إلا إنه حرم نفسه وأخوتي من أشياء كثيرة حتى لا يحرمني من شيء أريده.
حصلت على مجموع كبير بالثانوية العامة وحققت أمنيتي في الالتحاق بكلية الإعلام وخاصة قسم “العلاقات العامة والإعلان” كما أردت لنفسي، ومع بداية سنوات الجامعة أتاني النذير المنتظر وبدأت دائرة رؤيتي تضيق فأحسنت الاستعداد للحظتي المحتومة بإتقان طريقة برايل، وشراء حاسوب شخصي خاص بالمكفوفين، كما أحضرت عصاه خاصة تساعد على المشي، بل وحتى ساعة اليد الناطقة حرصت على اقتنائها.
تخرجت في كليتي متفوقاً على الجميع فعينت معيدا وسط تقدير تام من كل أساتذتي بسبب اجتهادي رغم قسوة الظروف، وحظيت بحب تلامذتي جميعا، كما حظيت بحب عمري تلميذتي “يسر” ما أجمله من اسم ومعني ووجه حرصت كل الحرص أن أحفظه بذاكرتي! كنت كل مرة يجمعني بها الدرس أتطلع لتفاصيل وجهها بتأنٍ شديدٍ كتلميذ يذاكر الدرس باجتهاد حتى لا ينساه وقت يحين موعد الامتحان.
وفي هذه السنة بات الأمر جليا لقد حان موعدي المنتظر وبتُ لا أري الدنيا إلا نقطة فقررت أن تغلق هذه النقطة عند بيت الله الحرام، وكان لي ما أردت سافرت مع أبي وأمي لأداء مناسك العمرة فكان آخر ما وقعت عليه عينيي الكعبة المشرفة، وأختفي كل شيء بعدها كأنني لم أكن يوماً مبصراً.
رجعت لعملي لأتعامل مع الدنيا بأسلوب جديد أعددت له العدة مسبقاً، وأصبحت استدعي من ذاكرتي صور كل ما رأيت حتى أتخيل ما حولي، وحمدت الله كثيراً فقد أتاح لي رؤية الدنيا وغيري لم يراها قطُ.
بحالتي الجديدة كنت معيد على “يسر” بعامها الجامعي الأخير، وقد كانت أدري الناس بوضعي فكثيراً ما تحدثت معها عن مرضي وشرحت لها كيف أتعامل مع الموقف دون أدني تلميح عن حبي لها، ولكنها فاجأتني اليوم بكلامها.
يسر: أعلم لماذا كنت تدقق النظر بي في كل مرة التقيتني بها العام السابق.
أنا: فعلاً.
يسر: وهل تظنني غبية؟ لقد أردت أن تحفظ ملامحي حتى لا تنساني، أليس كذلك؟
أنا بعد أن انهارت مقاومتي: لست قادراً على نسيانك وإن حاولت، إني أحبك يا يسر.
يسر: وأنا منذ أن عرفتك.
أنا: وهل تقبلين بكفيف؟
يسر: أما زالت تسأل؟
أنا: وهل يقبل والدك؟
يسر: أنا قادرة على إقناعه، فأنت كنزي الذي عثرت عليه ولن أتركه أبدا.
بعد هذه المصارحة كان لدي قوة دافعة كهربية أكبر مما ينتجه السد العالي. سوف أذهب لوالدها بثقة فارس منتصر فأنا معي سلاح لا يقهر “حب يسر”.

“أمجد”.

وجه الحقيقة الآخر:
جلس “أمجد” أمامي بثقة شديدة لا أعرف من أين أتي بها! فأنا لم أقابله إلا بعد أن تعرضت للإلحاح الشديد من ابنتي الغالية يسر، وافقت على المقابلة حتى أكون أمامها وأمام الله أعطيته فرصته كاملة رغم رفضي الشديد للفكرة شكلاً وموضوعاً، فابنتي منحها الله من الجمال والأخلاق وطيب الأصل ما يؤهلها لأن تكون عروساً لأمير.
عندما فاتحتني بالموضوع قلت لها وقلبي يرتجف: أمجد من؟ استاذك الكفيف الذي طالما تحدثتي عنه بإعجاب شديد.
قالت: وطالما أعجبت أنت بحديثي عنه وأثنيت على صبره واجتهاده.
قلت: نعم، كإنسان مكافح وقادر على تحقيق النجاح في ظروف قاسية وليس كزوج لإبنتي الوحيدة.
قالت: وما يمنع ذلك؟
قلت بألم: يسر، إنه كفيف.
قالت: يري بعقله وقلبه ما لا يراه الكثير من المبصرين.
قلت: كفي عن كلام الأفلام والروايات إننا على أرض الواقع.
قالت: أنا أخبرك عن الواقع يا أبي، فلا أحد يعرفه مثلي، بالفعل إن له قلبًا مبصرًا، ثم هو إنسان ناجح بكل المقاييس، ولا شيء برأي يعيبه.
قلت: هل تريدين رجلاً تعتمدين عليه أم رجل يعتمد هو عليك؟
قالت: أمجد قادر علي إدارة كل شئون حياته دون الاعتماد على أحد، هو بالفعل رجل يعتمد عليه.
قلت: إنه لا يراك، ألن تسعدين بأن يراك عريسك ويثني على جمالك وانت بثوب الزفاف؟
قالت: هو يعرف شكلي جيدا، وبمجرد أن أصف له ثوب الزفاف سيتخيلني فهو بارع في ذلك، ثم أضافت مازحة يكفي أنه سيتخيلني طول العمر بالعشرينيات من عمري.
قلت بحده: ليس هذا وقت المزاح.
قالت: لا أمزح يا أبي إنها الحقيقة، هوصاحب خيال واسع.
قلت: وهل لكل شيء عندك رد؟
قالت: سل ما شئت فلدى الأجوبة، وأضافت: لابد من أن تقابله يا أبي وبعدها نتحدث من جديد وأنا واثقة أن الحديث بعد مقابلتكما سوف يأخذ منحي أخر.
وبالفعل قابلته، و يا ليتني ما فعلت! فقد سحرني كما سحر ابنتي من قبل، إنسان راقٍي الحديث، هادىٍ الصوت، شديد الثقة بنفسه، مرتب الأفكار كأنه أعدها مسبقا لدرجة تثير الدهشة والإعجاب معا، يتحدث معي وكأنه يراني حتي كدت أنسي أنه كفيف، ولكن ابني الدكتور أحمد لم ينس ذلك أبدا فقد أمطره بكثير من الأسئلة عن حالته وتفاصيل حياته بطريقة بدت لي محرجة وبدت ليسر مهينة، الغريب أنه: كان يرد علي سخافات أحمد بكل أريحية، وبسماحة نفس لم أعهدها عند أحد من قبل، حتي أشفقت عليه أنا من أسلوب حديث ابني معه وحاولت أن أنهي المقابلة بأسرع وقت ممكن شفقة عليه من هذه المذبحة الدائرة ببيتي.
أظن أني سوف أطلب مقابلته مرة أخري، لكن وحدي دون أحمد، هل أعجبت به؟ يبدو لي أنه نعم، هل أوافق على زواجه من يسر؟ الحقيقة لا أملك إجابة حتى الآن، فيوجد صراع وقتال دائر داخل عقلي لا أعرف من فيه المنتصر، ولكن قناعتي تقول أن إنسان مثل “أمجد” لابد أن يكون هو المنتصر على الجميع سواء كانت الإجابة على طلبه بالرفض أو بالقبول.

“والد يسر”.