يكتب طارق عبدالوهاب جادو الإبداع النثري مثلما يكتب النقد، حيث تتجلى روح الأديب ذات القدرة على التقاط التفاصيل الخفية، لتصيغها في قوالب أدبية ذات خصوصية.
وينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض”، قصة قصيرة لطارق جادو بعنوان “تحورات”، من مجموعته القصصية “يوميات غياب”.
“تحورات”
خيال
وكنت أمد بأطرافي ذات الأصول الكريمة أسفل شجرة توت عتيقة .. في زمن يكتسي بخضار الأوراق ومرح الصغار على ظهري حين يتعلقون به عند المنتصف . كأن أصابعهم خطاطيف صغيرة .. لينة، تداعب أليافي فأهتز ابتهاجا ً لها، وأهفو إلى أحلامهم البسيطة في اقتطاف الثمار الطازجة .
أولاد عفاريت .. وبنات ملائكه …
يتسلقون الأشجار العالية في حذر .. يتنقلون بين أغصانها المتشابكة، ويقطفون التوت .
ينفذ ضوء الشمس خيوطا ً رفيعة . تسقط فوق الوجوه الغضة؛ فتلونها بدوائر من نور . يقفز الأولاد من بينها في خفة العصافير ويجمعون الحبات المكتنزة بالعصير المسكر . يلوثون الأصابع والشفاه وينفضون الشقاوة عن ملابسهم . أغدو سعيدا ً بهم . وألقفهم في نزولهم البطيء إلى الأرض متقوسا ً تحت وطأة أقدامهم المتسخة، مزهوا ً بما أمنحهم من فاكهة زاخرة .
مآته
والزمن الجديد يشعرني بالوحشة .
غاب الصغار في تتابع أيامه؛ فما عادوا يجيئون إلى شجرة التوت كثيرة . يتناقصون كأوراقي التي تتساقط في الخريف، تبتلعهم أفواه المدينة المفتوحة عن آخرها .. وتزحف نحوي . تحمل إلى الريح هواءها المعبأ بأدخنة المصانع البعيدة، يلفحني بسخونته؛ أكاد أن أختنق، ويكتم أنفاسي القلق . ينهش في لحائي . ينثني طرفي المدبب من الخوف . أصير وحيدا ً كنبي يبعث في أرض غريبة . أدعو لرجوع الأيام الخصيبة من جديد فيضيع صوتي كحجر يسقط في بئر عميقة . يحكم الجدب حصاره من حولي، وتقف المدينة التي استوطنها الغرباء في مواجهتي . يحملون المعاول .. ووجوها ً يغطيها الغبار ويرقد تحت جلودها الحقد . يشرعون في ذبح الأشجار واقتلاع جذورها . يصخب الخلاء بصوت التكسر . أختبيء .. ويخفيني عن عيونهم المتحفزة حلول المساء .
هل بقي من رفيق معي سوى الليل الخالي من القمر ؟ ..
وشجرة التوت جرداء عارية .. لن تنبت بعد الآن بالثمار المشتهاة ؟!!
أطل برأسي …
وأغمض عيني هلعا ً …
أرى ذلك الوجه الأليف، الذي اعتاد القدوم إلي كلما حان أوان الارتواء، يربت على عودي بساعده الأسمر ويسقيني بالماء .
أفيق … على طلعة الصبح المباغتة بأبواق العربات ودوي المطارق المنصوبة على مشارف العمارات تحت الإنشاء.. أمط جذعي محاولا ً التخلص من التصاقي بالجذع الكبيرة .. ألتف حول نفسي .. وتتعقد الأمور كثيرا ً .. لا أصدق نفسي حينما أراه قادما ً على الطريق المؤدية إلى أرضي – ذلك الذي اعتاد القدوم إلي كلما حان أوان الارتواء – يقف تماما ً تحت ظلي المنحسر .. أقطر دمعا ً يسقط على وجهه .. يمسحه بيده في جمود .. أتمدد راغبا ً في الارتماء على صدره .. يقبض علي بكف واحدة .. ألمح في عينيه نظرة مغايرة وفي كفه الأخرى معولا ً .. أنكمش .. يسقط بسلاحه المسنن فوق الظهر …
أنخلع .
خيال مآته
مصلوب في بلد لا أعرفه ولا يعرفني .
حملتني الأيدي التي سفكت دمائي البيضاء من أرض إلى أخرى . سارت بي حتى غرست في الحوض الصغير جاهلا ً أين أكون .. وفي أي الأوقات نحن . تبهت من حولي الخضرة .. وأتوق لمرآي الصغار .. وثيابهم المبقعة بعصير التوت . ألبس ذلك الزي الكريه .. أسود النسيج .. مثبتا ً من إحدى طرفي إلى الأرض ومدقوقة في أعلى رأسي تلك القطعة الرفيعة من الخشب .. كأنها ذراعي دمية متيبسة .. ربما كانت في الزمن القديم تجاورني على نفس الشجرة …
لم أعد أقوى على التذكر جيدا ً ..!
كل الأيام صارت متشابهة، ليس بها سوى ذلك الإحساس الذي ينمو بداخلي محدثا ً إياي بأني صرت أفعل أشياءً بغيضة لم أكن أبدا ً أحبها …
الويل لي …
إنهم يخيفون بي العصافير … !
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











