أخبار عاجلة

الدكتورة وفاء كمالو تكتب: “الحفيد” تجربة لا تليق بالمسرح القومي المصري

تأتى مسرحية الحفيد التى يقدمها المسرح القومى الآن، كاندفاع غير مسبوق إلى ردة فكرية وفنية مفزعة، تعلن بوضوح سافر عن موت الوعى والمعنى والفكر والجمال، تتبنى الزيف والاستلاب والتغييب، تكرس لسقوط الهوية ومنظومات القيم، وتستبيح العقول والعيون والإدراك، وإذا كانت مسرحية الحفيد لا تليق بالمسرح القومى المصرى العريق، فإنها لا تليق أيضًا بالمسرح بشكل عام أيًا كانت هويته، فالتجربة شديدة التواضع لا تمتلك شرعية الانتماء للفن، تغيب عنها الأصول المبدئية للدراما وقيم الجمال وحرارة التواصل وفلسفة الطرح ، تتجه نحو التصعيد المستفز للخسائر الفكرية والثقافية، كل مفردات العرض كانت دون المستوى، ولا شىء سوى الإسفاف والركاكة وإهدار الحس والذوق، والاستهانة بقضايا الواقع وعقول الناس .
من المؤكد أنه حين تختل القيم الجمالية وتغيب المعايير الفنية، نصبح أمام مواجهة حتمية لسقوط الفن والمعنى والرسالة، حيث تذوب الحدود الفاصلة بين المفاهيم المبدئية المعروفة علميا، وبين ذلك الخلط العشوائى المخيف، الذى أثاره عرض الحفيد، وقد كان من المؤسف أن يشهد المسرح القومى المصرى تلك المحاولات البائسة، التى يقدمها فريق عمل المسرحية للوصول إلى مستوى عروض مسرح مصر، التى أدانها المسرحيون والمفكرون والمثقفون، فتأتى أكثر لحظات مسرحية الحفيد إبهارا وانضباطا هى تلك التى قدمتها الفنانة زينب العبد بأسلوب نجمات مسرح مصر على مستوى الأداء السوقى والحركة الوحشية والحوار المبتذل والملابس والإيقاع.
هذه التجربة من إنتاج المسرح القومى، لمؤلفها الروائى عبد الحميد جودة السحار، وقد تناولتها السينما المصرية عام 1975 فى فيلم شهير بنفس الاسم، لا يزال يعرض على الشاشات التليفزيونية حتى الآن، باعتباره من الأعمال الاجتماعية الكوميدية الناجحة، التى تناقش ببساطة قضايا الأسرة والمرأة والزواج والعادات والتقاليد، أما مخرج عرض الحفيد وصاحب إعداده المسرحى فهو الفنان يوسف المنصور، الذى قام أيضا بتمثيل أحد الأدوار فى المسرحية، وفى هذا السياق يدخل المخرج الزاوية الحرجة، ويعيش لحظة فارقة فى حياته الفنية، فقد ترددت أصداء نجاحه العارم فى تناوله لمسرحية أفراح القبة لمسرح الشباب، والتى جاءت بالفعل شديدة التميز، تحمل بصمات مخرج يمتلك الوعى والرؤية والدهشة وسحر الإيقاع، ولعل ردود أفعال هذا النجاح الذى يرتكز على خبرات عديدة سابقة مع الهواة والمسرح المستقل، هى التى دفعته إلى عالم الاحتراف فى أكبر وأعرق مسار مصر، ولكن يبدو أن الرياح لم تأت بما تشتهى السفن، فتباعدت مسرحية الحفيد عن وهج الصعود وإيقاعات النجاح.
اتجه منظور الإعداد نحو المزج بين تفاصيل الرواية وملامح الفيلم والإضافات العديدة ليوسف المنصور، فجاء النص المسرحى طويلا مملا ومهترئا، يتجه بقوة نحو الكوميديا الصاخبة والافيهات الساخنة والتلميحات الجنسية الفاضحة، ويظل دور الأم زينب هو مركز ثقل العمل، حيث مشروع زواجها من المطرب نعناع أخضر حبيبها السابق، فقد عاشت عشرين عاما مع زوجها المريض، وبعد وفاته أصابها المرض النفسى وحاصرها الكبت وشعرت على المستوى اللاواعى بأعراض الحمل، وفى هذا الإطار اتجه منظور الإخراج إلى التباعد عن مفاهيم التصاعد الرأسى المنطقى، والاتجاهات الخطية الواضحة، وتبنى واقعا دراميا مغايرا يرتكز على قطعات المونتاج، والسيطرة على الزمن، وتقنيات الفلاش باك، والضوء الدرامى، وامتداد التمثيل من خشبة المسرح إلى البنوار الأول من اليمين واليسار وكذلك الصالة.
تأخذنا البدايات إلى حالة من الأفول الحاد لتيارات الفن، الأم تحكى لأبنائها الآن عن فرحها منذ أربعين عاما، عن حبيبها الذى تركته، وزوجها الرجل الطيب الذى أصبح أباهم، خشبة المسرح تموج بالرقص والغناء الهابط، لنتعرف على تفاصيل فرح الماضى، الانتقال إلى الحاضر عبر الضوء والحركة يأخذنا إلى الطبيب النفسى الذى يعالج الأم، أسلوب الفلاش باك يتقاطع مع إشكاليات الحاضر وتفاصيل عذابات الأبناء مع الأم التى تمارس عليهم تسلطا مخيفا، تلك الحالة التى ستتوقف تماما فى النهاية حين تعترف الأم بحق الأبناء فى الحياة والحرية والإرادة والاختيار، فيغنى الجميع للحياة الحلوة.
شارك فى المسرحية النجمة لوسى، عابد عنانى، تامر فرج يوسف المنصور، زينب العبد وغيرهم من الشباب.
كان الديكور لحمدى عطية، والموسيقى لكريم عرفة، والملابس لمروة عودة، والإضاءة لحازم أحمد.

*المقال بجريدة القاهرة