لعبارات الإهداء فى الكتب الأدبية والإبداعات الفنية تاريخ قديم، فقبل لافونتين أشهر كاتب قصص خرافية فى تاريخ الأدب الفرنسى وموليير الشاعر والمسرحى الكوميدى العظيم اللذان كانا يهديان مؤلفاتهما للملوك كأسلوب للتودد، كان هناك الشعراء العرب، الذين يهدون قصائدهم إلى الملوك والسلاطين، لطلب الحماية أو المال أو حتى للاستمرارية فى الذاكرة الشعبية، مما رسخ ارتباط الإهداء فى الغالب بمن هو أعلى قيمة من المؤلف ذاته.
ولكن من أقدم الإهداءات المتحققة بالدليل لوحة اكتشفت فى مصر السفلى فى منطقة الحضرة بالإسكندرية، موجودة الآن فى متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، فاترينة رقم 13، وهى لوحة من العصر البطلمى 217- 204 ق.م، منقوش على اللوحة الرخامية نص عبارة عن إهداء كُتب باللغة اليونانية القديمة، مقدمًا للإله سيرابيس والإلهة إيزيس، قدمه شخص يُدعى أرخيبوليس بن كوزموس من حى ليونايتوس، وهو أحد الأحياء اليونانية، وكانت ترجمة النص المنقوش كالتالي: نيابة عن الملك بطليموس والملكة أرسينوى الإلهين المحبين لأبيهما، إلى الإله سيرابيس والإلهة إيزيس المنقذين، من أرخيبوليس بن كوزموس.
عتبة النص
للمبدع حرية مطلقة على نصه، كما له سلطة مطلقة على كلمات إهدائه، فورقة الإهداء التالية لصفحة الغلاف هى الورقة الأكثر حرية بالنسبة للكاتب، والأكثر صدقا للقارئ، فهى الجملة الوحيدة فى النص التى يكتبها المؤلف مباشرة إلى القارئ، دون تقمص لإحدى الشخصيات أو أبطال عمله، لذلك يعتبر الإهداء من عناصر النصوص الموازية، أو عتبة نص بجوار العتبات الأخرى مثل العنوان والمقدمة، والتى تلعب دورًا معنويًا للقارئ حين يستقبلها كبرقية ملغّزة، فتدهشه أو تُربك توقعاته، فيربط بين العنوان والمقدمة والإهداء، كما فى رواية «الوصفة رقم 7» للكاتب أحمد مجدى همام، عندما وضع القارئ أمام إهداء غامض مراوغ، « إلى حسين الإمام، أحمد زكى، خيرى بشارة»، ليتكّشف للمتلقى خلال فصول الرواية معنى الإهداء التمهيدى للتعامل مع النص.
الإهداء وحفلات التوقيع
حفلات التوقيع ظاهرة حديثة فى مجتمعنا العربى، بدأت حين تم التعامل مع الكتب كسلعة تجارية أدبية تستحق الشراء ودفع الثمن فى البلاد الأجنبية، حيث يلتقى الكاتب فى حفل التوقيع بالقارئ الذى يحمل نسخة للكاتب كى يخط له فى الورقة الأولى عبارة قليلة الكلمات، ربما تكون بصيغة واحدة، وظيفتها عقد صداقة بين الكتاب والقارئ الذى يحمل ذكراها ويحتفظ بها على رفوف مكتبته. وفى أحيان أخرى يرسل الكاتب لمجموعة من المقربين نسخًا هدية وليست دعاية، ربما تحمل إهداءات شكر أو عتاب أو مشاكسة صريحة، كما فى كتاب «المسكوت عنه» للدكتورة أمينة غصن، حين أهدته لأستاذ الأدب وحيد بهمردى ممهورا « العزيز المشغول أبدًا ودائمًا، والمصر على قراءة ما لا يعنيه، بكل محبة وودّ أهديه ما يلهيه عن رصانته»
أما الإهداءات المطبوعة فهى ممارسة اجتماعية فى الحياة الأدبية، لحظة كاشفة لحياة المبدع وممتعة للقارئ، فهى تكشف عن جزء إنسانى حقيقى وعميق، وعلاقة ذات خصوصية بين المُهدى والمُهدى إليه، ففى رواية العزف بمجدافين للكاتب محمد محمد مستجاب، حيث إهدائه غاية فى البوح، ورسالة حب لأشخاص يدين لهم، حين كتب «إلى عصا والدى وملعقة أمى اللذين تحولا إلى قلمين، كى آتى لأقص بهما الحكايات غير المكتملة».
فى أحيان أخرى يكون الإهداء فى جملة قصيرة مقتضبة، يحكى جزءًا من حياته أو معاناته، خالية فى العادة من علامات الترقيم، سوى النقطة فى نهاية الإهداء ليحافظ الكاتب على سرعة الدفق الذى ربما تعطله الفواصل. مثلما فعل الكاتب الأردنى الراحل مؤنس الرزاز فى روايته اعترافات كاتم صوت كان الإهداء «إلى قسمت التى رمّمتني».
كلمة السر «مزاج الكاتب»
لعل تصنيف أنواع الإهداءات يتوقف على حالة الكاتب المزاجية، فما بين الإهداء المبهم فى صورة تجريدية، مثل إهداء واسينى الأعرج فى كتابه سيدة المقام «إليك أيها البحر المنسى فى جبروت عزلتك الكبيرة»، والإهداء المنافق لأصحاب السلطة، تقف أنواع أخرى عديدة، إهداء الاعتراف بالجميل، وهو موجه إلى أشخاص محددين، ربما ليسوا معروفين للقارئ، وفى العادة يكون الإهداء بسيطًا خاليًا من الزخارف اللغوية، لكنه صادق غير مزعج للقارئ ويحمل رسالة للمُهدى إليه، كما فى رواية «السقا مات» ليوسف إدريس، حيث كتب « إلى عمى العزيز طه السباعى باشا، أهدى كتابى هذا لا لأنه بفضل اللقب، صاحب المعالي، أو صاحب السعادة، فإنى لا أدرى كيف يستطيع اللقب البشرى أن يشارك الله سلطته فى منح المعالى أو السعادة، ولا أدرى كيف يمكن أن يفّضل إنسان على غيره لأنه صاحب سعادة، لكنى أهديه لأنه بفضل الله، صاحب نظافة فى الذهن واليد والقلم واللسان، أهديه له رغم أنه سياسى وباشا وحماي».
فى كتابه «فواتن» كتب أبو بكر زمال إهداء «لا أهدى هذا الكتاب لأحد»، إهداء ساخر كما سخرت أحلام مستغانمى فى كتابها نسيان.كوم «أهدى هذا الكتاب أولًا إلى قراصنة كتبي، فلا أعرف أحدًا ينتظر إصدارًا جديدًا لى كما انتظروه، أنا مدينة لهم بانتشاري، فلولاهم ما فاضت المكتبات بآلاف النسخ المقلدة طبق الأصل عن كتبي».
شغف البدايات
هناك بعض إهداءات منقوشة فى الذاكرة، تتأرجح ما بين التقدير والاحترام وما بين السخرية والنرجسية والامبالاة، تفيض بالحب وتمتلئ بالرشاقة والاعتراف أحيانا، وتنقصها اللباقة أو تمتلئ بالطرافة والوقاحة أحيانًا أخرى، لكنها فى كل الأحوال تبقى أمرًا ذاتيًا، ومساحة شخصية للمبدع لا يسير فيها بنمط محكوم أو ضوابط متينة عند كتابتها، فلا حيلة للكاتب فيمن يكون حاضرًا فى أوقات الكتابة، حضورًا بالروح أو بالجسد فى لحظة مقدسة، يستدعى فيها الطقوس والشعائر، ليبدأ الدفق الحماسى الذى يسم البدايات.
*المقال بجريدة القاهرة

شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











