بقلم: د. خالد محمد عبد الغنى
الإنسان بدون ذاكرة لا شىء وبدون هوية أيضا، فسلسلة الأحداث المترابطة وامتداد الماضى فى الحاضر واستشراف المستقبل هو ما يشكل إنسانية الإنسان ولعل فعل الكتابة نفسه إنما هو بغاية تفعيل الذاكرة وترسيخها ونقل تجاربها عبر الأجيال بغاية مراكمة التجربة الإنسانية من حيث هى تاريخ يمتد بعيدا ويترسخ فى الوجدان والتجربة الجماعية.
وتُعدّ الذاكرة الحسية الجزء الأول الذى يقوم على عملية استقبال المعلومات، والمدخلات الحسيّة من العالم الخارجىّ، يتم من خلالها استقبال الكم الكبير من خصائص المثيرات الخارجية التى يتفاعل معها الإنسان من خلال الحواس الخمس، حيث يختص كل مُستقبل حسىّ بحسب وظيفته بملاقاة المثيرات المختلفة، ويقوم باستقبال الخبرات الحسية بموجبها، أما الدور الأساسى لهذه الذاكرة فهو نقل صورة العالم الخارجىّ بجميع مُدركاته، ومحتوياته بشكل دقيق، أى أنّها عملية تمثيل للواقع الخارجىّ بشكل متطابق وحقيقىّ، حيث إنَّ ما تختزنه هذه الذاكرة هو الانطباعات، أو الصور التى تعبّر عن مثير خارجىّ معين، وتتميز المستقبلات الحسيّة فى الذاكرة الحسيّة بسرعتها الكبيرة فى نقل الصور الخارجية للعالم الخارجىّ، والقدرة على تكوين الصورة النهائية لتصورات المثيرات المختلفة، وبالتالى المساعدة على تحقيق السرعة فى الاستجابات السلوكية التى تلائم هذه المثيرات.
ويقوم عمل الذاكرة على استعادة المعلومات المطلوبة بعد فترة من الزمن سواءً كانت طويلة أو قصيرة، ومن المهم ذكره أنّ مفهوم الذاكرة ذا معنى أشمل من مفهوم عملية التذكر، فعملية التذكر تشمل العمليات والنشاطات التى تقوم بها الذاكرة.
ومن هنا كان التذكر هو الفعل الدائم فى ديوان «يمشى كأنه يتذكر» للبهاء حسين الذى تظهر فيه الأم كثيرا:
«لم تكن تفعل شيئا غير الشحاذة والبكاء،
لطالما نهرتها أمى»
وهكذا يظل الحب الأول – الأم – سبيلا للكشف والثقة، بقدر تمثل العلاقة بالآخر باعتباره خير سبيل للتطور السوى الذى يؤدى لإحساس الأنا بشىء آخر غيرها، إنه الأمر الذى يعنى الانتقال من عالم داخلى إلى عالم خارجى يلزم بالكشف عما بالداخل والانتقال من اللانضج للنضج والذى يعاش بوصفه جدلا معرفيا يجعل من تكوين الفرد شيئا ذا تاريخ، وهنا تكمن دلالة العنوان «يمشى كأنه يتذكر» وهنا تكون الفاعلية الكبرى لتأثير الماضى وهو أمس الشخصية وهو طفولة االشاعر، وإذا كان يمشى متعثرا فى حاضره، مستندا إلى عصا – عكاز – فإن تذكره سيكون كالمشى به كثير من الصعوبات وفى عنوان القصيدة: «أسند ذاكرتى بعكازك» وفى ختامها: «كأنك عكاز يسندنى كلما أردت أن أتذكر»، كدلالة على صعوبة التذكر وتعثره كما هى حالة المشى لمن يحتاج لعكاز.
وتحضر صورة الجسد بقوة أيضا فى هذا الديوان ولذا فإن تأكيد صورة الجسم وأهميتها الذى نجده فى كتابات جاك لاكان عن مرحلة المرأة موجودان أيضا عند فرويد حيث يذكر فرويد فى كتابه الأنا والهو «إن الأنا هو أنا جسمى وليس مجرد كيان سطحى بل إنه نفسه إسقاط للسطح».
وهنا نأتى لصورة الجسد الذى يجرى وليس لديه القدرة على الجرى، والصديقة التى تحتاج للعكاز لمساعدتها على المشى، وكذلك الحاجة لمن يدلك الظهر وهو فعل – حركة التدليك – وكل ذلك إشارة لجسد ينتابه العجز الحركى.
«كل ما عليك أن تنتظر أعداءك
لا تجر وراءهم بالحجارة
وقتها ستحوش خطواتك
لصديقة تمشى بعكاز
تحتاج لأن تبدل ساقها
كما تحتاج أنت لمن يُدلك ظهرك»
وهنا تظهر ملامح الجسد الذى يشبه الأحدب وهو نفسه الشكل الذى تظهر عليه العصا – العكاز – الدائرى الرأس الذى يستخدم عند المساعدة فى المشى فالأحدب يشبه العكاز والاثنين معا يشبهان الجسد حين يتعب العمود الفقرى ويتقوس وينحنى.
«مع ذلك دعينى أستبدل عجزك بعقدى
بقربة الماء الساخن أسفل الظهر
وأحيانًا تحت العنق
حيث أبدو مثل أحدب»
وتكتمل صورة الجسد باليدين اللتين تفقدان وجودهما فيكون الجسد أكثر تشوها وأكثر ضغفا.
«لماذا تركت يدك
مقطوعة إلى جوارك فى الشارع
هل كنت مضطرة
أم أن يدك أرادت أن تتطفل على الموت
أن تغير هيئتها ربما صارت أصابعها ضفائر»
ثم صارت الساق التى تشبه العصا والعكاز وتشبة يد الفأس ليس لها فائدة فى اللعب الرمزى و اللعب الحقيقى
«جعلت من ساقك فأسا تحرث بها الشوارع
ساقك التى تصلبت الآن من الأملاح
ولم تعد قادرة على إحراز الهدف»
وفى قصيدة بعنوان «أصطاد أعضاءها بصوتى» نعود لصورة الجسد لدى الآخر المحبوب حين يقوم بالتعرف عليه من خلال الصوت الذى يصبح كسنارة أو شباك محكم الصنع والأداء.
«غريب أمر جسدى
يماطل المسرّات فى الشارع»
إذن الشاعر يعترف بغرابة جسده وبالتالى بانشغاله بذلك الجسد ويعشق امراتين واحدة منهما تستخدم العكاز المعبر عن الجسد.
«أتعلق بامرأة تغسل ملابس زوجها من أجلى
وأخرى تمشى بعكاز
ليس من السهل أن نفهم الساق العاجزة
ولا الخطوة»
ولأن العصا كالجسد فقد يكبر ويهرم ويشيخ
«كبر عكاز صديقتى
ترمل معها
حتى إن أحدهما لا يجرؤ على اجترار ماضيه دون الآخر»
وهنا حدث التماهى بين العكاز والجسد وكأنهما شىء واحد. ثم تتأكد دلالة الساق على الجسد كأنه جزء من كل وكأن العكاز أيضا دلالة على الجسد فيقول:
«أن تصبح لك ساق سليمة
تتجول عنك فى الماضى
تقطع المشاوير التى لم تقطعيها
أو تلبس كعبا عاليا، تمشى بلا عكاز
أو خجل
قد نعرف خطة الله بشأن سيقاننا
وقد لا نعرف»
وتتأكد العلاقة الثلاثية بين العكاز والجسد والساق مرة أخرى
«المؤكد أن العكازَ لديه أحزانه
فهو ليس بساق معوقة
حتى والقطط هى الأخرى
تشكو لنا حنى تتمسح فى أرجلنا
دون تفرقة بين عكاز وساق»
ولأن أمر الجسد والعكاز ودلالتهما على الأنا فقد جاء وفق «آلية إجبار التكرار» الحديث عن ذلك كله فى ختام الديوان وما هذا التكرار إلا لتأكيد أهمية صورة الجسد الذى أصبح يعتمد على العكاز فى مشيه وفى تذكره أيضا.
«وأنا أتملص من جسدى
وكل أعضائى توشك على التذمر
لا أريد أكثر من عكاز لا يجتر خطواته
لا يعرق عقب التذكر
مثل يدى».
فالإنسان بدءا من ميلاد نفسى تتراكم معطياته ما بين صورة جسم تبدأ وئيدة الخطى فم – يد وخبرة انفصال مع مشارف الشهر الثامن وتوحد الطفل مع نفسه للمرة الأولى، والذى يطلق عليه لاكان الفطنة الأولية إبان المرحلة المرآوية «ما بين الشهر الثامن إلى الثامن عشر» وقبيل التموضع فى دياليكتيك التوحد بالآخر بل وقبل أن تأتى اللغة وتعطيه قيمة الذات، حيث سبق المجتمع على الفرد، ودور الأم المانحة شرعية الوجود، ورغبات الطفولة الأولى وتثبيتاتها، وتمزقات صورة الجسم التى تعطى الخلفية الأساسية لكل متخيل، وتتتابع دينامية الصورة عبر مراحل النمو المختلفة. وفى ديوان «يمشى كأنه يتذكر» تظهر تلك الذكريات الخاصة بالطفولة وكذلك التوحد بالآخر وهى الأم والحبيبة منذ القصائد الأولى للديوان:
«كنت صغيرا
ويداى تساعدان جدى فى السقاية
أو تقلده، وهو يرفع الأذان،
إذ تحيط بفمى مثل قوسين
وأحيانًا تجس معى الهاوية
أقول: يا جدتى لا تبكى فوق البئر
كى لا تمسك
فيرن صوتى فى القاع
ويرتد لى، متشنجا أكثر»
ويظهر الحنين لمواقف فى الطفولة سواء كانت محبطة أو مفرحة أو مؤلمة وهى كثيرة أيضا منها:
«ليس مهما أن تطل من نافذة
كونك يتيما إلى هذه الدرجة
لا يعطيك الحق فى أن تجعل من طفولتك مناحة
يكفى أنك عرفت نفسك
أنه عليك أن تلعب ليربح»
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











