أخبار عاجلة

مثقفون: «السوشيال ميديا» بريئة من دم «الورق»

كتبت: آلاء حسن

لم تعد المجلات الثقافية فى مصر تحظى بالمكانة التى كانت تحظى بها قبل نحو عقدين من الآن، إذ شهدت تغيرات كثيرة وخاصة بعد ظهور وسائل أخرى كالسوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية، رغم الدور الكبير الذى لعبته قديمًا فى التعريف بأسماء كبيرة من الأدباء والمفكرين من جيل الستينيات والسبعينيات على وجه التحديد، وتقديم موضوعات تمس القضايا الثقافية والفكرية الذى تحدث فى مجتمعنا.
أجرينا استطلاعًا بين كتاب ومثقفين، حول وضع المطبوعات الثقافية فى مصر حاليًا، حيث اتفق أغلبهم على أنها فى حاجة ماسة إلى كسر المألوف بها وطرح موضوعات ذات علاقة بواقع المجتمع، بجانب مواكبة التغيرات التكنولوجية التى يمر بها العالم بأجمعه، فيما تحدث بعضهم عن تحويلها إلى رقمية، ضمانا لاستمرارها.
إبراهيم فرغلى: محاولات ناجحة
قال الكاتب الروائى إبراهيم فرغلى: إن المجلات الثقافية تعانى ركودًا نسبيًا بسبب متغيرات كثيرة، أبرزها تغير الوسائط القرائية وتأثير السوشيال ميديا على القراءة الطويلة العميقة التى كانت توفرها المجلات الثقافية، والتى كانت أحد أبرز مصادر الثقافة للشباب والقراء العرب لعقود طويلة، مشيرًا إلى أنها لم يعد لها نفس الدور القديم الذى كانت تمثله كمنابر للأفكار الطليعية فى الأدب والفكر والفلسفة.
وأشار فرغلى إلى أن المجلات كانت سببًا للتعريف بأهم أسماء كتاب جيلى الستينات والسبعينات فى الأدب والفكر من خلال نشر إبداعاتهم وأفكارهم، وأيضا كانت سببا فى تغير الذائقة الشعرية مع التبشير والاحتفاء بالشعر الحر، وقصيدة النثر.
من بين التغيرات التى شهدتها المجلات الثقافية استشهد «فرغلى» بمجلة القاهرة التى تحولت من دورية ثقافية فى شكل مجلة شهرية إلى صحيفة أسبوعية، مستطردًا: لعلها كانت إضافة مطلوبة للصحافة الثقافية الرشيقة والخبرية، وتوسيع دائرة الاهتمام بالثقافة، ووفقًا لما آلت إليه الأمور اليوم من انحسار الإقبال على الدرويات فقد كانت بديلًا إيجابيًا.
وتابع: لاحظت أيضا محاولات لمواكبة التغير فى الذوق والقراءة من خلال طبيعة التناول كما حدث فى مجلة فنون على يد رئيس تحريرها حاتم حافظ، حيث قدم ثورة فى شكل ومضمون المجلة الثقافية، وحاولت مواكبة لكافة الظواهر الفنية والأدبية والثقافية بأقلام شابة عديدة، وبمنحى وأفق حداثى لافت، وهو ما فعلته أيضا مجلة «إبداع» بشكل ما، مع الالتزام بطبيعتها كمجلة مهتمة بالنقد ونشر الإبداع بشكل رئيسي، لكن يظل التوزيع الورقى أيضا أزمة فى انتشارها بالشكل الذى كانت عليه فى مراحل سابقة، أو تغير طبيعة الوسيط بصدور مجلة ميريت فى صيغة إلكترونية مما منحها ميزة تجاوز عوائق توزيع المجلات الورقية، مع محتوى متنوع.
وأضاف: هناك أيضا مجلة «الثقافة الجديدة» التى أعتقد أنها فى عدديها الأخيرين شهدت طفرة فى طبيعة الموضوعات والبحث عن الجديد واللافت فى الأدب.

سهير المصادفة: أمراض ثقافية مزمنة

أكدت الكاتبة الدكتورة سهير المصادفة أن المجلات الثقافية فى زمن الرواد كانت محرّكة للواقع الثقافى والأدبي، حيث كان عميد الأدب العربى «طه حسين» و«العقاد»، و«حسن الزيات» يثيرون قضايا كبرى على صفحات مجلة «الرسالة» مثلًا، مثل قضايا السرد، والعامية والفصحى، وقصيدة النثر والعقل العربى واستعادة الماضي، وحدود حرية التعبير، وآفاق الترجمة، مشيرة إلى قضاياهم التى أناروا بها الواقع آنذاك ما زالت يُعاد صياغتها بأكثر من طريقة حتى هذه اللحظة، كانوا يشيرون إلى الأصوات الأدبية المهمة، والتى حصلت على جائزة نوبل بعد سنوات مثلما حدث مع «نجيب محفوظ»، أو مع مَن كانوا مرشحين دائمين لها مثل: «طه حسين» نفسه، أو «يوسف إدريس»، وكانوا يعرفون أن وظيفة المجلات الثقافية بجناحين تحلق بهما؛ أن تُلهم المشهد الأدبى والثقافى بتيارات نقدية وفلسفية جديدة تشتبك معها، وأن يلهمها المشهد الأدبى والثقافى بمنتجه الجيد لتواصل تدشينها له ليحتل مكانة على خارطة الإبداع العالمي.
أما عن المجلات الثقافية الآن، فقالت المصادفة: إنها تخضع لإيجابيات ومثالب الواقع الأدبى والثقافي، فبعضها يُنشر دون مبررات نشر، سوى إرضاء الجميع وكسب ولائهم، وبعضها يعانى من أمراض الوسط الثقافى مثل «الشللية»، وعدم امتلاك رؤية واضحة، فخسرت القارئ والكاتب معًا، وأصبح كثيرٌ من الكُتّاب يطلقون عليها: «المجلات الثقافية السرّية»، مؤكدة أنه ليس منطقيًّا ونحن فى الألفية الثالثة وكل منصات النشر العالمية مفتوحة، أن نسمع أن هذه المجلة لم تنشر شيئًا للكاتب الكبير فلان لأنه على خلاف مع رئيس التحرير، وليس منطقيًّا أن يأتى كل رئيس تحرير بأصدقائه ليدشن طريقة واحدة للكتابة، ومن ثم يفقد المشهد الأدبى تنوعه وثراءه، وليس منطقيًّا أن يُنشر تحقيقٌ ثقافى أو أدبى وكل الآراء فيه واحدة، وتنهل من النبع نفسه، وغالبًا تكون هى الأسماء نفسها التى على فهرس تليفونات المجلة أو المطبوعة الأدبية.
وعما تحتاج إليه المجلات الثقافية، أوضحت «المصادفة» أنها فى حاجة إلى حدود حرية قصوى، وتجرد هيئات تحريرها بإتاحة الفرصة لكل الأصوات المهمة والمتحققة لإثراء مادتها، كما تحتاج إلى استكتاب الكِبار لمواكبة القضايا العالمية المطروحة بالخارج والاشتباك الفكرى والفلسفى معها، فضلا عن معرفة العالم الأدبى والثقافى الموازى المتواجد على الشبكة العنكبوتية، الذى قرر الاستغناء عن هذه المجلات تمامًا كما استغنت عنه، وقام بتدشين منصاته، ونجح فى حفر قنوات تصله بالمشهد العالمي.

مصطفى عبيد: الحل لدى المهمشين
الكاتب الصحفى والأديب مصطفى عبيد، قال: إن المجلات والصحف الثقافية تواجه ما تواجهه الصحافة بشكل عام من أوضاع سيئة ومتدهورة، إذ تشهد انصرافا كبيرا وعدم اهتمام من قبل القراء، وتتساوى فى ذلك الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية على السواء، مشيرا إلى أن الصحف الثقافية تعمل بأقل الإمكانيات المتاحة، وفى تصوره أن المحتوى فى مصر ضئيل وضعيف ومقيد بقيود عديدة، وأهمها التعبير بحرية أكثر عن تصورات الناس فى مجال الإبداع، ومناقشة مشاكلهم الحقيقية.
يعتقد مصطفى عبيد أن إحدى المهام الكبيرة للمجلات الثقافية فى مصر منذ نشأتها كانت فى الإطلال على المهمشين أو غير الظاهرين من الشعراء وكتاب القصة والرواية وخاصة من الأقاليم، وأن كثيرًا من هذه المجلات صدرت بهذا الهدف أن تستكشف وتدعم وتشجع وتساند مبدعين كثر من خارج كتلة الوسط الثقافى اللامع بالفعل، وهذا يحتاج إلى تنظيم مسابقات فى القصص القصيرة أو قصائد الشعر، أو فتح صفحات للشباب المبدعين من مختلف الأنحاء، لأنه رغم توافر منصات التواصل الاجتماعى لكتابة كل منا ما يريده، إلا أنه يرى أن النشر بالمجلات الثقافية بمثابة شهادة إيجاز للكاتب أو المبدع فى أى من الأنحاء وأن ينشر نصه فى المجلات فهذا نوع من التشجيع والمساندة والاعتراف بإبداعه، وأعتقد أننا فى حاجة إلى فتح صفحات أكثر وننظم مسابقات حقيقية لا تلعب فيها العلاقات الشخصية أى نوع.
وتابع: أتصور أن التعامل بحرفية مع موضوعات الثقافة يتطلب المزيد من الحرية فى طرح القضايا المتعلقة بالثقافة والإبداع، وتقديم منازلات ومناظرات معارك يشتبك فيها أصحاب الرأي، بحرية شديدة جدا وبدون وصاية من إدارة أو تحرير المجلات.
وأضاف: نحن فى حاجة إلى كسر المألوف وتوليد جيل جديد من النقاد غير الرسميين، فهناك نفور عام لدى مجتمع الإبداع من النقاد الرسميين أو الشخوص المعتادين أو المحتكرين للظهور والوصاية، وهناك نزعة لتخريج ناس جدد وظهور وجوه جديدة، مختتما حديثه: أننا فى حاجة ماسة لتبسيط مصطلحات النقد وتبسيط أكبر لمصطلحات التعريف بالأدب أو تقييم الأعمال الإبداعية والثقافية، ونحتاج إلى رؤية أكثر تبسيطية مما هو مطروح من تصورات أغلبها «أكاديمي».

ياسر عبد اللطيف: أدعم التحول الرقمي

ذكر الكاتب ياسر عبد اللطيف أن هناك عوامل تساعد على استمرار الكتاب الورقى وعدم انقراضه فى العصر الرقمي، منها القيمة الرمزية شبه المقدسة للكتاب نفسه، ورغبة الناس المستمرة فى اقتناء الكتب ومراكمتها على الأرفف، مشيرًا إلى أن تلك العوامل لن تدعم صمود المجلات فى العالم الجديد، وبالأخص المجلات الثقافية.
وتساءل عبد اللطيف عن عدم تحوّل المجلات الثقافية، لا سيما تلك التى تصدرها وزارة الثقافة إلى الصيغة الرقمية؟، مستطردا: لنا أن نتخيل حجم الفائدة التنويرية والتنموية التى قد يحدثها ذلك، عندما يتاح ذلك المحتوى القيم للملايين فى ربوع مصر وخارجها، عوضًا عن المئات التى تتحصل بالكاد على النسخ الورقية.

إيهاب الملاح: البناء على الماضي
قال الكاتب والناقد إيهاب الملاح: إنه لكى نستطيع تقديم مجلة ثقافية عظيمة لا بد من مراجعة إرث المجلات الثقافية فى مصر، إذ شهدت المجلات والدوريات الثقافية فى الماضى حركة نشطة بعيون العالم العربى والغربي، كما كانت تصدر عن مؤسسة ثقافية، وأسهم فيها كوكبة كبيرة من المبدعين والمفكرين الذين لعبوا دورا كبيرا فى نجاحها وازدهارها، مؤكدا أنه بمراجعة هذا الإرث والبناء عليه، ومعرفة السبب الذى كانت قائمة عليه، فضلا عن كيفية تحقيق طلباتها، يمكن الوصول إلى تلبية احتياج قراء هذه المجلات.
ولتطوير المجلات الثقافية اقترح الملاح أنه لا بد من تحديد ثلاثة أمور؛ الأول يتعلق بالغرض الرئيسى من إنشائها، الثانى يتعلق بتحديد سياستها التحريرية، أما الأمر الثالث فهو ضرورة تحديد فريق عمل قادر على تنفيذ محاور وموضوعات ذات إقبال جيد، وطرحها بشكل يناسب مختلف الشرائح لخلق رواج لها، فضلا عن طرح أسئلة تتعلق على سبيل المثال بفوضى الكتابة وفوضى النشر، وضرورة ربط التعليم بالثقافة.
وشدد الملاح على ضرورة النظر إلى الثقافة بشكل آخر، وأنها ليست شيئا هامشيا، مشيرا إلى أننا ما زلنا نفصل الثقافة عن التعليم، كالفروق بين القسمين العلمى والأدبي، وكليات القمة والقاع، وغيرها، وكل هذه الأمور ما زالت حاكمة حتى الآن، مؤكدا ضرورة إنسافها، والتوسع فى المعرفة، ضمن منظومة ورؤية ثقافية.

محمد عفيفي: الرقمنة ليست عائقًا
قال الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر: إن المجلات الثقافية تواجه تحديات عديدة يجب العمل عليها، لتواكب التغيرات وأبرزها التحول الرقمي، مؤكدًا أنه ليس عائقًا فى الحقيقة، بل لا بد من أن تتكيف المجلات مع هذه المسألة، لأن وجود مواقع إلكترونية لهذه المجلات تعد جزءًا من التوزيع والانتشار.
وأوضح عفيفي، أن تحول المجلات الثقافية إلى رقمية غير مزعج، بل بالعكس، وكل ما تحتاجه هذه المجلات أن تطور من موضوعاتها ونوعية الكتاب الذين يشاركون فى تحريرها، فضلًا عن مواكبة الجمهور المهتم بها والحريص على اقتنائها. مشيرًا إلى أن المحتوى هو المشكلة الرئيسية فى المجلات الثقافية، وتحديدا كثرة المقالات فى الصفحة الواحدة، وتسبب انزعاجا شديدا لدى القارئ، ومن المشكلات الأخرى هو الهدف والجمهور، فمن الضرورى تحديد الهدف من صدور مثل هذه المجلات، وتحديد الجمهور، بجانب مواكبة الاتجاهات الأدبية والثقافية والفنية، كتنفيذ تحقيقات عن موضوعات قادرة على جذب الشباب، والإكثار من عروض الكتب المهمة بأسلوب سردى ونقدي، وكذلك اختيار محررين الشئون الثقافية على قدر عال من الكفاءة والتدريب على تغطية الندوات ونقدها.
عزت القمحاوي: خلط بين الثقافة والأدب

قال الكاتب عزت القمحاوى: إن المجلات الثقافية تواجه مشكلات وتحديات عديدة، وأبرزها عدم انتظام بعضها فى الصدور، مشيرًا إلى أن هناك محاولات جيدة فى محتوى هذه المجلات، ولكن الانفتاح على الفنون المتعددة يجب أن يكون أكثر من ذلك.
ولفت القمحاوى إلى أن هناك خلطًا بين مفهوم الصحافة الثقافية والصحافة الأدبية، فالصحافة الثقافية أوسع وكثيرًا ما تختزل إلى صحافة أدبية، لكن هناك العديد من الفنون المهمة جدا وفى مقدمتها العمارة، مؤكدًا أنه يتطلب الانفتاح على أجيال وتجارب ومدارس كتابة مختلفة، فمن المهم أن تناقش المجلات الثقافية الراهن وترتبط بعامل الزمن، وهو ما يميزها عن الكتاب.
أما عن رؤيته المستقبلية فى ظل التحول الرقمي؛ كشف القمحاوى عن أن الوسيلة ليست مهمة بالنسبة له بقدر ما يهمه المحتوى سواء متاح ورقيا أو إلكترونيا، مؤكدا أنه يؤمن بتجاوز الوسائل مثلما يعيش المسرح بجوار التليفزيون، سيواصل الورق حياته ويستمر بجوار الوسائل الإلكترونية، فلا تعارض بين الاثنين.