بقلم – حسين عبدالرحيم
(تزوجت ميرندا،
جئت لأراك للمرة الأخيرة قبل سفرى؟!!
أحببت ميرندا فكانت سببًا لميلاد وطن جديد فى الإسكندرية.. عوضتنى عن بورسعيد التى صارت تلفظ أبناءها)
رسالة أخيرة من حسين الصومالى تسطع مع بزوغ الأضواء الهاربة من محطة الرمل وأنا الواقف أستعيد ذكرياتى معه فى بورسعيد ولقاء وحيد تم بيننا فى يناير العام 2012، أعاود النظر لشاشة النوكيا أشعر بالوهن، ساقى تخذلنى، أشعر بوجع وألم ينفذان لروحى لأبطئ من خطوى.
ازداد الألم فبتُّ فى حيرة،
: هل أكمل المشوار؟
الساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل وأنا أرقب الخارجين من سيسل فى وحشة وأسى، بالأمس كنا هناك، وكان معنا ناصر أبو أحمد الذى ترك بورسعيد فى العام 2010.
أنظر تمثال سعد زغلول، جهامته وسطوته فى رداء حديدى وهو غارب يريد الركض فى الظلام، ترك قاعدته الجرانيت التى تتوسط محطة الرمل، قلة من الجالسين أمام المتروبول يقتربون من وقفتى، تتوقف عربة الشرطة.
ينادينى الضابط ويسألنى، لماذا تقف هكذا تتطلع للفضاء والتمثال؟
أضحك، ينظر ساقى المبتورة، عبرت نهر الشارع، صرت لا بد أن ، أتكئ بذراعى الأيسر على سور الحديقة الصغير وقد افترشها بعض الغرباء، كانوا اثنين، رفع كل منهما علبة بيرة هانكان، وضعها على فمه، التفتا يرقباننى عندما رددت على ضابط الكمين الذى تعرف علىّ بعد أن اقترب، بخطوات واثقة، تجاهل الجالسين على الحشائش فى الظلام،
قال لي:
لم أرك منذ شهور طويلة يا بطل
_ لماذا تسير وحدك هذه الليلة على غير العادة،
_( أين يارا؟
ماحال صوفيا،
ضحكت، قلت له فى دعابة : لعلها ترقب أطياف خريف سكندريتها، هى مشغولة بما يلزم فستذهب غدا للجامعة، ربت على كتفى، نظرنى بأسى، رقب حركة ساقى المبتورة، دنا، حدّق ينظر عصاى البلاتين،
قال: واضح أنك مجهد،
لم اعتد على رؤيتك هكذا،
(اطمئن)،
إذا أردت شيئًا فأنا قريب منك،
الليلة قعدتنا فى «تريانون».
ليتك تشاركنا السهرة إذا أردت يا بطل،
شكرته، استدار الجندى سائق العربة الهونداى، لوّح لى مرددًا،
: ليلتك فل يا عم أحمد،
أعدت الكرّة، نظرت الفضاءات الكابية، طفت أسيان، نظرت مبانى، سيسل، الوندسور، المتروبول،
أشتاق لكوب من القهوة الفرنساوى فى البن البرازيلى.
نظرت ساعتى أنصت لصوت البحر، عينى ترحل فى البعيد،
بحر الظلام، قلعة قايتباى، مسجد المرسى، تذكرت الصومالى، صلاتنا الأخيرة هناك، بكاؤنا سويًا بعد العصر، لقاء الحضرة الدائم قبل المغارب، تلازمنا ثلاثة يرافقنا أبو أحمد،
تحت عامود خافت الإضاءة، أعدت قراءة الرسالة
قدمى تؤلمنى،
أجتر، استعيد ما جرى، أقرأ من جديد،
تزوجت ميرندا.
(جئت لأراك للمرة الأخيرة قبل سفرى؟!
(بورسعيد لفظت أبناءها؟!!
دمعة مالحة فرت من عينى، تقترب من فمى، تحسست طعم الملح فى ريقى، قدمى اليسرى تؤلمنى، اليمنى أيضًا، وددت المشى حتى قايتباى، رأيت المبانى صماء، قصدت الشاطئ من جديد،، منتصبًا مفرود الظهر أعتلى كورنيش المنشية، أنظر مناطق سواد الموج فى البعيد هناك خلف قايتباى، تراءت لى كل المبانى تتحرك، تترك أماكنها، سعد زغلول يركض، حلق الزعيم فى غضب، بين أراض وسماوات تتسع بفضاءات وهالات رمادية، تلج، غيوم وعتمة، طار الزعيم فى الهواء، بقاعدة التمثال، بخفة، وأنا الثابت فى موقعى يعتصرنى الألم،
دق قلبى بعنف، زادت الهواجس،
قلت فى نفسى،
( أين أنت يا صومالى، يا حبشى؟
كدت أصرخ باسمه فى فضاءات البحر، محطة الرمل، المنشية، مقهى فاروق، مسجد البوصيرى، المرسى أبو العباس،
الزعيم سعد يخرج بجسد نحيل ويترك تمثال البرونز.
أقول فى نفسي
_أين ذهب حسين، من هى زوجته ميرندا هذه، أين سكنه، مسكنه، مساكنه،
أين ناصر .
نظرت فى ساعتى، رأيت العقارب صفراء، ترسوا على الثانية والنصف، أطياف لأشباح بشر يفرون من داخل مقهى فاروق، يقصدون الكورنيش، على صراخ مدو، كثر الفزع، زادت الجلبة والنحيب، تجمهر بعض الشباب، بكت فتيات خمس نزلن مذعورات من سيارة مرسيدس، قصدن الكورنيش، كاطو يجرى أسفل الكورنيش، قرب الماء، خاض فى الماء، بموازاة الصخر، بجوال الخيش المبتل، كان يفر، يصرخ، رأيته وهو يجرى، يقف ناظرًا للموج، كانت ثمة جثث طافية، أرتال من البشر رمى بهم الله فى لحظة واحدة، توكأت على عصاى البلاتين، دون حركة، ساقى انحشرت فى الجهاز الاصطناعى، غرست فى الأرض، ثبتت فوق الرصيف، شلّت.
استعدّت دوى المقذوفات، الدخان الأسود، نثار لحم آدمى يتطاير فوق رمال سيناء……
لا خطوة واحدة… عجزت عن التقدم للأمام، مشدوها من الصراخ حولى، جثث طافية، مئات الخلق الذين مدّدوا رقابهم من فوق الحاجز الصخرى، قرب الكورنيش، بمحاذاة جثث الغرباء، صرت، تجمدت فى مكانى أرقب الحاصل، الطافى على سطع الماء الأسود، الموج الهادر
حسين الصومالى 3
صباح الخير يا صومالي؟
كأنها هى المرة الأولى التى أسمع فيها اسمى هكذا وكانت هى المرة الأولى أيضًا الذى رأيت فيها العم محمد شاهين الفطاطرى وهو يقف أمام الفرن الكبير الذى يملأ نصف محل الحلويات وقد امتلأ وجهه بالبهجة والحبور وأنا قادم من دورة المياة بشارع الحميدى،
فطاطرى شاهين يتوسط ناصية الحميدى وطولون وأنا أنظر السماء الكابية فى أول فصل الشتاء وسقوط قطرات مطر قليلة على بورسعيد، دقائق وزادت الأمطار، بحثت عن مكان يأوينى.
لا أعى قبلتى ولا وجهه،
🙁 من أنا ؟!!
أين أبى.
(من هو أبى.
أطل لشوارع المدينة فى أول العرب، بداية من مقهى الضاحى، صورة الجد ضاحى سلطان رشوان وهو يسلم على الملك فاروق وقد نهض من فوق كرسيه مرتديًا العباءة الجوخ وعمامة سوداء تدور حول رأسة النحيل وعينيه الثاقبتين وطوله الفارع وحذائه الكرب الأسود الهاف بوت، ينظر فاروق بهيبة وخشية فى الصورة الأبيض × أسود المعلقة على الجدران، البرواز كتب أسفله بخط كوفى بارز.
ديسمبر 1950؟!
أمشى فى أول العرب بامتداد شارع الحميدى واصلًا لشارع محمد على، كان لصوت الوشيش القادم من اتجاه مقهى الشكربالى آتيا بالدفء، يدفعنى للمشى وأنا أنظر سماء ملبدة بالغيوم .
قبل الفجر بدقائق قليلة كانت الكنائس ساكنة، ومبانى ثكنات العاملين بهيئة قناة السويس، الجو ساكن إلا من صفير رياح، عربات قليلة تمر مسرعة فى الدقائق الأخيرة قبل طلوع النهار، جسدى يرتعش مرتديًا بلوفر وتربروف على فانلة قطنية، أنظر المقهى وأحلم بالنوم وأنا أتحسس شعرى المبتل، شعرى الأكرت كما تقول الحاجة عواطف زوجة العربى الضاحى، الذى أرسل جلال الجاولى خلفى ليبحث عنى بعدما طفت بالشوارع القريبة من أول العرب وبعدما أتوا له بكرسيه الخوص والطقطوقة النحاسية ليجلس أمام مدخل المقهى من ناحية طولون مستطلعًا الشارع، فى الخامسة والنصف كان قد أمر صالح بتشغيل القرآن الكريم بعدما أبرز له شريط جديد وقال لصالح:
( دى كانت تلاوة فى أمريكا أو فى حلب،
مش فاكرأحضرها لى العمدة أبو إسماعيل بالأمس،
_شغّل يا صالح،
لحقنى جلال الجاولى بعد ركضه خلفى لأكثر من نصف ساعة، آمرًا إياى بالحضور لملاقاة المعلم ضاحى الصغيرعربى،
زادت الأمطار فعدت أرتجف، وأنا المنصت لصوت عم محمد الفطاطرى،
: يا حسين،
( اجمد يا فتى .
ويضحك فأهرش شعرى، ليضيف، ها هى خصلات شعرك المفلفل قد استوت وبات شعرك يلمع، ضحكنا سويًا وصرت أنظر أكوام البطيخ المتراصة فى أشكال هرمية بواجهة مقهى الراحل _الضاحى سلطان رشوان، سبعة أهرامات عالية بطول المتر ونصف، ثلاثة طولية بواجهة الحميدى، واثنتان على الأطراف حتى بانت فرشة البطيخ كخن عتيق يتوسط فضاءات الأهرامات السبعة، فرشة من القش، كليم بُنى من صوف الماعز، المطر يهطل غزيرًا وأنا أنتظر عم عربى الذى قال لصالح،
: حضر له شاى بالحليب،
كان شاهين قد وضع أمامى فطيرة صغيرة بالسكر، ربت على كتفى وأنا الجالس أمام ترابيزة خشبية كبيرة، تتوسط صحن المقهى، سألنى المعلم عربى وبدت ملامحه مكسوّة بالسماحة حتى وهو يتفحصنى ناظرًا هيئتى بملابسى، يرقب حركاتى وإيماءاتى.
كدت ألتهم الفطيرة، راقبنى، كوب الشاى باللبن فى يدى اليسرى آكل وأرتجف فيقول لى، تناول فطارك بمهل وتعالى.
انتهيت من أكل الفطيرة الكبيرة، أحسست بدفء ما يسرى فى جسدى، جلت ببصرى استطلع المكان من حولى، الفئران تخرج مسرعة من جربين المعلم عبد الغنى سلطان، الكابتن أحمد عمار يجلس على كرسيه البامبو، يمسك برشاش بورسعيد، صوب فوهة السلاح لرأس الفأر، تنطلق الطلقة وتصيبه فى رأسه فيرقد كسيحًا، يضحك ضاحى وينادينى للجلوس بجانبه، وضع صالح كوب الشاى بالحليب على الطقطوقة النحاس أمام عربى، وسألنى ابن الضاحى فى جدية
: هل تجيد القراءة ؟!
أصمت للحظات،
أقول:
نعم يا معلم .
أروح لأيام بعيدة، لا أذكر منها إلا أطياف، أحداث ماضية تناوش ذاكرتى ليل نهار،
قلت:
ذهبت للمدرسة لأكثر من اثنتى عشر عامًا،
وضاعت شهادتى؟!
صمت، بدأ يتأمل ملامحى، هيئتى، كتفى العريض، طولى الفارع، صدرى العريض اللحيم، نظرنى بدقة، يطل لوجهى الأسمر، تلاقت نظراتنا فى صمت وراحة أحسستهما وهو يقول لصالح
شاى سادة ليفيق،
أكمل قوله :
ذكرتنى الحاجة عواطف بالأمس بأنك ذهبت لشراء احتياجات البيت وحدك،
هل تعرف المكان جيدًا،
ضحكت وشعرت بدفء ما وودّ فقلت،
تؤمرنى يا معلم ضاحى،
قال، بلغنى الجد عبد الرحيم بأنك من بلدنا،
: ( صعيدى ياض، ولا منياوى من مطاى، أم هارب أنت من ثأر قديم ولهذا هربت من بلادك وجئت إلينا للحماية كما سمعت من بعض رواد المقهى،
خرست فضحكت وبكيت بلا دموع، عاد شرودى مع صباح يوم جديد لأجتر،
كدت أن أبح بكل ما أحس وأعرف وأجهل فلا أعرف ولم أتبين حقيقتى،
من أنا؟!.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع