يمثل الدكتور جابر عصفور تيارًا قديمًا فى الثقافة المصرية يرجع إلى رفاعة الطهطاوى رائد التفكير الحديث فى مصر، الذى أدخل التفكير الليبرالى إلى مصر فى وقت مبكر حين كتب تخليص الإبريز فى تلخيص باريز، وترجم فيه الدستور الفرنسى وهو أول من تحدث عن تعليم المرأة وحقوقها، وقد تواصل هذا التيار مع أسماء مثل أحمد لطفى السيد ومحمد حسين هيكل وصولا إلى طه حسين، الذى يعتبر الأب الروحى لجابر عصفور.
وإذا كان طه حسين حاز لقب عميد الأدب العربى، فإن جابر عصفور يمكن اعتباره عميد النقد الأدبي، وهذا هو الأساس فى اختصاص التدريس الجامعى الذى مارسه فى حياته الأكاديمية، إلا أن جابر عصفور لم يكتف بالتدريس ولا بأدوات النقد، وإنما جعل من النقد عملية تفكير عميق فى تطورات التعبير الأدبي ومن هنا جاء كتابه زمن الرواية الذى أسس فيه لاتجاه جديد فى التفكير النقدى بالعودة إلى جذور القص والسرد فى الأدب العربى الكلاسيكي. ومن المعلوم مدى ما أثاره الكتاب من نقاشات عند صدوره وما زال يمثل منعطفًا فى النقد الأدبي.
هذا بالنسبة للإنجاز العلمى إذا جاز التعبير، أيضًا كان جابر عصفور أكثر من مجدد فى الأدب. فقد كان مفكرًا تنويريًا أى أنه ينتمى إلى عصر التنوير حين انبثقت الدعوات إلى الحرية والمساواة وإلى الركون إلى العقل كما لدى الفلاسفة العقلانيين وخصوصًا ديكارت الذى اقتدى به طه حسين وخصوصًا فى أعماله الأولى النقدية. وقد تابع جابر عصفور هذه الطريقة، وجعل نفسه الأمين على هذا الترات العقلانى التنويري.
وإذا تتبعنا مسيرة جابر عصفور نجد أن حياته عبارة عن إنجازات منوعة تصب فى فكره التنويرى الذى وضعه فى خدمة هذه الوجهة التى تبناها وحافظ عليها حين تصدى لإدارة المجلس الأعلى للثقافة فجعل منه موسسة فى خدمة الأفكار التنويرية من خلال البرامج التى أعدها والأشخاص الذين دعاهم لمشاركته فى استنهاض هذه المؤسسة وجعله منيرًا يتميز بنشاطاته التى تستوعب الإبداعات المنوعة، يبقى أن نشير إلى تأسيس جابر عصفور للمركز القومى للترجمة الذى تولى إدارته ووضع خطته وهدفه فى ترجمة الأعمال البارزة فى الثقافات الإنسانية.
إنجازات جابر عصفور عديدة وأساسية وجميعها تركت أثرًا لا يمحى فى ثقافتنا العربية.
* كاتب ومفكر لبناني
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع