أخبار عاجلة

منال قابيل تكتب: الفراشة

«عالية جارتنا القديمة ستأتى لزيارتى.. تحبين أن تستقبليها معى؟» سألتنى أمى بابتسامة مشاكسة ونظرة خاصة فقد كانت تعرف مدى ولعى بعالية فى طفولتى.

سنوات طوال لم أر عالية.. أتذكر وجهها المبتسم وصوتها اللطيف الحاني، خفتها ورشاقتها. كانت تسكن أمام بيتنا، تستأجر شقة تطلق عليها «ستديو» لتعليم الباليه. وكان فى وسعى مشاهدة تدريبات الرقص من شباك غرفتى أو من البلكونة الصغيرة التى تطل على الشارع الجانبى. كنت أعرف أيام التمرين ومواعيده وأحاول أن أنهى واجباتى مبكرا لأتمكن من مشاهدته. فى البداية كنت أختلس النظر إلى البنات وملابسهن القصيرة وكان البعض يرتدى لباسًا كلباس البحر. أتابعهن وهن يمشين على أطراف أصابعهن يقفن صفا منتظما الواحدة وراء الأخرى يمسكن المقابض الملتصقة بالحائط يقفن على رجل واحدة ويرفعن الأخرى فى حركات مستقيمة ودائرية للأمام وللخلف. ثم يبدأن فى تحريك الأذرع بحركات مشابهة لفترات طويلة تشعرك مشاهدتها بالإنهاك. تنتقل عالية بين البنات بخفة فراشة، تُعدِّل من وضع رجل إحدى البنات أو تقوِّم ظهر أخرى من دون أن تتوقف عن ترديد، واحد.. اتنين.. ثلاثة.. لأعلى، واحد.. اتنين.. ثلاثة.. للجنب.
فى البداية كنت أتابع التدريبات مشدوهة فى سكون. لكننى مع مرور الوقت وبالتدريج وجدت نفسى أمشى فى غرفتى على أطراف أصابعى، ثم استذكر دروسى وأنا أمسك مقبض الشباك بيد تحمل الكتاب وذراعى الأخرى ورجلى تقومان بتمرينات الفرد والثنى على إيقاع ما أردده من الدروس.
أفيق على صوت أمى ينادينى لتتأكد أنى مستعدة لاستقبال ضيفتنا. ثم تسألنى:
– تفتكرى عالية يبان عليها السن؟ أكيد لا، على الأقل مش زيى..
– طبعا يا ماما.. ثلاثين سنة مرت، عمر تانى
– كنت فى أواخر الثلاثينات عندما انتقلت من البيت، كانت تكبرنى بثلاث سنوات وشكلها أصغر منى.
– لو أنها ما زالت تمارس التدريب أتوقع أن تكون محتفظة برشاقتها، لكن مهما كان السن له بصمته، محدش يقدر يزيلها
– بالطبع، كل واحد له همومه، أكدت أمى
أتذكر أنه فى إحدى الأمسيات ويبدو أن المجموعة كانت تحضِّر لحفل، ارتدت البنات فساتين بيضاء قصيرة، مشدودة على الخصر ومنتفخة عند أعلى الفخذ؛ ثم بدأن فى القيام بحركات راقصة على موسيقى الدانوب الأزرق. عندما انتظمت البنات فى صفين متقابلين دخلت عالية القاعة مرتدية رداء مثلهن لكن لونه أسود عليه نقوش حمراء صغيرة وقد لمت شعرها الأسود الطويل فى كعكة فوق رأسها. دخلت الصالة كأنها تطير من فرط خفتها، قامت ببعض الحركات الراقصة كما لو كانت تنقر الأرض بأطرافها، تلمسها ولا تمشى عليها، ثم بدأت تدور وتلف فى دورات واسعة بين البنات بجمال وروعة لم أر مثلهما، أنهتها بحركة دائرية حول نفسها أمسكت خلالها أنفاسى من الانبهار.
حل موعد الزيارة. دخلت من الباب سيدة ممشوقة القوام، أنيقة، لها شعر قصير يحيط بوجه مليح رائق كالبلور، يبدو جلدها أملس، ليس به ثنايا ولا خطوط، وجه لا يعكس علامات الزمن ولا مرور السنوات لكنى لمحت الابتسامة القديمة. ابتسامة لا تحيطها التجعدات التى لا بد أن تكون شكلتها الضحكات الكثيرة والمباهج منذ أن تركتنا حتى الآن.
أقبلت علىّ: «معقول هدى! بجعتى المفضلة.. أصبحت شابة رائعة». إنها عالية.. هذا هو صوت عالية كما أنها الوحيدة التى تسمينى «البجعة».
جلسنا ثلاثتنا نسترجع الذكريات والأحداث المشتركة ونضحك كثيرا. استَعْلمِت عن أحوالنا ثم بدأت تقص علينا ومضات من حياتها منذ تركت الحى. حدثتنا عن سنوات الكفاح والضنك فى الغربة والعمل الكثير حتى تثبت ذاتها فى محيط قاس. أضاء وجهها الأملس وهى تحكى عن النجاح الباهر الذى أدركته فى النهاية.
كنتُ كلما أنصَتُ الى مآسيها أو انتصاراتها، أمعن النظر إلى وجهها الذى لا يعكس شيئًا مما تقول، فيصعب علىّ تخيل ما ترويه.. ارتبك، وينتابنى شعور بأنها تتحدث عن شخص آخر.
بحثت عن بريق النجاح فى عينيها.. هذا البريق الغامض الذى يومض بخفوت والذى تبرزه الخطوط الدقيقة حول العينين. تفحصت تعبيرات وجهها وعلاماته التى تبين أثار تلك المصاعب التى حلت بها وتجاوزتها بقوة خرافية حتى أتفاعل معها. أتحرى عن المعاناة التى تترك أثارها فى غضون الجبهة وفى تلك الأخاديد الطولية التى تؤرخ للكبْوات وتستكين حول الفم، وتضفى نبلًا على محيا صاحبها؛ فلا أجد إلا وجهًا مرمريًّا لسيدة تروى حكاياتها.
تركتها مع أمى وعلى أطراف أصابعى دخلت غرفتى وأنا أدندن بألحان الدانوب الأزرق وأسترجع سحر الأساطير وصورة عالية وهى فراشة.

* كاتبة و قاصة