أخبار عاجلة

أسامة عبد الفتاح يكتب: «إلفيس».. أسطورة طائر بلا ساقين

هناك أفلام يتردد المرء طويلا قبل الكتابة عنها خشية عدم نقل سحرها كاملا إلى القارئ، وعدم التعبير بشكل كاف عن قيمتها والمجهود الكبير الذى بُذل فى صناعتها، ومنها فيلم «إلفيس»، الذى عُرض فى افتتاح مهرجان «كان» السينمائى فى مايو الماضى، والذى بدأ عرضه التجارى فى مصر والعالم أواخر يونيو الماضى، لكن دائما ما تكون الرغبة فى اقتسام المتعة مع الآخرين أقوى.
كنت أتوقع فيلما كبيرا من المخرج الأسترالى باز لورمان، خاصة أن الأمر يتعلق بالتاريخ والغناء والاستعراض، وهى المناطق المفضلة عنده، وأجاد التعبير عنها من قبل فى أفلام مثل «مولان روج» و»روميو وجولييت» و»جاتسبى العظيم».. لكن «إلفيس» فى الحقيقة أكبر وأعمق من مجرد فيلم تاريخى غنائى كبير، إنه تشريح شديد المهارة والدقة للمجتمع الأمريكى، المريض بالعنصرية، فى مرحلة ساخنة وحرجة من تاريخه، وتحديدا فترة صعود وانتشار أسطورة الغناء الأمريكى إلفيس بريسلى – المولود عام 1935 – من منتصف الخمسينات إلى وفاته بأزمة قلبية عام 1977 عن 42 عاما فقط.
هذا الفيلم، ببساطة، درس سينمائى – لمن يريد الاستفادة – فى كيفية سرد سير الشخصيات العامة والتاريخية، وربطها بزمنها ومجتمعها والظروف التى نشأت وصعدت فيها.. وكان أهم ما أثر على الطفل إلفيس والفنان الذى سيكونه فيما بعد: فقر أسرته البيضاء واضطرارها للسكن فى حى للسود لأنها لا تملك المال الكافى لمجاورة نظرائها من البيض، وتأثره وإعجابه الشديد بموسيقى السود فى مدينة ممفيس، وتحديدا فى شارع «بيل»، وتعاطفه بشكل عام مع أصحاب البشرة السمراء، وهو ما أوقعه فى بداية حياته العملية فى مشكلات كادت أن تدخله السجن لولا التحاقه بالجيش الأمريكى خارج الحدود فى ألمانيا.
يدين الفيلم بوضوح عنصرية المجتمع الأمريكى فى تلك الفترة، ويحقق حاليا أعلى الإيرادات فى دور العرض الأمريكية، ولم يقل أحد إنه يشوه صورة الولايات المتحدة وينال من سمعتها.. وعلى المستوى الفردى، يحكى الفيلم كيف وقع إلفيس تحت ضغوط وأطماع الجميع، خاصة مدير أعماله الشرس الكولونيل توم باركر، بعد أن أصبح دجاجة تبيض ذهبا، وكيف أدى به ذلك إلى إدمان الحبوب المهدئة، ولم يقل أحد إنه يشوه رمزا أمريكيا محبوبا وينال من صورته.
وبفضل سيناريو محكم كتبه بالاشتراك مع كل من سام بروميل وكريج بيرس وجيريمى دونر، يبرع لورمان وفريقه التقنى – خاصة فى المونتاج والتصوير – فى مزج الماضى والحاضر والمستقبل، عبر الاستخدام الواعى والمتتالى للفلاش باك «العودة للماضى» و”الفلاش فوروورد” «القفز إلى المستقبل»، وكذلك المزج بمهارة بين الروائى والوثائقى، خاصة فى الجزء الأخير، الذى يكاد أن يكون «دوكيودراما» لجمعه بين النوعين.
ويختار السيناريو حلا ذكيا لسرد القصة، حيث يحكيها من وجهة نظر مدير الأعمال توم باركر، لا لتبرئته ولا حتى لإدانته – علما بأنه تم اتهامه باستغلال إلفيس والاستيلاء على نصف دخله وجعله يعمل كالبغال ليجد المال الذى ينفقه على طاولات القمار – ولكن لأن باركر رمز صريح لصناعة الفن والترفيه القاسية جدا والبراجماتية جدا فى الولايات المتحدة، والتى يكرر الفيلم أكثر من مرة أن كبارها محتالون، كل هدفهم تفريغ جيوب المشاهدين من الأموال وترك ابتسامة على وجوههم.. ويُـعد باركر رمزا صارخا لها لأنه تربى فى السيرك وعرف مبكرا قواعد اللعبة وأصول السيطرة على المتلقين.
وعندما يواجه إلفيس مدير أعماله ويُذكّره بأنه محتال باعترافه هو شخصيا، يرد الكولونيل على النجم الأسطورى قائلا إنه هو الآخر محتال، يسيطر على جمهوره ويستولى على أمواله بهز جسمه أثناء الغناء بالصورة العنيفة، المثيرة للجنس الناعم، التى اشتهر بها.
هذا فيلم عن صناعة مضيئة لكن ضوءها يحرق العديد من الفراشات الجميلة الملونة، وعن أسطورة طائر ارتفع عاليا وحلق فى عنان السماء لكنه بلا ساقين، لا يستطيع الهبوط على الأرض، وإذا فعل، ولو مرة واحدة، يموت.
ويحفل السيناريو بالرموز والألعاب الصغيرة للتعبير عن الدراما المقدمة.. فاللقاء الأول بين إلفيس وباركر يتم داخل بيت المرايا بالملاهى، حيث كان الفتى تائها لا يعرف طريق الخروج وأمسك الثعلب العجوز بيده ليقوده نحو الباب، فى إشارة لسيطرته عليه وتوجيهه كما يشاء فيما بعد، وحوارهما الأول يجرى فى أرجوحة الملاهى المتوقفة عاليًا، فى موقع مناسب للإقلاع و”الطيران” الذى سيتم بعد ذلك.. وعندما يقنع مدير الأعمال النجم الشاب بعدم القيام بجولة خارج الولايات المتحدة والاكتفاء بجولة داخلية لأنه – أى باركر – مهاجر غير شرعى ولا يملك جواز سفر، يقطع لورمان على الثعلب العجوز وهو يسدل آخر جزء من الستار على النافذة فى رمز لإحكامه قبضته على إلفيس تماما وقيامه بسد كل طرق الإفلات من تلك القبضة.
ولم يكن مجهود لورمان وفريقه ليظهر على الشاشة بهذه القوة وبهذا التأثير لولا الجهد الخرافى الذى بذله الممثل الشاب أوستن باتلر الذى جسد شخصية إلفيس، ولولا الأستاذية المعهودة التى أدى بها النجم توم هانكس دور توم باركر، وأتوقع ترشيح الاثنين للأوسكار، كما أتوقع ترشح الفيلم فى فروع الإخراج والمونتاج والسيناريو المكتوب مباشرة للسينما.