أخبار عاجلة

صفاء الليثي تكتب: أحمد زكى.. حكاية رجل مهم  

لا شك أن الفضل الأكبر لأحمد زكى فى السينما المصرية يتمثل فى كسره نمط «فتى الشاشة الأول» وطلته المهمة فى «اسكندرية ليه؟» 1979 كفتى شاشة تحبه اليهودية الشقراء الجميلة نجلاء فتحى، سماهما شاهين سارة وإبراهيم كاسرا بهما الفوارق والتناقضات الكبيرة. يرصد أسامة عبد الفتاح أن مشاركة أحمد زكى فى فيلم شاهين ولد « فتى شاشة» بمواصفات جديدة تماما عن التى سادت لعقود طويلة. هذه هى نقطة الانطلاق للكاتب وهو يتناول مسيرة النجم الأسمر. لم يكسر النمط فقط من ناحية الشكل ولكن الأهم كسر قواعد رسم وبناء الشخصيات ليصبحوا أقرب إلى البشر العاديين. وفر زكى لتيار الثمانينات الوجه الخاص بهم والمعبر عنهم. يسرد عبد الفتاح أطروحته النقدية ويستعين بآراء ثلاث شخصيات سينمائية الممثل محمود حميدة والمخرج مجدى أحمد على ومدير التصوير سمير فرج ليناقش معهم أسس فن التمثيل على طريقة أحمد زكى. يخلص حميدة أن زكى لا يشبه أحدا ولا أحد يشبهه، وهذه أولى خطوات النجاح والتفرد. ينتهى الفصل الأول بهذا الوصف ويدخل الكتاب فى فصله الثانى متتبعا البدايات المسرحية للفنان من المسرحية الأولى “هالو شلبى” 1970 وحتى 1979 وجاء الموعد مع نجاح مسرحية «مدرسة المشاغبين» 1973 التى لا يعتبرها زكى بداية حقيقية له. وظل يفكر فى أداء أدوار كبيرة لشخصيات من شكسبير وموليير. وتأتى «العيال كبرت» 1979 على نفس الاتجاه الذى يشير إلى وجود ممثل دون أن يتم إلقاء الضوء على قدراته وحجم موهبته. فكان قراره بعدم الوقوف على المسرح ثانية احتراما وحبا للمسرح الذى يتخيل دوره فيه. وفى الفصل الثالث من الكتاب يوضح عبد الفتاح الأعمال السينمائية التى تظل عصب منجزه الإبداعى وهو المفضل لدى أحمد زكى. بداية من فيلم «ولدى» 1972 وتتر الوجه الجديد مرورا بدوره الذى تقلص فى «شفيقة ومتولى» 1978 ومشاركته بالتشخيص فى 58 فيلما سينمائيا و«أنا لا أكذب ولكنى أتجمل» 1981 الذى يضعه الكاتب فى القائمة لأنه صور بتقنيات السينما ليصبح العدد 59 فيلما سينمائيا. بلغت ذروة إنتاجه فى الثمانينات. سيشرح الكاتب فى الفصل الرابع تدرجه فى التأثير ويصل فى الخامس إلى ذروة التوهج بعد أن استقر نجما وفتى شاشة أول فى فترة حكم حسنى مبارك تحت سقف حريته ليقدم فيها 46 فيلما من أصل 59. شهد العقد أفلامه المهمة “موعد على العشاء” و«البرىء» و”زوجة رجل مهم” ، و«أحلام هند وكاميليا» وغيرها من أفلام الواقعية الجديدة كان زكى نجما معبرا عن فلسفتها. فى عقد التسعينات وكونها كما يرى الكاتب عقدا مفصليا فى تاريخ الوطن العربى بحماقة غزو العراق للكويت وتدمير العراق نفسه، وانعكس ذلك على السينما فخلعت ثوب الواقعية ولجأت للترميز، وفيها قدم زكى فيلمه كابوريا والراعى والنساء ونماذج أخرى للهروب من الواقع، وموجة الغيبيات التى شارك زكى فيها بأفلام «البيضة والحجر» و«عتبة الستات» وأفلام على الطريقة الهوليودية مثل «الامبراطور» . يضع الكاتب زكى فى إطار تحولات توجه السينما المصرية فى الهروب من الواقع مع بقاء أعمال صنعت بروح الثمانينات كما يصفها الكاتب مثل «ضد الحكومة» و«مستر كاراتيه». وظل زكى فى تقديم أفلام بقيت فى الذاكرة مثل «البطل» و«هيستريا» و”اضحك تطلع الصورة حلوة” الذى قام فيه بدور الأب بقدر من الدفء والحميمية كأب يدرك أن ابنته هى استثماره الوحيد فى الحياة، يتوقف الكاتب عن اللقاء الذى تأخر كثيرا مع المخرج الكبير داود عبد السيد فى «أرض الخوف» 2000 الذى يضعه مع ما يسميه بالواقعية السحرية حيث يتحرك يحيى باسم حركى آدم بعد تكليفه بمهمة وطنية فى العالم السفلى لتجارة المخدرات. و«أيام السادات» 2001 الذى أنتجه بمعالجة سينمائية من إعداده. ممثلا المشروع المتكامل لأحمد زكى. ويعرج الكتاب إلى لقاء متأخر مع سمير سيف فى “معالى الوزير” 2002 . وبعدها «حليم» الذى صوره وهو مريض بالسرطان ما اعتبره عبد الفتاح استغلالا للنجم الأسمر دون مراعاة معاناته وآلامه. لم نتمكن فى هذه العجالة من التوقف عند كل ما جاء بالكتاب دون أن نغفل ما جاء بالباب التاسع المعنون «رجل مهم ..عن قرب» وفيه تحليل دقيق للفيلم فى 15 صفحة كاملة يوضح فيها طريقة تمثيل الفنان وارتباطها بعمل المخرج فى فيلم يعتبره الكاتب عملا يمكن للسينما المصرية أن تكتفى به. تتبع زكى فى موقع التصوير وما يمكن اعتبارها خلفيات توضح أهمية الممثل وتفرده بين أقرانه. وفصل عنه مع السندرلا واحدة من 30 ممثلة عمل زكى معهن وكيف تظل تجربته مع سعاد حسنى شديدة الخصوصية حيث يمثل عملهما معا التقاء موهبتين استثنائيتين، خلقا ليشخصا وليعيشا حيوات أخرى لعلها تعوضهما عن معاناة وقلق حياتيهما. لم يغفل الكتاب تجسيد الشخصيات العامة ناصر والسادات وحليم، وقبلها طه حسين ونجاح مسلسل الأيام الذى يلغى أى عمل آخر عن الشخصية الفذة عميد الأدب العربى. وينهى الكاتب بما عنونه الفصل الأول «سنوات اليتم» لنتعرف على نشأته ومولده وعن مفارقة كونه ابن التجربة الناصرية مع اعتزازه بالسادات، إنه الفتى الذى وصفه أستاذه بأنه مريض بالفن . كتاب مهم عن رجل مهم فى مسيرة السينما المصرية.