ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة قصيرة للكاتبة والقاصة د. علا عبدالمنعم، بعنوان “شلة زمان”:
“شلة زمان”
اتفقوا أخيرا على أن نلتقي، وقت طويل مر منذ آخر مرة تلاقينا فيها، تلك الرحلة التي ظللنا نجمع في تكلفتها ونضع الجنيه فوق أخيه حتى بتنا لا نصدق أننا نرتقي سلم الطائرة، وهي نفسها الرحلة التي عدنا منها وقد تغيرت حياتنا وتبدلت حتى أننا لم نلتق بعدها أبدا، أصرت أمي على استضافتهم في بيتنا الفسيح حيث المضيفة الفارهة الاتساع والحديقة الخضراء الوارفة الأوراق والأغصان طوال العام، كنا في موسم المانجو وقد تدلت كل الاغصان حُبلى مثقلة بأجنتها اللذيذة، رفضوا أن يجمع لهم الفلاحين بعض الثمار وتباروا في من يُفلح في جمع أكبر عدد بنفسه، قامت الفتيات الصغار بغسل حصيلتنا ووضعها في أطباق الفاكهة الكبيرة ريثما ننتهي من غدائنا الشهي الذي قامت أمي بإعداده بنفسها ورفضت الاكتفاء بدور المشرفة، انبهر الجميع بالطعام ونكهته الأخاذة ولم تكد تمر لحظات حتى ارتكن الضيوف كل على حدة وقد احتضن بضعة من الثمار الشهية التي جمعوها منذ قليل ومضوا في التهامها حتى استغاثت منهم النواة الحجرية الصغيرة، غفونا جميعا بعد ضبط الساعات أن توقظنا في تمام السابعة مساءً، كان الجو مثقل في صمته والليل شديد في عتمته حتى ظننا أنها لحظات ما قبل بزوغ الفجر، تركتهم يتقلبون في الأسرة واتخذت لنفسي مسارا بين الزروع يساعدني في هضم ما التهمته من كثير الأطعمة، في طريقي بين البيوت أتاني صوتها رنانا كما عرفته طوال حياتي منذ أن التقيتها طفلة تلعب معي في حقول الآباء الواسعة، تجاسرت واقتربت من أحد شبابيك بيتها، كانت متربعة على الأرض وسط البط المتهادي والوز الصائح ترضع طفلا صغيرا، عجيب أمر ذلك الطفل، يشبهني تماما، كان متشبثا بثديها محتضنا إياه وكأنه طوق نجاته، تماما كما كنت أراها دائما مثل اسمها حياة، غَمْغَمت بأغنية أعرفها، أصخت السمع كي أدركها فأتتني كلماتها متآكلة متداخلة مع صوت صراصير الغيط المزعجة، كانت تنوح بأغنية حزينة مقبضة بينما تفيض من عينيها الدموع، لم استطع أن أستبين غير” فين فين قولي يا دار”، زجرها رجل كبير أتذكر ملامحه ولا تواتيني ذاكرتي بكينونته، ربما كان أبوها أو جدها وأمرها بالكف عن النواح الذي لا يجلب إلا المزيد من الحزن، مسحت دموعها بكم جلبابها ثم مضت تربت على ظهر الرضيع حتى يتجشأ والذي ما أن تلاقت عيوني معه حتى ابتسم، تعجبت مما رأيته وكذلك تعجبت هي من بقايا الضحكة التي ظلت على وجهه عندما عاد والتفت إليها، جالت بوجهها عبر الطاقات المفتوحة فتواريت خوفا من مواجهة لا أحبها ولا ارغب فيها، اقتربت أكثر حتى صار وجهها فوق تلك الطاقة التي أتوارى تحتها، هل أتتها رائحتي كما جاءت يعقوب رائحة يوسف فارتد بصيرا؟، هل أدركت وجودي؟، تمتمات من بين شفتيها الكرزتين أتاني منها بعض الأدعية والآيات وتمنيات بقرب اللقاء ثم ما لبثت أن أتتها مناغاة ابنها فانتبهت ومضت في طريقها إلى إحدى حجرات بيت أبيها الفسيح، في طريق عودتي التصقت بلساني كلمات أغنيتها النائحة الحزينة فمضيت أرددها بمزيد من الشجن والتأثر وبكثير من فيض الدموع، كنت على مشارف بوابات البيت، كانت كل الشرفات مظلمة على خلاف ما تركتها عليه، أكملت في طريقي بغير تعجل حتى صرت على باب المنزل الداخلي الذي امتلأ بالكثيف من خيوط العنكبوت التي استحالت سوداء من جثث الذباب المتلاصق بها، انتابني الانزعاج والتعجب من عدم ملاحظة أي من الخدم لذلك المنظر المثير للاكتئاب، ناديت على إحدى الخادمات باسمها فلم تلبي النداء، كان المكان معتما شديد الإظلام فاقتربت من زر المصباح الكهربائي وضغطته فبقيت الغرفة على حالها، صرخت في عصبية مناديا أمي، أصحابي هتفت بألقابهم التي يحبونها، لعبة سخيفة يمارسونها معي لعلمهم بكرهي للظلام والاختفاء المفاجئ لكن ما اثار حنقي هو مشاركة أمي لهم، اقتربت من الغرف التي تكدسوا فيها قبل خروجي فهالني امتلائها بالكثير من المنقولات المخزنة والقش المتناثر وقد عبثت فيها الفئران التي يأتيني صوتها الآن وقد التبست بالذعر والخوف، خرجت من البيت كله مهرولا وقد غاب القمر الذي كان مضيئا منذ قليل، ركضت عائدا لبيت حياة، ركلت الباب بيدي وأقدامي، صرخت بصوت عالٍ ربما خافت منه الذئاب في الجبل البعيد لكن أحدا لم يهتم بي أو يلبي ندائي، كلَّت يدي و خَفَت صوتي من شدة الصراخ فرحلت من أمام بيتهم ومضيت في طريقي حتى صرت على أطراف القرية بالقرب من منطقة المقابر، قررت أن أزور أبي الذي ارتحل بينما أنا رضيع على صدر أمي تماما كما ابن حياة الذي رأيته في حضنها منذ قليل، سرت متوجسا يعتريني الخوف والوجل والكثير من الخجل من أبي الذي لا أتذكره إلا فيما ندر، بجوار شاهد قبره تلألأت عشر شمعات طوال تحرسهم سيدة كبيرة وقد انحنى ظهرها فتكورت حول نفسها لكن ذلك لم يمنعها من أن تحيط لهيب الشمعات كي لا يُطفئها تيار الهواء الآتي من الجبل، نادتني لأجلس بقربها، كانت بصوت أمي فزاد هدوئي وسرت إليها مخدرا مُنقادا وجلست يقربها حتى لامس شالها الصوفي كتفي فشددته لأتدثر به من برد استشعرته رغم كوننا في يوليو، انساب صوتها كما عازف الربابة الذي طالما سمعناه في طفولتنا يحكي قصص أبو زيد الهلالي سلامة والجازية وغيرها من قصص البطولات، كانت تحكي بكلمات موزونة منغمة عن ولد جميل طالما حلم بالسفر والترحال والتجوال في أنحاء الكون الفسيحة، ذلك الذي أقنع أصدقائه المقربين من أترابه في بلدته بفكرته، وظلوا سنوات طوال يكدون ويعملون ويجمعون أموالهم سويا في صرة واحدة حتى اكتمل ما يبتغون وهموا بالقيام برحلتهم، كلما انسابت في كلامها زاد انتباهي لها وكلما فاضت واقتربت من نهاية قصتها كلما اتضحت معالمها وكأنها رقعة من البازل المموه الذي تتضح اجزاءه كلما شارفت القصة على الانتهاء، زار الأصدقاء المدن المنشودة واشتروا الهدايا التذكارية للأهل والأصدقاء حتى أن أحدهم اشترى لابنه الذي كان في بطن أمه الكثير من الألعاب والملابس، هكذا أخبرهم في مكالماته الهاتفية، وعندما حانت ساعتهم مؤذنة بالعودة لم يرجع منهم سوى حفنة كبيرة من رماد لا يمثل فقط التسعة الذي ذهبوا ولم يعودوا، بل مثَّل الرحلة بأكملها والذي قامت السلطات المحلية للدولة التي سقطت فيها طائرتهم بتوزيعه على أهالي الضحايا جميعا كي يضعوه في قبور اعتباريه ربما تطفئ القليل من نيران الفقد المتأججة، سألتها وأنا أرتجف عن الشمعة العاشرة بينما الأصدقاء الذين قصت حكايتهم تسعة فقط، العاشرة يا ولدي أنا، لم أتحمل الخبر عندما تعالت صرخات زوجتك في ذلك اليوم المشئوم بعد أن دق الهاتف حاملا في طياته صوت غراب ينعق، هنا اكتملت ملامحها ورأيت فيها وجه أمي، اعتدلت في جلستي وتوسدت رأسي ساقيها بينما ارتكن ثمانية آخرون كل بجوار شمعة كُتِبَ عليها اسمه.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











