ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة “مكاشفات ليلية”، للكاتبة نيللي عبدالعزيز، من مجموعتها القصصية “شجرة التفاح”.
مكاشفات ليلية
“احذر انتقام رقيقات القلوب، الحليمات الحالمات فهن يصبرن ويسامحن بدل المرة لألف مرة، ولكن عندما يأخذن القرار بالانتصار لأنفسهن، فإنهن يصبحن خطر وبشدة”.
قاعدة من المسلمات ولكن يبدو أنه كان لا يعرفها، وعندما ذكرتها له محذرًة إياه من شديد انتقامي لم يصدقني أو يعير لكلامي أدنى اهتمام، لكنني ألتمس له كل العذر في ذلك؛ فالحقيقة مظهري لا يوحي بالقدرة على إيذاء الأخرين بتاتًا، مظهُر رقيق مسالم لا ينذر بالخطر أبدًا، فطالما كنت كذلك رقيقة القلب، حليمة وحالمة..
وطالما كان هو أملي، ابن الجيران الشاب الوسيم، بل شديد الوسامة الذي تتصارع على الفوز بقلبه فتيات شارعنا جميعهن، كنت أنا الوحيدة التي تريده في صمت؛ لم أصرح بذلك لأية واحدة منهن رغم قرب بعضهن مني، فهو حلمي الخفي عن العيون، كما لم أفتعل أي شيء للفت انتباهه كما تفعل الأخريات.. لذا يبدو أنه وجد فيَ ضالته، الفتاة الوحيدة التي لا تعيره اهتمامًا على حسب ظنه هي الوحيدة التي تمكنت من جذبه إليها بقوة.
تم الزفاف سريعًا، كنت أحلق بعيدًا عن الأرض لشدة فرحتي، فأخيرًا ظفرت ببطلي الوسيم، هو لي دونًا عن الأخريات، هو أيضًا كانت فرحته بيَ كبيرة، عشت معه شهر العسل الذي تحلم به أية فتاة، كانت رومانسيته تفوق توقعاتي.
وبطبيعة الأحوال مع مرور الوقت خفتت نيران المشاعر الملتهبة، وهدأت دقات القلوب المتسارعة، وعاد للحياة رتمها الطبيعي المألوف.
فبدأت ألاحظ أحوالًا غريبة لم ألتفت لها من قبل، إن “شريف” شديد الاعتداد بنفسه ومظهره، بل وينفق الكثير من وقته وماله على الاعتناء بهما ولا يقبل في ذلك أي نقاش، كما أنه يضع احتياجاته الشخصية في المقام الأول قبل احتياجات البيت وقبل أي مطلب لي، فإن كان المال الموجود لا يكفي فلا بد من أن تُوفىَ احتياجاته هو أولًا كاملة ولأذهب أنا وكل ما يطلبه بيتنا للجحيم، لذا فكثيرًا ما استعنت بمدد مالي من أبي لأعدل بنفسي كفة الميزان المائلة.
كان فترة خطبتنا قصيرة جدًا فلم ألاحظ كيف كانت والدته وأخواته البنات يتعاملن معه، أما الآن فقد علمت علم اليقين أنه الابن الذكر الوحيد المدلل حد الإفساد بسبب طريقة تعامل والدته معه منذ الصغر، ويبدو أنها هي من أجبرت أخواته البنات أن يعاملنه بنفس الطريقة حتى اعتدن ذلك وأصبح يشعر بأنها المعاملة الطبيعية التي يستحقها؛ لذا كان ينزعج بشدة إن عاتبته في أمر، أو اختلفت معه في رأي، أو تجرأت وتأخرت في تنفيذ طلب له.
أصبح الأمر جليًا والرؤية واضحة.. حبيبي شديد الوسامة شديد الأنانية أيضًا! “الأنا” تضخمت عنده حتي أصبحت في حجم فيل، تضخمت لدرجة لا تفسح المجال لأي شخص ليشاركه حياته، وغير ذلك هو مغرور لدرجة تثير الغثيان، حتى إنه قال لي في إحدى المرات التي كنت أعاتبه فيها على تجاهله لرغباتي:
“أنا في حد ذاتي ثروة قد ظفرتِ بها أنتِ دونًا عن الكل، رغم أنكِ امرأة عادية بل وعادية جدًا، لذا فليس لك أي حق في الشكوى مني، ولا يحق لكِ إلا أن تشكري الله ليلًا ونهارًا على أنه جعل هذه الثروة من نصيبك أنتِ”
يا الله، وهل يوجد على الأرض من هو أكثر منه غرورًا!
وعندما بلغ مني الجهد مبلغًا عظيمًا قررت أن أشكيه لأهلي حتى يُفهموه أن للإنسانة التي تحيا معه حقوقًا مثله، ولم أفكر في اللجوء لأمه وأخواته بالطبع لأنهن سبب المشكلة بالأساس، وقتها اكتشفت أني حامل، ففرحت ونسيت كل شيء وأخذت عهدًا على نفسي أن أعتبره مريضًا وأتحمله من أجل طفلي وطفله القادم عسى أن يحدث الله بعد ذلك أمرًا وتنسيه مسؤوليات الأبوة غروره وأنانيته.
وجاء حبيبي “رامز” للدنيا جميلًا كوالده فأنار بصيرتي وجعلني امرأة أخرى أكثر إقبالًا على الحياة وأكثر حبًا لبيتها، وأكثر رغبًة في الحفاظ عليه من أجل وليديها، لكن هيهات أن يُشفى المريض من مرضه المزمن الذي لازمه عمرًا.
فمسؤوليات الأبوة لدى شريف تتلخص في تدليل الصغير واللعب معه حين يكون مزاجه جيدًا، وذلك بالطبع داخل البيت فقط، أما خارجه فأنا المسؤولة عن حمله كي يحافظ هو على بهائه وأناقة ملابسه المكوية بعناية، إن بكي الصغير ليلًا فهو لي، وإن كان هادئًا مسالمًا فهو في حضنه حتى الصباح. وإن مرض فأنا من تذهب به للطبيب، كما أني وحدي المسؤولة عن متابعة علاجه وإعطائه الأدوية في مواعيد شديدة الدقة لأنه إن لم يُشف سريعًا فذلك بالطبع لأني أم مهملة، وإن تأخر في التسنين أو المشي فذلك لأني لا أوفر له الغذاء الصحي لينمو سليمًا معافًا، والويل كل الويل إن اتسخت ملابسه أثناء اللعب مثل كل طفل في سنه، لأن هذا معناه أني لا أقدر النظافة ولا أتذوق الجمال؛ لذا لا أهتم بأناقة طفلي وهندمة مظهره، طفلي الذي هو أيضًا ثروة جديدة أُضيفت لرصيد ثرواتي لأن الله خلقه في جمال أبيه!
شرحت لوالدي ما أعانيه عندما فاض بي الكيل بعد ثلاث سنوات من الشقاء، وطلبت منه أن يعنف شريف بشدة ويخيره ما بين صلاح الحال وما بين……. وانعقد لساني فأصبحت غير قادرة على النطق، عندها احتد عليّ والدي قائلًا: ماذا تريدين بعد أن أصبحت أمًا؟ هل تريدين الطلاق الآن؟
فلم أجِبه، فأنا لا أقوى على ذلك، وإن كانت الحجة وجود طفل بيننا إلا إنني في قرارة نفسي ما زلت أحب شريف.
وبعد فترة من الصمت الكئيب، أحاطني أبي بذراعه بعطف قائلًا: أفهم معاناتِكِ، هل تظنين أنني لا أعرف؟ زوجك مريض يا بنيتي مرض لا شفاء منه، إنه يحب ذاته بصورة مبالغ فيها، وغير ذلك إن كلمة الطلاق هذه لم تذكر في عائلتنا من قبل فلتنسِها تمامًا.
أرجوكِ يا حبيبتي ارضِ منه بالجميل حتى لو كان قليلًا وتحمليه لأجل ابنكما، وستكون الجنة جزاء لكِ على صبرك بإذن الله.. وعلى كل حال سوف أتكلم معه بالحسنى فمن المحتمل أن يخجل مني.
نفس اليوم الذي تكلم فيه أبي مع شريف صباحًا هو اليوم الذي دخل به أبي غرفة العناية الفائقة مساءً يعاني من جلطة دماغية، وبعدها بيومين انتقل إلى جوار خالقه.
كرهت شريف وكرهت نفسي، أظنه رد على أبي ردًا أغضبه، أو جرحه بكلمة طائشة فهو لا يبالي إلا لنفسه ولا يتلمس رضا الآخرين مهما فاقوه سنًا! ومن الممكن أن يكون رفع صوته على أبي فلم يتحمل الإهانة وحدث له ما حدث.
بعد انقضاء أيام العزاء انهرت انهيارًا شديدًا وكنت لا أريد العودة لبيتي، فتحت قلبي لأمي وحدثتها بما يدور في رأسي فعنفتني، ثم هدأت وأقسمت لي أن شيئًا من ذلك لم يحدث بينهما، وأن الحوار كان هادئًا وعاديًا وأن شريف وعد أبي أن يتغير ليرضيني على حد قولها.
أرغمت عقلي أن أصدقها ولكن شيء ما بداخلي كان يرفض ويُكذب كلامها، فأنا أعرف عزة نفس أبي كما أعرف جيدًا سفاهة وطيش زوجي.
رجعت لبيتي أحمل بين ثنايا القلب جرحًا غائرًا، وإن تظاهرت بعدم وجوده إلا إنه كان يؤلم بشدة، فأنا لم أفقد السند والمعين فحسب بل في داخلي شك يصل حد اليقين بأن زوجي قتل أبي، وطلبت العون من الله، واستعنت بالصبر والصلاة حتى هدأت نفسي، كما استعنت بالإيراد الذي يدره على ميراثي من والدي لأحافظ على مظهري وألبي احتياجات طفلي بعد أن كان والدي يعينني في حياته ويرتب لي هذه الأمور؛ فزوجي كل إمكانياته موجهة بالطبع للعناية بشخصه.
وفجأة وبدون تخطيط اتخذ شريف قراره بالاستقالة من عمله الحكومي والاتجاه لعمل مشروع خاص به.
وما هي خبرتك يا شريف بهذا المجال؟
– الكل يتعلم، ويجب أن أشق طريقي.
– ومن أين لك بالمال لهذا المشروع؟
– ميراثي من أبي موجود كما أن صديقي سيكون شريكًا لي بالمشروع.
واستعنت بوالدته للمرة الأولى لتقنعه بأن يسحب استقالته قبل انقضاء المدة القانونية المسموح فيها بذلك؛ لأن أي مشروع غير مضمون، بالإضافة لأنه لا يمتلك الخبرة، وأخيرًا لمست منها تفهمًا للموقف، وبعد مباحثات عنيفة وصلت لحد المعركة امتثل لرغبتنا وقدَّم على إجازة بدون راتب من عمله.
وجاءت النتيجة الحتمية لأي مشروع بلا خبرة ولا دراسة، وبدلًا من أن يخجل من تهوره صب علينا جام غضبه لأننا لم نسانده نفسيًا على حد قوله خاصة والدته مما أدى لتعثره.
لذا فكان لزامًا على والدته أن تكفر عن هذا الذنب الذى اقترفته في حقه، فطلب منها أن تدفع له بمالها حتى يبدأ من جديد مبشرًا إياها بالأرباح الهائلة والمكاسب الطائلة لأنه أخيرًا فهم أصول اللعبة كما قال لها، فرفضت وأسمعته كلامًا موجعًا، إنها المرة الأولى التي أشعر فيها بندمها على طريقتها في تربيته بعد وفاة والده، وخاصمها شريف لشهور، فحاولت كثيرًا أن أحنن قلبه عليها وكلمته مرارًا بلا فائدة عن عقوبة عقوقه لوالدته فلم يرتدع، وبدأ الرهان على مقدرتها وصبرها على طول خصامه أمام صبره هو، فخسرت هي بالطبع وانتصر قلب الأم ودفعت له بمالها متحملة غضب بناتها منها.
وبدأ مشروعه الجديد، كان يغيب عن البيت طويلًا ويعود منهكًا، وكلما سألته عن الأمر تعلل بأن بداية الطريق دومًا شاقة وأن لا بد لي من الصبر حتى نجني معًا ثمار التعب، وانتظرت الثمار التي أعلم بخبرتي السابقة أنني لن أتذوقها أبدًا‘ فحتى لو طابت فسوف تسقط بين كفيه هو ليلتهمها وحده كالعادة.
شيئًا فشيئًا ظهرت عليه آثار النعمة وتهلل وجهه وهو يخبرنا بنجاح مشروعه وأن بشاير الخير قد هلت، كانت والدته سعيدة بنجاحه أخيرًا في شيء غير صرف المال، وخجلت من أن تطلب منه نصيبها في الأرباح وعندما حدثته أنا عن حقها في الأرباح عمل أذن من طين وأذن من عجين وماطل في الأمر.
مر وقت طويل حتى اكتشفنا بالصدفة أن مشروعه الجديد مشروع وهمي فاشل كسابقه، وأن ما يصرف منه ببذخ هو ما تبقي من رأس المال الذي دفعت له به والدته، وعند لحظة المواجهة لم تتحمل المسكينة المصيبة ولبت نداء ربها، رحمها الله وغفر لها ما فعلته بابنها من تدليل أفسده وأفسد عليّ حياتي بالتبعية، وأصابتني الدهشة من حزني الشديد عليها، يبدو أن موتها نكأ الجرح القديم بقلبي، إن شريف قتل أمه كما قتل أبي.
وأصبح شريف يلازم البيت نهارًا، ويقضي أمسياته خارجه ليلًا متأنقًا كعادته لا أعرف أين يذهب؟
أصبحت أنا من يصرف على البيت وعلى ابني الذي بلغ المرحلة الثانوية بصورٍة كاملة. وبعد طول شجار قبِل أخيرًا الرجوع لعمله الحكومي، أظنه لم يوافق إلا ليحفظ ماء وجهه أمام الأهل لأن الصورة أصبحت واضحة بأني أنا من أعول الأسرة.
مرت سنتان ورجعت ريمة لعادتها القديمة، إنه يتحدث عن مشروع جديد، أقصد وهم جديد، ويريد ميراثي أنا هذه المرة، يريد حائط الأمان الوحيد المتبقي للأسرة، رفضت بإصرار وبصورة لا تقبل النقاش.
وبدأ معي اللعبة القديمة التي لعبها مع والدته “الخصام”! صبري أمام صبره! ولكنني تعلمت الدرس جيدًا، كما أني لم أعد العاشقة الصغيرة للفارس الوسيم، ولم أعد رقيقة القلب ولا حليمة، كما أني بالطبع أصبحت غير حالمة، لقد أصبح لي قلبًا قاسيًا لا يلين، خاصة بعدما عرفت بما ليس به مجال للشك أنه يخونني، ويقضي الأمسيات الطوال خارج البيت متنقلًا من حضن عشيقة لأخرى، محللًا لنفسه خيانتي، وكيف لا؟ فهو عليّ كثير، وانا امرأة عادية بل وأقل من عادية في نظره! وهو الثروة الكبيرة ولزامًا عليّ تقبل فكرة أن تقاسمني به الأخريات! أليس هذا كلامه؟
صارحته بأني أعلم بخيانته لي، وأني لن أعطِه مالي، وحذرته من شديد انتقامي فضحك ضحكة الغافل ولم يبالِ لغضبي أو تهديدي، صدقًا لم أكن أعلم بقرارة نفسي كيف سيكون الانتقام! وهل أنا حقًا قادرة على تنفيذ تهديدي أم لا! كل ما أعرفه أن رغبة الانتقام داخلي كانت قوية وملحة.
وبقى كما هو مغرور، أناني، سفيه، والجديد خائن، لدرجة أن الخيانة أصبحت هوايته الجديدة التي تفرغ لها متخليًا عن هوايته السابقة “المشاريع الفاشلة”، دون مراعاة لوضعه كأب لشاب في مرحلته الجامعية.
وفي إحدى الليالي التي أحياها وحيدة أجريت مع نفسي مكاشفة ليلية كانت الأولى من نوعها:
بحثت في داخل قلبي عن ذرة حب متبقية له تجبرني على أن أحيا معه فلم أجد! ثم بحثت في عقلي عن وسيلة للانتقام منه فلم أجد أيضًا؛ فعقدت العزم على طلب الطلاق حتى أحيا حياة هادئة هنية مع ابني بعيدًا عن كل هذا العبث، وأحظى براحة البال ما تبقى لي من عمر.
انتظرت رجوعه ليلتها بفارغ الصبر حتى أطلب منه كلمة الخلاص وكلي إصرار، ولكنه تأخر كثيرًا حتى أوشكت الشمس أن تفيض على الدنيا بضيائها، رغم أنها تبخل على قلبي كما بخلت دومًا بشعاع نور يضيء ثنايا القلب المظلمة منذ زمن.
ثم فاجأني اتصال من صديق له، شريف فقد الوعي وتم نقله للمشفى، أيقظت رامز من نومه وهرولنا للمشفى.. وجدناه في حالة سيئة! قد كنت ألاحظ اعتلال صحته من مدة ولكنني كنت أعزي ذلك لطول سهره ولهوه غير البريء، لكن نتيجة الفحوصات أثبتت إصابته بالمرض اللعين! ألجمتني الصدمة وأفقدتني توازني، واقعه المؤلم أربك خطتي، كيف تطلب زوجة ابنة أصول الطلاق من زوجها وهو مريض على هذه الحالة؟
ثم إنه دخل بالفعل دوامة العلاج الكيميائي وساءت حالته، ماذا أفعل إذن؟ فأجريت مع نفسي ثاني مكاشفة ليلية:
الوضع تغير.. لن أتمكن من طلب الطلاق الآن، وبما أن وهنه وأنينه لا يثيران داخلي أي شعور بالشفقة عليه، إذن لقد حان وقت الانتقام.
وبدأت التنفيذ، إنه يعتمد عليّ في كل صغيرة وكبيرة من أول تناول الدواء حتى دخوله لقضاء حاجته. كما أن وعيه أحيانًا يتراجع، فرفضت استجلاب ممرضة للمنزل للعناية به بحجة أنه واجبي تجاه زوجي الحبيب، إنها فرصتي وسوف أقتنصها ببراعة، لا بد أن أزيد من ألمه، أصبحت أتلاعب في جرعات علاجه الموصوفة وأحيانًا أغافله وأدس له دواءً آخرًا. فكثيرًا ما أعطيته موسعات للشعب الهوائية وبجرعات عالية حتى تزيد من تسارع ضربات قلبه لترهقه فيصبح غير قادر على التقاط أنفاسه، وحين يشتد به الألم أحقنه بأي دواء لا يفيد ولا أعطيه أبدًا المسكن القوي الذي وصفه له الطبيب إلي أن يوشك الألم أن يفتك به، عندها فقط أبدأ بضخ المسكن الحقيقي ببطء وتلذذ فقد باتت أناته تطربني.
ومزيدًا في الانتقام كنت أبتدع طرقًا جديدة للعذاب، فمثلًا عندما شعرت أنه أصبح لا يطيق النظر في المرآة بعد أن تغير مظهره وشحب لونه، أصبحت أتعمد توجيهها ناحيته نكاية فيه لأزيد من حسرته على تبدل حالته وهيئته. وكم من مرة أصابته فيها نوبة القيء الشديدة وتعمدت أن أتركه بملابسه المتسخة تفوح منها رائحة القيء الكريهة لأطول فترة ممكنة فتثير غثيانه أكثر لمرات ومرات!
وكم من مرة أخبرني فيها أنه يريد أن يستند عليّ ليذهب لقضاء حاجته وتعمدتُ التلكؤ حتى يفقد سيطرته على نفسه ويشعر بالحرج والذل ويبكي أمامي بالدموع متحسرًا على الأيام الخوالي حين كانت ملابسه أنيقة تفوح منها رائحة العطور باهظة الثمن التي كان يضن عليّ دومًا بمثيلاتها.
وبعد أن أنصت لكلامه بمزيد من التأثر أبدأ في تهدئته وتجفيف دموعه بحنان زائف ينطلي عليه في كل مرة، لقد اكتشفت في نفسي مواهب تمثيلية فائقة، وساعدني على إحكام خطتي انشغال رامز خارج البيت لفترات طويلة بسبب دراسته العملية الصعبة.
واستمرت اللعبة لوقت ليس بقليل حتى حار طبيبه المعالج في أمره، فحالته كانت من الحالات القابلة للشفاء ولم تكن تنذر أبدًا بهذا التدهور السريع على حد قوله.
وكلما ازداد الضعف والذل وقلة الحيلة من جانبه ازدادت حلاوة اللعبة من جانبي وشعرت بلذة الانتقام ونشوة التشفي في من عذبني طوال سنين عمري معه، كم تمنيت أن يطول الوقت لكن إرادة الله نافذة.
مات شريف، الغريب أنه مات وهو يدعو لي بالصحة والبركة امتنانًا منه على رعايتي له فترة مرضه.. مات طالبًا الصفح والغفران ومقبلًا يدي، يدي التي قتلته بدم بارد ظنًا مني أنه القصاص فهو قاتل أبي، وقاتل أمه، وقاتل كل أحلامي وآمالي في السعادة طيلة حياتي الزوجية معه.
مرت الشهور بعد موته وانتظرت السعادة وراحة البال اللذين طالما حلمت بهما؛ فلم أذق لهما طعمًا! فكان لا بد من إجراء ثالث مكاشفة ليلية مع نفسي:
ماذا حل بك يا “دنيا”! أليس هذا ما تمنيتِه؟ الانتقام أو الخلاص، لقد أعطى لك الله المطلبين معًا فلِمَ الحزن والقلق؟ أهو تأنيب الضمير؟ ألم تقنعي نفسك بأنه يستحق؟
بتُّ لا أعرف ما حل بي الآن! أنا خائفة! نعم أخاف وبشدة، فإن كنت نصَّبت نفسي قاضية فأقمت عليه حد القصاص، فمن يا ترى سوف يكون القاضي الذي سوف يقتص مني؟ وما هي الهيئة التي سوف يأتي عليها هذا القصاص؟ مرض، ذل، أو فقد! يا ربي هل من الممكن أن أفقد قرة عيني وأبقى وحيدة أتجرع مرارة الحسرة والألم؟
والأهم أني بتُّ أخاف من القاضي العادل، بتٌّ أخاف لحظة وقوفي بين يدي المنتقم الجبار، وأخشى لقاءه بعد أن كنت أتمناه ليلًا نهارًا وأجد فيه الخلاص من عذاباتي والنجاة من معاناتي.
إنه الخوف إذن يلازمني كظلي ولا مهرب منه! حتى أني بتُّ أخشى مغادرة فراشي وبتٌّ أخشى أن يغيب رامز عن عيني ولو للحظات، أريد أن أبقيه بحضني فلا يلمسه أحد غيري.. أسمع حديث الأطباء معه يقولون إنها حالة نفسية، بعضهم يطمئنه بأنها حالة عارضة بسبب صدمة فقداني لزوجي، يأتي لي رامز بالأدوية، أرفض ابتلاعها وأقاوم بشدة، أحاول أن أقتص من نفسي بنفسي فأمنع عنها ما يظنه الأطباء علاجي كما منعت عن شريف علاجه، ولا أعرف إن كان ذلك كافيًا للتكفير عن ذنبي أم لا!
كل ما بتُّ أعرفه أني كنت مخطئة عندما كنت لا أعتقد في فكرة أن لكل إنسان نصيب من اسمه، أنكرت هذه الفكرة كثيرًا لأن “شريف” لم يكن شريفًا معي بالمرة، ولكنني الآن أُقر بصدق هذه المقولة فاسمي “دنيا” وقد اكتشفت أني بالفعل غادرة.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











