تختص القاصة علا عبدالمنعم، الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، بنشر قصتها “حكاية الحكاية”.
“حكاية الحكاية”
في رحلتي للبحث في درج الكومود عن أي من المسكنات التي أستعملها أضاء هاتفي المضبوط دائما على الوضع الصامت، على الجهة الأخرى من الاتصال أتاني صوته، ذلك المسئول عن جلسات الحكائين في أحد المراكز الثقافية المشهورة، تحقق حلمي أخيرا بالمشاركة في تلك الجلسات التي أعشقها وها أنا أكاد أن أصل يوما لمرتبة مقاربة لذلك الفنان المشهور رخيم الصوت الذي طالما شغفني عشقه للحكايات وتلك الفنانة التي اشتهرت في سن كبيرة لكنها ما إن تبدأ في الحكي حتى ينتابني شعور تلك التي تجلس على الأرض وقد أسندت رأسها على رجل جدتها بينما الأخرى تعبث في شعرها بعد أن حلت ضفائرها وتكاد تجزم أنها ترى بعض الحشرات تعيث فيه فسادا، أغمض عينيّ قليلا بعد أن سطعت الأضواء فجأة لكني سرعان ما أستعيد ثباتي وتسطع ابتسامتي على وجهي، وددت لو طرقت بإصبعي على مكبر الصوت لأتأكد من جاهزيته لكني امتنعت في آخر لحظة على الإتيان بذلك الفعل المجنون، فجأة اكتشفت أنني لم أجهز موضوعا للحكي، ورغم امتلاء رأسي بالأقاصيص لكني أقف الآن صامتة لا يخرج مني سوى أنفاس متواترة، قررت أن أقص لهم عني، لكن شخصيات عمري الأخرى قفزت معترضة على سطح عقلي تطالبني بالبوح والاعتراف بكينونتهم، هل أحكي لهم عنك؟، أم أقص لهم عن الجميع؟، ترى هل يتسع الوقت بحجم العمر، تصفيقهم الحاد واستعادة سطوع الأضواء أنبأني أني انتهيت من قصتي وتلك الوردة التي وصلتني مع تلك الطفلة أخبرتني بوجودك، حقيقيّ أنتَ يا من تكلمت عنه، تسمعني وتراني لكنني لا أمتلك تلك العيون التي ترى في الظلام، قررت أن أتريض بالمشي في طريقي للعودة للبيت رغم توقف الكثير من الأصدقاء في طريقي بسياراتهم يعرضون توصيلي لكنني لن أدع فرصة الاختلاء بالقمر في ليلة اكتماله تفلت مني وتهرب، ذلك المضيء الذي تسكن في جانبه المظلم على الجهة الاخرى ساحرة طيبة طالما منحتني الكثير من الأفكار والحكايا كما أنها سمعت يوما قصتي فأهدتني نجمة من نجومها لأخبيء خلف ضوئها الساطع دمعي فلا يراه ولا يقتحم خلوته أحد. ها أنا الآن واقفة تحت القمر مباشرة، ناديتها كي تدلي لي حبلا أرتقي به إليها فلم تجب، أخبروني أنها سافرت للعمل في أحد البلاد طلبوها فيه لتساعد القادمين على الحلم وتحقيقه، على مكاتب تابوتية ترقد جثث مستيقظة تنتظر يوم التحرر أو يوم تحقيق الحلم، لكن رصاصات القدر لا تمهل سوى من يملك الورق الكثير ذلك القادر على شراء الحلم وتحقيقه ودفع الدية عندما ينتهى الحلم باحتواء التابوت لجثة لم تعد تجري فيها مياه الحياة، أكملت في طريقي ضجرة ساخطة أبحث عن نجم شمال يهديني بعد أن ضللت الطريق، لكن القمر المنير طمس ما دونه من نجمات ربما رغبت في مساعدتي لإعادتي لسواء السبيل، تصطدم قدمي بموجة عالية فلا ألبث إلا أن أجري معها غير هّيَّابة بالظلام وما حكوا لنا عن نداهته والدوامات وجنية الأزرق التي تسحبنا معها فلا يكون لنا من بعد ذلك أثر، أخلع نعليّ وأجلس في وسط الماء على أطراف الرمل فلا تمر موجة بغير احتضان دافيء يحفزني على مزيد من الاقتراب والحميمية، أرقد بجسمي على سطح الماء بعد أن قررت ممارسة لعبة الطفو التي طالما علمها لي أبي في زمن مضى فتفاجئني شباك هؤلاء الصيادين وقد تملكم الفرح والكثير من الجذل بذلك الصيد الثمين، فما إن يراني أحدهم وتلتقي عيوننا حتى يتملكه الرعب ويلقي بي إلى الماء من جديد، يصطدم وجهي بموجة شديدة لم أشهد مثلها فأضحك وأفتح عيوني فجأة لذلك الضوء الذي اخترق عيوني وكأن الشمس قد سطعت على حين غرة، يتعجب المحيطون من ضحكي ويلقي الطبيب الذي جاء ليؤكد وفاتي بمصباحه الصغير على الأريكة بينما أنا في حوض الاستحمام مبللة بكثير من الماء وبينما أنا أهم بالوقوف مثقلة بمياه تتساقط من كل اتجاه، انشغل الجميع من جديد كل بما يهمه وبقيت أنا وحدي أمشي في طريقي بينما نهر صغير يسير من خلفي وصرخات أمي قادمة من المطبخ تحذر الجميع من خطر الانزلاق على البلاط المبلل.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











