حظيت عشرينيات القرن العشرين بفورة صحفية لافتة، وبلغت الصحف التي كانت تظهر مع بداية القرن العشرين حوالى 160 صحيفة أشهرها «المؤيد» للشيخ على يوسف ممثلة «حزب الإصلاح» ثم تبعتها عام 1900 صحيفة «اللواء» التي أصدرها الزعيم مصطفى كامل.
وأصبحت الصحافة الحزبية تلعب دورًا بارزًا فى مصر خاصة مع اشتعال ثورة 1919 وتكوين «الوفد”.
صحيح تاريخ الصحافة فى مصر بدأ مبكرا وبشكل فوقى، صحافة رسمية، عندما أصدر محمد على والى مصر أمره سنة 1827 بإصدار “جرنال الخديو”، كنشرة خاصة ليطلع على شؤون البلاد وماليتها.
وقرر توسيع نطاق جرنال الخديو ليتحول إلى الوقائع المصرية اعتبارًا من عام 1828، وكانت تُوزّع على من يسدد الاشتراك من موظفى الحكومة. ثم ظهرت الجريدة العسكرية عام 1833.
الصحافة الشعبية تاريخيا ظهرت فى عهد سعيد باشا (1854- 1863) الذى سعى إلى التقرب من قلوب المصريين عندما باعدت سياسته وتصرفاته بينه وبين السلطان، حيث أصدرت السلطنة بمصر صحيفة “السلطنة” عام 1857 على يد إسكندر شلهوب من أجل لفت أنظار المصريين إلى الباب العالى.
ثم كان عصر إسماعيل عصر نهضة شاملة نتيجة فوزه بثمرة البعثات العلمية التى كان “محمد على” قد أوفدها. وأوحى إسماعيل المولع بتقليد الأوروبيين إلى عبد الله عبد الله أبو السعود “أبو السعود أفندى” بإنشاء صحيفة سياسية عربية غير رسمية هي صحيفة “وادى النيل” عام 1866، وتوصيفا، هى مجلة سياسية علمية أدبية، واستمرت حتى توقفت بوفاته، ولذلك يعتبر أبو السعود من أوائل الصحفيين السياسيين فى تاريخ مصر الحديث.
وتعد وادى النيل أول صحيفة عربية تناولت شؤون القطر المصرى، وكانت تصدر مرتين فى الأسبوع. وقد وصفت بأن عباراتها صحيحة وأفكارها سليمة، وساعدها الخديو إسماعيل لأنها كانت تخدم أفكاره بإخلاص واعتدال، دون أن تتعرض للمسائل الدينية. وتعتبر صحيفة وادى النيل أول صحيفة وطنية فى مصر.
وكان أبو السعود شاعر مبدع يصوغ القوافى، وناثر مفتن يجيد البيان، ومترجم من عيون المترجمين فى عهده، لم تستغن عنه صحيفة شعبية أو رسمية، سواء كاتبًا لها أو مترجمًا لفصولها. وهو فى صحيفته قد جعل الصحافة المصرية فى مفترق الطرق، إذ عند صحيفته خلصت تلك الصحافة من رسميتها، وبدأت تتجه إلى اللون الحر فى الصحافة التى نعرفها اليوم.
ويعتبر جهد أبو السعود محاولة مهمة، فصحيفته أول صحيفة وطنية شعبية فى مصر، وقد زحم معظم صفحاتها بأخبار الخديو إسماعيل ورجال حكومته، وغير ذلك.
وكان الخديو إسماعيل يؤثر صحيفة وادى النيل بالعطف والرضاء، فهى لسانه عند خاصة دولته من قرائها الذين وجدوا فيها متاعًا ولذة، ووجدوا فيها أيضًا جديدًا من شئون الصحافة، كأخبارها الطريفة الصادقة التى أمر الخديو بأن تنشر فيها.
كما شارك أبو السعود أفندى بالكتابة فى مجلة “روضة المدارس” التى أنشأها على مبارك باشا فى عام 1870، ورأس تحريرها رفاعة الطهطاوى. بل كان أبرز كتابها، فقد كان يقوم أيضًا بترجمة مقالات الأساتذة الأجانب المنشورة فى الروضة.
كما شجع أبو السعود ابنه محمد أنسى على إصدار جريدة “روضة الأخبار” عام 1875، واشترك معه فى تحريرها، وقد حفلت بالموضوعات الأدبية وترجم لها أبو السعود أيضًا.
ثم صدرت مجلة “نزهة الأفكار” لِـ “إبراهيم المويلحى” سنة 1869 لتكون باكورة صحافة مصرية المنهج، ولكن الخديو لم يلبث أن ألغاها بسبب دفاعها عن الدستور.
وعاد ليشجع النهضة التى حمل لواءها السوريون واللبنانيون الذي هاجروا إلى مصر هربًا من تعسف السلطان عبد الحميد. وازدهرت بذلك فى مصر الصحف الشعبية التى كان من بينها صحف مصرية خالصة، وأخرى تولتها الأقلام والعقول التى نزحت من الشام مثل “الأهرام” سنة 1876، وإن جمع بينها روح الإصلاح وإعداد البلاد الشرقية لاستقبال النهضة الأوروبية.
ثم كان تشجيع جمال الدين الأفغانى لتلاميذه على احتراف الصحافة، وكان من بينهم أديب إسحق ويعقوب صنوع.
فأصدر الأول جريدة “مصر” سنة 1877 وجريدة “التجارة” بالإسكندرية سنة 1879. وأصدر الثاني جريدة “أبو نظارة زرقاء” سنة 1877. وكان لحركة “الأفغانى” الصحفية ولتلاميذه أثرًا كبيرًا في تنبيه الأذهان إلى أصول المسائل وتعويد الناس الجرأة على انتقاد الحكام وإظهار مكائد الأجانب وأطماعهم، بالإضافة إلى تكوين جيل من الكتّاب قادر على تناول كل الأفكار بلغة جديدة.
وفى عهد الخديو “توفيق”، واجهت الصحافة نكسة بسبب رفضه للإصلاحات الدستورية، فنفى جمال الدين الأفغانى، وأُغلقت “مصر الفتاة” و”مصر” و”التجارة”، وهرب يعقوب صنوع من مصر. وتحولت جريدة “الوقائع المصرية” إلى جريدة رأى وأصبحت جريدة يومية حكومية رأس تحريرها الشيخ محمد عبده.
ولم تلبث الحركة العرابية أن ظهرت محاولة الاستعانة بالصحف لدعوة الناس إلى نصرتها، حتى أن الخديو توفيق أوحى بإصدار صحيفة “البرهان” (فى مواجهة هجوم عرابى) التي تولى تحريرها الشيخ حمزة فتح الله سنة 1881، والذى أصدر بعد ذلك صحيفة “الاعتدال”.
ولجأت الحكومة فى 1881 إلى إصدار قانون المطبوعات الشهير (وتبعًا لهذا القانون، لم تكن الطباعة حرّة، فلم تلغَ الالتزامات التى كانت ترد فى القانون العثمانى بحيث بقى فتح المطبعة أو نشر الجريدة خاضعًا لإذن إدارى مسبق، وإلى كفالة مرتفعة تتراوح بين 50 و100 ليرة مصرية)، الذى كان بمثابة طعنة موجّهة إلى الصحافة المصرية، مما اضطر الكثير منها إلى الانزواء.
وبالرغم من توالى الحكومات إلى أن هذا القانون ظل يعمل به فينذرون به تارة ويهددون به تارة .. وأصدر النديم فى هذا الوقت صحيفة “اللطائف”، وصدرت صحف ثورية أخرى مثل “المفيد” و”الفسطاط”.
وبهزيمة الثورة العرابية فى التل الكبير واحتلال الإنجليز لمصر، بدأت حقبة جديدة من تاريخ الصحافة العربية، يرى البعض أن الاستعمار قام بتصفية الصحافة الوطنية، وأن “كرومر” لجأ إلى دعم الصحف المؤيدة له ماديًّا ومعنويًّا عن طريق تزويدها بالأموال وبالأخبار دون غيرها، ومحاربة الصحف المعارضة عن طريق حجب المعلومات عنها حينًا وتأخير توزيعها قصدًا من قبل مكاتب البريد حينًا آخر.
وكذلك إيعازه إلى أصحاب “المقتطف” بإنشاء صحيفة يومية سياسية تنافس “الأهرام” وتعارضها وتدافع عن المصالح البريطانية. وفى سنة 1909 نجد أن أبرز صحف تلك الفترة، كانت: “الأهرام”، “المقطّم – الموالية لحكومة الانجليز”، “المؤيد – على يوسف (الذى كان يؤيد الخديو ضد الاحتلال ثم عكس تأييده”، “لسان العرب”، “اللواء – الناطقة باسم الحزب الوطنى – مصطفى كامل”، و”الجريدة”.
بعد الحرب العالمية الأولى وعلى أثر ثورة 19 ونفى سعد زغلول رئيس حزب الوفد إلى الخارج اختفت معظم الصحف الوطنية والمشهورة مثل “الشعب” و “المؤيد” و”الجريدة” ولم يبق سوى “الأهرام” و”المقطم” وغيرها القليل. وأصبحت الرقابة تمارس وبشدة قبل سنة 1923 ثم أثناء الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين وأثناء حريق القاهرة وتستمر مع اندلاع الثورة وأثناء العدوان الثلاثى سنة 1956.
وكان إنشاء مجلس الشورى سنة 1946 مبعث حماية (ولو قليل) للصحافة من تعسف الحكومات. أما فى عهد الثورة تُركت الحرية للصحف بادئ الأمر، لكن أمام تمادى البعض عمدت الحكومة إلى وقف بعض الصحف وإلى تنظيم الصحافة تنظيمًا قويًّا. ومن الصحف التى أوقفت فى عهد الثورة جريدة “المصرى”، التى حوكم أصحابها وصدر الحكم بتأميم ممتلكاتهم. ثم أخذت الصحف المصرية تتغربل شيئًا فشيئًا إلى أن بقى فى الميدان ثلاث صحف يومية فقط فى القاهرة، هى: “الأهرام” و”الأخبار” و”الجمهورية”. ومن الصحف الأسبوعية: “روز اليوسف” و”صباح الخير” و”المصوّر” و”الجيل” و”أخبار اليوم” و”وطنى” و”الكواكب” و”حواء” و”آخر ساعة” و”الحقائق”، هذا فضلاً عن المجلات التي تصدرها الجمعيات والهيئات العلمية والنقابات. وقد جرت محاولات لوضع دستور للصحافة ينظم المهنة، غير أنها لم تنجح فى البداية وظلت صحافة القاهرة رغم خضوعها للمنافسة التجارية منسجمة مع توجيه الدولة الرسمى، وأصبحت تتقيد بصورة جوهرية وأساسية بالخطوط الكبرى للإرشاد القومى. إلى أن أصدر الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” قرارًا بتاريخ 24 أيار سنة 1960 بتحويل ملكية صحف دور “الأهرام” و”الهلال” و”أخبار اليوم” و”روز اليوسف” إلى الاتحاد القومى. ونص القرار على أنه لا يجوز إصدار صحيفة إلا بترخيص من الاتحاد القومى، كما لا يجوز لأى شخص أن يعمل فى الصحافة بدون ترخيص من الاتحاد.
*المقال منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











