كتبت: د. سهى علي رجب
* إريك إتش كلاين: ليس لدينا حتى الآن كشف أثري يقارن بمقبرة توت عنخ آمون
* خلفت وفاة الفرعون الصغير الكثير من الغموض ووصفها البعض بأنها أشهر عملية اغتيال في التاريخ
* من أهم ما تم اكتشافه داخل المقبرة، “أجنة توت” وهى مومياوات لأجنة بنات توت عنخ آمون
هناك فى أقصى جنوب مصر، منذ 100 عام وتحديدا فى 4 نوفمبر 1922، وعلى أرض “مدينة الشمس” عاصمة مصر الفرعونية “طيبة”، فى البر الغربى للنيل بمحافظة الأقصر، بوادى الملوك كان العالم على موعد مع أعظم اكتشاف أثرى وأعظم مقبرة وجدت فى التاريخ البشرى، مقبرة الفرعون الصغير أو الفرعون الذهبى توت عنخ آمون. ليصبح العقد الثالث من القرن العشرين تميمة حظ للمدينة التى امتلكت ثلث آثار العالم.. لتأخذ المقبرة الرقم (62) حسب الترميز العلمى وتعرف عالميًّا باسم (كي في 62).
وتبدأ قصة هذا الاكتشاف العظيم بتعرف عالم الآثار الإنجليزى “هوارد كارتر” على أحد أثرياء بريطانيا وهو اللورد كارنرفون، وكان مغرما بالآثار والاستكشافات فأعجب بفكرة كارتر للبحث عن مقبرة الملك المصرى الأكثر شهرة توت عنخ آمون، وافق كارنرفون على تمويل المشروع وبالفعل حصلا على تصريح من مصلحة الآثار المصرية بالحفر والتنقيب فى عام 1908، استمرت عمليات التنقيب حوالى 6 سنوات، ثم توقفت عام 1914 بسبب الحرب العالمية الأولى، ومع انتهاء الحرب عاد كارتر لموقع الحفر واستمر التنقيب مرة أخرى حتى جاء نهار 4 نوفمبر 1922 حاملا البشرى حيث عثر كارتر على عتبة سلم وما إن أزال الحطام والأتربة المتراكمة حولها، حتى وجد درجا مكونا من 16 سلمة، كانت هى طريقه للوصول إلى باب موصد ومختوم بخاتم القبور الملكية.
فقام كارتر ومساعديه بعمل فتحة صغيرة ومد يده داخل المقبرة ممسكا شمعة، ليلقى النظرة الأولى على مقبرة ظلت مغلقة أكثر من 3000 عام، وكتب كارتر واصفا هذه اللحظة قائلا: “بعد أن تعودت عيناى على الظلام بدأت أرى ما بداخل الغرفة.. حيوانات غريبة وتماثيل وذهب وبريق فى كل اتجاه”.
المقبرة المسروقة
يقول أستاذ الدراسات الكلاسيكية والأنثروبولوجيا، ومدير معهد الكابيتول للآثار، وأستاذُ كرسيٍّ سابق لقسم اللغات والحضارات الكلاسيكية وحضارات الشرق الأدنى بجامعة جورج واشنطن “إريك إتش كلاين” فى كتابه ” ١١٧٧ق.م. .. عام انهيار الحضارة” الصادر عام 2014، فى الفصل الثانى:
بعد عقد من أعمال التنقيب الناجحة فى مجموعة متنوعة من المواقع، كان بمقدور الرجلين أن يشرعا فى العمل فى وادى الملوك فى عام 1917. كانا يبحثان تحديدا عن مقبرة توت عنخ آمون، التى عرفا أنها لا بد وأن تكون فى مكان ما فى وادى الملوك! لذلك أخذ كارتر يحفر ستة مواسم، لشهور عديدة كل عام، حتى كان تمويل كارنافون، ورما اهتمامه أيضا، على وشك النضوب. التمس منه كارتر موسما واحدا أخيرا، عارضا أن يدفع مقابله بنفسه، لأنه كان هناك مكان واحد فى الوادى لم يكن قد نقب فيه بعد. رضخ كارنارفون لالتماسه وعاد كارتر إلى وادى الملوك، مبتدئا العمل فى الأول من نوفمبر 1922. أدرك كارتر أنه كان ينصب معسكره فى نفس المكان كل موسم، لذا نقل عندئذ مقره وحفر فى المكان الذى كان فيه الموضع الأصلى للمعسكر، وبعد ثلاثة أيام عثر عضو من فريقه على الدرجات الأولى المؤدية إلى المقبرة. وكما اتضح، كان أحد الأسباب وراء بقاء المقبرة دون أن تكتشف لآلاف السنين هو أن المدخل كان قد طمر تحت التراب الذى كان يلقيه الحفارون السابقون الذين كانوا يحفرون من أجل مقبرة رمسيس السادس المجاورة لمقبرة توت، علما بأن رمسيس السادس مات بعد ما يقرب من 100 عام من وفاة توت عنخ آمون.
حيث إن كارتر كان قد اكتشف مدخل المقبرة فى الوقت الذى كان فيه كارنارفون لا يزال فى إنجلترا. أرسل إليه على الفور برقية ثم كان عليه أن ينتظر حتى يتمكن كارنارفون من الإبحار إلى مصر. وكذلك أبلغ وسائل الإعلام. وعند وصول كارنارفون واستعدادهم لفتح المقبرة فى السادس من نوفمبر 1922، كان الصحفيون يحيطون بهما، كما تظهر الصور الفوتوغرافية المآخوذة فى ذلك اليوم.
ما إن حفرت فتحة بالإزميل فى الباب، حتى كان بمقدور كارتر أن ينظر من خلال الثقب وعبر ممر الدخول الذى يليه، الغرفة المفضية إلى غرفة الدفن. جذب كارنافون كارتر من سترته وسأله عما رآه. يقال إنه أجاب قائلا: “أرى أشياء رائعة” أو كلمات أخرى بهذا المعنى، وفعلا أورد لاحقا أنه كان بوسعه أن يرى ذهبا، إذ كان بريق الذهب فى كل مكان.
بلا شك، كان الارتياح واضحا على صوته، لأنه أثناء الانتظار الطويل لمجىء كارنارفون، استحوذت على كارتر مخاوف أن المقبرة قد تعرضت للنهب على الأقل مرة واحدة، إن لم يكن مرتين، بالاستناد إلى إعادة التمليط بالجص عند مدخل المقبرة.
مع وجود أختام الجبانة عليها. كانت عقوبة سرقة المقابر فى مصر القديمة هى الموت بالخوزقة على عصا مثبتة فى الأرض، ولكن لا يبدو أن هذا أخاف الكثير من لصوص المقابر.
عندما دخل كارتر وكارنارفون بالفعل إلى داخل المقبرة، بات واضحا أنها قد تعرضت بالفعل للسرقة بالاستناد إلى حالة الفوضى التى كانت عليها الأغراض الموجودة فى الغرفة المفضية إلى غرفة الدفن، حيث كانت ملقاة مثل ممتلكات فى منزل حديث تعرض للنهب على يد لصوص. وبالاستناد أيضا إلى الخواتم الذهبية الملفوفة فى منديل من القماش والملقاة فى ممر الدخول، التى ألقاها على الأرجح اللصوص الذين إما كانوا فى عجلة من أمرهم للخروج من المقبرة أو أثناء إلقاء حراس الجبانة القبض عليهم. ومع ذلك كان الكم الهائل من الممتلكات الباقية فى المقبرة مذهلا! حتى إن الأمر استغرق من كارتر ومعاونيه معظم السنوات العشر التالية للعثور على المقبرة تنقيبا كاملا وعمل قائمة بكل شىء فى المقبرة. رغم أن كارنافورن نفسه مات بعد ثمانية أيام فقط من فتح المقبرة جراء تسمم الدم، وهو الأمر الذى أدى إلى ظهور قصة “لعنة المومياء”.
العدد الضخم من أغراض الدفن فى مقبرة توت عنخ آمون قاد بعض علماء المصريات إلى التساؤل عما إذا كان من الممكن أن يكون موجودا فى مقبرة أحد الفراعنة الذى حكموا مدة أطول، مثل رمسيس الثالث، ولكن تلك المقابر كانت قد نهبت منذ زمن بعيد، ومع ذلك فمن المرجح أن الأغراض المذهلة التى كانت موجودة فى المقبرة كانت فريدة من نوعها وربما كانت هدايا من الكهنة الذين كانوا ممتنين له لأنه أبطل إصلاحات والده وأعاد الأمور إلى سيرتها الأولى وأرجع السلطة إلى كهنة آمون، وحتى تكتشف مقبرة مصرية ملكية غير منهوبة أخرى فإننا على أى حال ليس لدينا شىء يقارن بمقبرة توت عنخ آمون!!
مقبرة الوزير أخذها الملك!
هذه المقبرة المعجزة كانت مخصصة أصلا لأحد أعضاء العائلة الملكية، وربما كانت للوزير كبير السن “آي” الذى خلف توت عنخ آمون بعد وفاته، ولكن بسبب موت توت عنخ آمون المفاجئ فى الصغر فقد أضيف إلى المقبرة حجرتين كبيرتين واكتملت بذلك المقبرة، لتكون لتوت عنخ آمون، وإضافة تلك الغرفتين سريعا تدل على موت توت عنخ آمون المفاجئ. أما “آي” الذى اعتلى العرش بعد موت توت عنخ آمون لمدة قصيرة فقد دفن فى المقبرة التى كانت – من المرجح – مخصصة أصلا لتوت عنخ آمون، وقد وجدت النقوشات على حوائط مقبرة “آي” مماثلة تقريبا لنقوش حوائط مقبرة توت عنخ آمون.
وقد غلفت وفاة الفرعون الصغير الكثير من الغموض بسبب وفاته فى سن مبكر (19 عاما) وهو أمر غير اعتيادى فى ذلك الوقت، فاتجهت بعض الأراء نحو أن الملك مات مقتولا، حتى أن البعض صنف وفاته بأنها أشهر عملية اغتيال فى التاريخ، وذلك بسبب وجود آثار لكسور بالجمجمة والفخذ.
إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الكسور الموجودة بالجمجمة كانت نتيجة لعملية التحنيط وأن الوفاة جاءت طبيعية بسبب الكسر الموجود بعظام الفخذ، والذى تسبب له فى تلف الأعصاب مما أدى لوفاته، وهذا هو الرأى الأرجح ليس فقط على المستوى العلمى والبحثى، لكن أيضا كنوز توت أثبتت ذلك، حيث وجد بالمقبرة الكثير من العصيان التى كان يتوكأ عليها توت دوما بسبب الإصابة، وكذلك العديد من “مخادع القدم” والتى كانت توضع أسفل قدم توت حين يجلس ليرفع ساقه عليها تجنبا للآلام.
ومما هو جدير بالذكر أن مومياء الملك توت وجدت بداخل تابوت من الذهب الخالص، داخل تابوتين من الخشب المغطى بالذهب موضوعين جميعهم بداخل تابوت من الجرانيب بداخل ثلاثة أضرحة متداخلة مزينة برقائق الذهب!
بنات توت
ومن أهم ما تم اكتشافه داخل المقبرة، والذى لم يلقَ شهرة كأغلب القطع المعروفة، “أجنة توت” وهى مومياوات لأجنة بنات توت عنخ آمون، وقد عثر عليها داخل المقبرة وقام كارتر بإعطائها للطبيب الإنجليزى دوجلاس دري فى عام 1932، وكان الطبيب الإنجليزى فى هذا الوقت يعمل أستاذ تشريح بالقصر العينى، وظلت الأجنة منذ ذلك الحين فى كلية طب القصر العينى حتى عام 2014، حيث تم نقلها للمتحف الكبير لتجهيزها للعرض ضمن مجموعة توت.
كان كارتر قد عثر على صندوق خشبى بالركن الشمالى الشرقى من حجرة الخزانة بمقبرة توت عنخ آمون، وأعطاه رقم 317 فى سجلات آثار المقبرة.
ووجد داخل الصندوق تابوتين موضوعين بجوار بعضهما ولكن أحدهما عكس الآخر، كان بداخل كل تابوت يوجد تابوت أصغر منه، وأخذت هذه التوابيت الأربعة شكل الجسم وصممت بطريقة تشبه التوابيت المجسمة فى النصف الثانى من عصر الأسرة الثامنة عشرة.
وعثر كارتر بداخل التوابيت على مومياوات جنينين حديثى الولادة، ويعد ذلك حدثا فريدا لأنه لم يعثر على مومياوات الأجنة فى أى من المقابر الملكية، ولم يعثر كارتر على أى نصوص مسجلة على الصندوق أو التوابيت أو اللفائف تلقى الضوء على هوية الجنينين ولم يسجل على التوابيت الخارجية سوى كلمة “أوزير” والتى تعنى “المرحوم”.
المومياء الأولى كانت لطفلة أنثى حديثة الولادة ويبلغ طولها من قمة الرأس حتى القدمين حوالى 26 سنتيمترا وعمرها خمسة أشهر، أما المومياء الثانية هى لأنثى عمرها سبعة أشهر ويبلغ طولها حوالى 37 سم.
وجد دوجلاس دري أن المومياء الأولى تخص طفلة حديثة الولادة يقدر عمرها بأنه كان خمسة أشهر، ويبدو أنها ماتت وهى جنين فى بطن أمها لا سيما وأن جسدها لا يزال يحتفظ بجزء من الحبل السرى. أما بفحص المومياء الثانية وجد أنها بنت حديثة الولادة يبلغ عمرها سبعة أشهر، ويبدو أنها ولدت بطريقة طبيعية لأنه لم يعثر على بقايا للحبل السرى مثل الطفلة الأولى، وكان رأسها خاليًا من الشعر.
لعنة الفراعنة
انتشر بين الناس على مر العصور ومنذ اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون قصة “لعنة الفراعنة”، ولهذه القصة أصل وهو أن كارتر وجد على المقبرة جملة منقوشة “سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك”، كما عثر على تمثال فى المقبرة مكتوب عليه “إننى أنا حامى حمى قبر توت عنخ آمون وأطرد لصوص القبر بلهب الصحراء”، ثم تلى اكتشاف المقبرة سلسلة من الحوادث الغريبة فكل الذين مسوه أو لمسوه طاردهم الموت واحدا بعد الآخر مسجلا بذلك أعجب وأغرب ما عرف الإنسان من أنواع العقاب، وهو ما حير العلماء والناس، وجعل الكثير يعتقد فيما سمى “لعنة الفراعنة”.
*منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











