أخبار عاجلة

«الثقافة».. طه حسين يقود ثورة «التفكير» ضد «التكفير»

د.حسين حمودة: المعارك الفكرية قدمت زادًا ثقافيًا لايزال صالحًا
د.كمال مغيث: الاتهامات التي وجهت لطه حسين انحصرت في الثوابت الدينية
مدحت صفوت: نقد التراث والكتابة الجديدة أهم ساحات الصراع

كتب: محمد عبد الرحمن
كانت عشرينيات القرن العشرين تعج بالمثقفين والمفكرين، أحلام الاستقلال وبناء الدولة الحديثة تدور فى مخيلة الجميع، والمستقبل لا يعرف إلا طريقين للوصول إليه، فرض رؤى جديدة أو ترسيخ الرؤى الكلاسيكية. لفيف من الأدباء قادوا مظاهر التوهج والتجديد والانطلاق فى عالم الفكر والأدب، وعكسوا الرغبة فى بناء مستقبل وتشييد بنية ثقافية ترسخت لرؤى حضارية جديدة وتسهم فى نمو النهضة الإبداعية الكبيرة، وعلى أساسها وجد الاختلاف وظهرت المعارك الثقافية.
والحقيقة أن المعارك الأدبية والفكرية لم تكن ظاهرة جديدة فى عشرينيات القرن الماضى، أو فعلا ثقافيا جديدا على المجتمع، فالتاريخ العربى مليء بمثل تلك المعارك الفكرية والمساجلات الكلامية كمعركة جرير والفرزدق، ولا شك فى أن ازدهار الآليات الثقافية فى النصف الأول من القرن العشرين، وتنوع الإصدارات بين صحف ومجلات وكتب، ووجود مساحة عريضة من القراء والمتابعين، شجع ذلك كله حمى الصراع الفكرى والأدبي، واتسمت تلك المعارك بالخصوبة والغنى، فقد أثرت مساحة النقد والفكر والإبداع، وكانت محفزا لظهور مؤلفات أدبية وفكرية عديدة، بل كانت موضوعًا لأطروحات فكرية استلهاما من أجواء تلك المعارك، وتوسيعا لها من دائرة الصحافة إلى دائرة التأليف.
الزخم الفنى والثقافى فى العشرينيات
بالنظر إلى فترة ما بين الحربين العالميتين، نجد زخما إبداعيا هائلا برز فى تلك الحقبة، فخلال تلك الفترة بدأ بزوغ فن السينما، وتطور المسرح واتخذ شكلا جادا وشعبيا، وأصبح بؤرة لتأسيس المسرح بشكله المعاصر، كذلك كانت تلك الحقبة فجرًا لصناعة موسيقى مصرية شرقية خالصة على يد الموسيقار العظيم سيد درويش، ومن بداية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وكذلك كان بداية لنهضة أدبية وفكرية كبيرة، نشطت على أصوات المعارك الأدبية الرنانة التى حملت لواء التقدم الأدبى خلال تلك الفترة بفضل الزخم الكبير ووجود مثقفين كبار منهم أمير الشعراء أحمد شوقى وعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، فضلا عن العقاد وتوفيق الحكيم وأحمد لطفى السيد وغيرهم الكثير.
ثورة 19 والوعى الفنى
تأثير ثورة 1919 كان كبيرا، وفتح مجالا واسعا أمام الطاقات الإبداعية والفنية للانفجار، وبحسب الدكتور محمود الضبع، أستاذ النقد الأدبى الحديث، فى مقال سابق له بعنوان «ثورة 1919 والحالة الثقافية لمصر»كان المناخ ثريا قبل ثورة 1919 التى لم تنشأ من فراغ، وكانت البيئة مهيئة فكريا وثقافيا من خلال التعليم الذى قادته المدارس الأهلية والجامعة المصرية، والتثقيف الذى قادته الصحف والمجلات والدوريات، وتأثيرها على تدعيم الحرية الفكرية ودعم الوعى الثقافى الذى شهد انفجارًا صاحب الثورة، وأعقبها فى السنوات التالية.
من أجل الهوية وبناء المستقبل
يقول الناقد الدكتور حسين حمودة، رئيس تحرير مجلة «فصول»: إن المعارك الفكرية والأدبية، التى عرفتها مصر فى العقود الأولى من هذا القرن، معارك كبيرة ومشهودة، دارت حول قضايا وأفكار مهمة وأساسية، منها ما يتصل بعلاقتنا بموروثنا، وعلاقتنا بالغرب، وأبعاد الهوية المصرية، وتوجهات التعليم.. إلى آخره، وكلها قضايا طرحت ولا تزال تطرح نقاشات متنوعة واختلافات أيضا، واتصلت هذه المعارك باجتهادات شتى، صيغت ونشرت فى مقالات، أو طرحت فى منتديات، وبعضها تحول إلى فصول فى كتب، وأحيانا إلى كتب كاملة.
وأضاف فى تصريحات لـ«القاهرة»: الحقيقة أن عددا كبيرا من المعارك الفكرية والأدبية التى شهدتها العقود الأولى من القرن العشرين، مع طه حسين ومع غيره، قدمت زادا ثقافيا وفكريا تغذت عليه أجيال عدة من المبدعين والمثقفين، وصاغت اجتهادات مهمة، وبلورت أفكارا كبيرة القيمة، لعلها لا تزال صالحة لمجتمعنا وللمجتمعات العربية حتى الآن.
وقد قامت هذه المعارك على أساس مهاجمة الأسلوب القديم المغرق فى السجع والمقدمات والألفاظ القاموسية، وحول غلبة العناية باللفظ على العناية بالمضمون، ويوضح الدكتور حسين حمودة، أنه هناك عدد كبير من أهم المفكرين والمثقفين قد شارك فى هذه المعارك، على تباين توجهاتهم. وارتبطت هذه المعارك، أو أغلبها، بمجموعة من القيم التى كانت تراعى احترام آداب الحوار، ويمكن أن تلمس هذه القيم، بشكل خاص، فى تجربة طه حسين الذى كان مشاركا رئيسيا فى عدد كبير من هذه المعارك، ومن القيم المهمة التى اقترنت بمعارك طه حسين الاهتمام بالدفاع عن أفكار أو تصورات، فى مقابل أفكار وتصورات أخرى، دون حضور أبعاد شخصية فى هذا كله، والانطلاق من أولويات تخص الاهتمام بالثقافة والمجتمع، والبحث عن سبل الارتقاء بهما، بعيدا عن المصالح الشخصية، والانشغال الدائم بأسئلة المستقبل.
التأثير فى ظهور أجيال عظيمة
لقد تحول الإبداع المصرى بعد العقد الثانى من القرن العشرين من الرومانسية إلى الواقعية، وقد أسهمت تلك الحقبة فى ظهور حركة إبداعية وجيل من الأدباء والمبدعين فى كل مجالات الإبداع، حملوا شعلة الثورة ليقدموا أروع الأعمال الأدبية، على رأسهم الأديب العالمى نجيب محفوظ، والذى بدأ إنتاجه فى الثلاثينيات، والأديب يحيى حقي، وكانت بداية بزوغ نجم الموسيقار محمد عبدالوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم، وكتب بداية انطلاقة نجومية يوسف بك وهبى فى السينما.
وازدهرت الصحافة المصرية عقب الثورة فبلغت نحو 19 صحيفة كانت معظمها ملكا خالصا للمصريين، وازدهرت صحافة النقد السياسى الساخرة، وكان من أهم منجزات دستور 1923 ما كفله من حرية للرأى والصحافة، كذلك وازدهرت الفنون، فتم إنتاج فيلم «الخالة الأمريكية» من إنتاج وتمثيل فوزى منيب 1922م، وفى العام نفسه كوَّن بديع خيرى مع سيد درويش فرقة مسرحية، وكتب لها «الطاحونة الحمراء» وتم عرضها فى نهاية العام بتمثيل نجيب الريحاني، واتجه بديع خيرى إلى كتابة الأوبريت لتقديمه على المسرح.
«فى الشعر الجاهلى» والرؤية العلمية
خلال تلك الفترة كانت هناك العديد من المعارك التى أثيرت فى الأوساط الثقافية، أشهر تلك المعارك أزمة كتاب «فى الشعر الجاهلى» لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، وعن تلك الأزمة يقول الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومى للبحوث التربوية: إن طه حسين أصدر الكتاب فى شهر مارس 1926، متأثرا بالنزعة العلمانية التى هيمنت على الدراسات الاجتماعية والإنسانية وشرعت فى إرساء المنهج العقلى الذى ينظر إلى موضوعات الإنسان والمجتمع والسياسة والأدب نظرة مجردة كالعلوم الطبيعية تماما، ومن هنا فالكتاب يتبع منهج الشك الديكارتى الذى يبدأ بفكرة طرح جميع مسلماتنا وأفكارنا خارج العقل.
وأضاف مغيث، فى تصريحات خاصة للقاهرة، أن موضوع الكتاب كان يدور حول فكرة انتحال الشعر الجاهلي، فطه حسين يرى أن الشعر الجاهلى ليس من الجاهلية فى شيء، وإنما هو شعر انتحله المسلمون فى العصر الإسلامى ونسبوه إلى الجاهليين، وإلى هنا والقضية تستحق النقاش وليس فيها ما يثير الناس، ولكن فى سبيل إثبات طه حسين لنظريته ذكر ما يصدم الشعور الدينى لدى الكثير من المسلمين.
ولفت الدكتور كمال مغيث، أن مصر لم تكن قد عرفت هذا النوع من الدراسة العميقة للأدب من قبل، ولا يظن أن معارك الأدب قد خرجت فى العقدين السابقين عن تناول العلاقة بين العامية والفصحى وهل يجوز التعبير بالعامية وخاصة بعد سطوع نجم بيرم التونسى اللامع، أو طبيعة الكتابة الصحفية، أو استخدام بعض الأسماء الإفرنجية فى التعبير، ومن هنا فلم تشهد مصر دراسة عميقة للشعر والأدب من حيث اللغة المكتوبة بها والظروف الدينية والاجتماعية والقومية التى أحاطت بها وصنعتها ومع هذا فإن كثيرا من الاتهامات التى وجهت لطه حسين لم تتناول سوى طعنه فى الثوابت الدينية.
وإزاء تلك الثورة العاتية التى وصلت إلى حد الطعن فى إيمان الرجل واتهامه بالكفر والإلحاد، أرسل طه حسين بيانا مقتضبا لرئيس الجامعة يبرئ نفسه من تهمة الكفر والإلحاد، وانتهت قضية كتاب الشعر الجاهلى ولكن بعد أن أرست مبادئ الرؤية العلمية للأدب بجميع فنونه.
دور التعليم والجامعة المصرية
خلال العقد الثانى من القرن الماضى، نشأت حركة فكرية اعتمدت على محورين أساسيين هما: التعليم والثقافة، حيث تعددت فى هذه المرحلة أشكال التعليم، ولم تعد تقتصر فقط على التعليم الديني، مما أسهم فى خروج جيل من المبدعين ممن تأثروا بالقراءات الإنجليزية والألمانية والفرنسية وقراءة التاريخ السياسى للعالم.
ويوضح الباحث والناقد مدحت صفوت، أن المعارك الفكرية والثقافية بدأت مع الجيل الذى تلقى تعليمه العالى فى المدارس ومن بعدها الجامعة المصرية، التى دشنت مطلع القرن العشرين، ونتيجة للتعامل مع الكتاب والمفكرين الغربيين المعاصرين عبر كتاباتهم المترجمة أو فى لغتها الأصلية، وهو الجيل الذى ينتمى له طه حسين، ومعه أقرانه من الكتاب من رواد جماعة الديوان مثلًا، التى خاضت معركة كبرى مع عميد الأدب العربى منذ أصدر كتابه «حديث الأربعاء».
«حديث الأربعاء» والتيار المحافظ
ويرى مدحت صفوت، أن المعارك الثقافية خلال تلك الفترة تمحورت حول محورين هما: تلقى التراث ونقده، والكتابة الأدبية الجديدة، الأول يتمثل فى أزمة كتاب «حديث الأربعاء» ومعركته التى شهدتها مصر مطلع عشرينيات القرن الماضى، وتحديدا عام 1922، خاصة وأن الكتاب نشر فى جريدة «السياسة» كسلسلة مقالات، وهى معركة ليست مركزية عند من يتناولون تاريخ الأدب العربى، حيث تعددت أطراف معركة «حديث الأربعاء»، إذ دخل حسين سجالًا مع رفيق العظم وعبد القادر المازنى وصادق الرافعي، وغيرهم، فيما رأى حسين أنهم يسبغون على التاريخ الإسلامى صفة من الجلال والتقديس الديني، أو الذى يشبه الدين، وهو ما يحول بين العقل وبين النظر فيه، ويرد طه «أنا أزعم أن القرن الثانى للهجرة كان على شك ومجون، وأزعم أن كل شىء فى هذا العصر يؤيد هذا الرأى».
أما المحور الثانى والخاص بالمحور الفنى، فيوضح صفوت أنها بدأت مع مصطفى صادق الرافعي، الذى مثّل الاتجاه المحافظ فى الكتابة الأدبية، وبلغت السجالات حد العداء بين الرافعى وحسين، فبعدما نشر الأول رسالة العتاب كتب الثانى أن أسلوبها يشبه الأسلوب الذى راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة، وبالطبع يصبح الآن انفصالًا عن الذوق الأدبى السائد، ولم يسكت الرافعى فوصف أسلوب حسين بالركاكة والتكرار ولغته بالضعف والتعسف والإخلال بشروط الفصاحة وقوانين اللغة العربية، لتدور المعركة بين الطرفين، ويردها صاحب الأيام فى نقده لرسالة الأحزان، حتى جاءت معركة الشعر الجاهلي، فاعتبرها الرافعى فرصة للانتقام من خصمه الأدبى.
العقاد وشوقى
واحدة من المعارك التى كرست لمفهوم الشعر خلال فترة العشرينيات، كانت تلك المعركة التى وقعت بين العقاد وأمير الشعراء أحمد شوقي، والتى جرت من جانب العقاد وحده، وتحدث عنها الكاتب الكبير أنور الجندى فى كتابه «المعارك الأدبية فى مصر منذ 1914 – 1939»، والتى بدأها العقاد بمقالاته فى كتابه «الديوان» 1922، حيث تحدث عن رأيه فى شعر شوقى قائلًا: «كنا نسمع الضجة التى يقيمها شوقى حول اسمه فى كل حين، فنمّر سكوتًا، كما نمّر بغيرها من الضجات فى البلد، لا استضخامًا لشهرته، ولا لمنعة فى أدبه عن النقد، فإن أدب شوقى ورصفائه من أتباع المذهب العتيق، هدمه فى اعتقادنا أهون الهينات، ولكن تعففًا عن شهرة يزحف إليها زحف الكسيح، ويضن عليها من قوله الحق ضن الشحيح» «عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازنى: الديوان فى الأدب والنقد»، ويلخص العقاد رأيه فى شعر شوقى فيقول: «فالقصيدة إما بيت حذفه وإثباته سواء، أو بيت حذفه أفضل».
ولم يتوقف نقد العقاد لشعر شوقى عند هذا الحد، بل وصل الهجوم على أحمد شوقى فى عدة مناسبات، حتى فى مناسبة تكريمه بإطلاق لقب أمير الشعراء عليه، حيث كتب العقاد فى عدد صحيفة «البلاغ» الصادر بتاريخ الأول من مايو 1927 مقالاً جاء فيه ما يلى: «إن لنا فى شعر شوقى وفى صاحب الشعر رأيًا معروفًا، لا يحولنا عنه ما يحول الناقدين والكاتبين فى هذه البلاد، أما الشعر فمجمل رأينا فيه أنه لم يرتفع بنفس قارئ واحد إلى أفق فوق أفقه، ولم يفتح لقارئ واحد نهجًا من الإحساس أوسع من نهجه، ولم يعلم أحدًا كنه الحياة، ولا زين لأحد شيئًا من صور الحياة».
وهكذا كانت السجالات الأدبية خلال تلك الفترة بارزة ومتنوعة، ورغم حدتها فى بعض الأحيان، فإنها كانت اشتباكات ثقافية حملت لواء النهضة وأثرت المكتبة الأدبية العربية للأجيال التى جاءت بعد ذلك.

*منشور بجريدة القاهرة