أخبار عاجلة

الدكتور عمار على حسن يكتب: أول اعتراف بالدولة المصرية

عقد العشرينيات من القرن العشرين كان مهما جدا فى تاريخ مصر الحديث وربما المعاصر وقد شهد أحداثا لا تزال بعض آثارها قائمة إلى أيامنا هذه؛ ففى هذا العقد كان المصريون يجنون ثمار ثورة 1919 التى دفعت الوفد إلى صدارة المشهد السياسى والاجتماعى المصرى باقتدار وترتب عليها إنشاء أو سن أو إصدار واحد من أهم الدساتير فى تاريخ مصر وهو دستور 1923 الذى قام على كتابته رجال من كبار المفكرين والمثقفين ووجهاء المجتمع والسياسيين والقانونيين الكبار.
هذا الدستور وضعت فيه مادة (الإسلام هو الدين الرسمى للدولة) ووافق المسيحيون واليهود عليها آنذاك وهذه المادة التى لم تكن موجودة فى الدستور الذى صدر فى القرن التاسع عشر لا تزال قائمة حتى هذه اللحظة غابت فيما بعد فى دستور إسماعيل صدقى فى دستور 1930 الذى أنهى العمل بدستور 1923 لكنها لم تلبث أن عادت مرة أخرى وزحفت لتظل فى الدستور المصرى من جديد ليس فقط الإسلام الدين الرسمى للدولة وإنما (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع) وهذه المادة لا تزال محل أخذ ورد وجدل حتى أيامنا هذه رغم أنها وضعت منذ نحو قرن.
الحدث الثانى الذى أثر تأثيرا كبيرا فى مسار الحياة السياسية فى العشرينيات هو حصول مصر على استقلالها وهذه من المسائل المسكوت عنها أو المنسية أو المهملة عمدا. مصر لم تستقل بعد ثورة يوليو 1952 كما يشاع وإنما استقلت بعد تصريح فبراير 1922 وإن ظل هذا الأمر شكليا لكن على الأقل صار بوسع المملكة المصرية أن تنشئ السفارات فى بلدان العالم المختلفة وأن يكون لها العلم والنشيد ويكون لها الاستقلال حتى لو كان مظهريا.
فى هذا العهد أيضا مات سعد زغلول عام 1927 وفقدت الأمة زعيما من الصعب تعويضه لاسيما فى مراحل النضال الوطنى.
ربما أصبح جمال عبدالناصر فيما بعد عند جمهور عريض زعيما أيضا لكن سعد زغلول صنع على أكتاف الناس وبأيديهم وفترة ولايته الوزارة كانت قصيرة وكانت مصر وقتها واعدة لم تلحق بها هزيمة لذا ظل فى الضمير الوطنى زعيما لا غبار عليه ولم يحدث بشأنه جدل كبير مثلما حدث بشأن عبدالناصر.
فى العشرينيات أيضا كنا على موعد مع تحويل الجامعة الأهلية لجامعة حكومية عام 1925 وكان حدثا كبيرا حيث بدأ التعليم الجامعى فى مصر بشكل حقيقى وموسع وتولت مسئولياته رموز النخبة المصرية التى تشكلت منذ نهاية القرن التاسع عشر ونضجت مع ثورة 19، وبدأت تقوم بدورها الفاعل فى الوطن؛ دخلت المرأة إلى ساحات الجامعة وأخذ تعليم البنات يتسع مع انتشار أفكار قاسم أمين فى أوساط النخبة وبدأت مصر تهتم أكثر بإرسال البعثات إلى الخارج.
وفى عشرينات القرن العشرين حدث أمران كبيران لا يزال لهما أثر فى حياتنا المعاصرة، الأمر الأول يتعلق بإصدار على عبد الرازق كتاب «الإسلام واصول الحكم» عام 1925 وهو الكتاب الذى لا يزال الجدل قائما حوله حتى أيامنا هذه وتكتب من أجله المقدمات وتعقد الندوات وتثار الأفكار وتكتب الأبحاث والمقالات وبعرض الكتاب ويتوالى صدور طبعات كان لى شرف طباعتها وكأنه أحد أبناء هذه الحقبة. إحدى هذه الطبعات كان لى شرف أن كتبت حولها دراسة جاءت فى مقدمة الكتاب وصدر منها عدة طبعات حتى هذه اللحظة.
فى العقد نفسه وفى عام 1926 أصدر الدكتور طه حسين كتابه المهم «فى الشعر الجاهلى» وكانت محاضرات ألقاها فى الجامعة قبل أن يجمعها بين دفتى كتاب .. كتبه فى ثلاثة أشهر فقط وكان يسابق الزمن ويريد أن يقر منهجا جديدا فى الدراسات الأدبية والتاريخ الأدبى والنقد بشكل عام.
أجبر طه حسين على تغيير بعض العبارات والفقرات فى كتابه وأعيد نشره باسم «فى الأدب الجاهلى» لكن ظل المنهج الذى وضعه طه حسين فى هذا الكتاب وكان قد استفاد من سابقيه فى حياة العرب مثل الجاحظ فى «البيان والتبيين» ومثل ابن سلام الجمحى فى كتابه «فى طبقات الشعراء» ومثل ما ورد أيضا فى كتاب «الحيوان» للجاحظ وكتابات أبى العلاء المعرى عن الشعر المنحول وأضاف إليه ما تعلمه من المستشرق نالينو فى جامعة القاهرة وكذلك من أستاذه فى الأزهر سيد المرصفى ومن أساتذته فى السربون فيما بعد الذين تتلمذوا على يديه، كل تلك المعارف انعكست فى كتاب طه حسين الذى فصل فيه وأضاف إليه من قريحته ولا يزال صدى هذا المنهج موجودا فى الدراسات التى تتم حتى الآن.
ومن ثم لا تزال فترة العشرينيات سواء على المستوى السياسى أو الثقافى أو الاجتماعى لها أثر كبير ولا أعرف إن كان هذا الأمر حسنا أم سيئا. على الأرجح أنه أمر يدعو إلى الاستغراب فهو يعنى أن مصر لم تتقدم خطوات كبيرة على مستوى المجتمع أو على المستوى السياسى والقانون أو على المستوى الثقاقى والفكرى.
ربما فى العقود الأخيرة أضيفت أفكار أخرى وقضايا مختلفة لكن المسائل والمشاغل والاسئلة التى أثيرت فى ذلك العقد لا تزال مطروحة ولم تجد حلا ولم تقدم عليها الإجابات الناجعة الشافية.

*منشور بجريدة القاهرة