بقلم: عمرو على بركات
يكشف الحوار الوطنى الحالى الذى أعلن عن انعقاده السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، عن نقطة محورية فى تاريخ بناء الوعى والتنوير السياسى التى مر بها تاريخ الحركة الوطنية المصرية منذ مطلع القرن العشرين، ومن أجل رصد تاريخ الحوارات الوطنية التى اجتازها الحراك الوطنى السياسى فى مصر، وتظهر الصحافة المصرية منذ نشأتها، وقبل عصر ثورة الاتصالات المعاصرة، وقد أخذت على عاتقها عبء تحقيق سبل ومحاور الحوار الوطنى عبر أفكار وآراء رواد الصحافة، والفكر والتنوير فى معانى الوطن، والوطنية، والوحدة الوطنية بين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية، ومذاهبهم السياسية، على نحو كانت للصحافة الوطنية عبر تاريخها دور الحوار الوطنى المستمر من أجل تحديد مفاهيم سياسية أساسية داخل المجتمع المصرى.
الصحف وإيقاظ الشعور الوطنى
منذ نشأة الصحافة المصرية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد اضطلعت بإيقاظ الشعور الوطنى لدى المصريين، ففى العام 1876م، عبر عن ذلك الصحفى السورى المولد، المقيم بالقاهرة، أديب إسحق، (1856-1885 م)، فى مقاله بجريدة “التجارة” قائلاً: “إن جسم المجتمع المصرى قد أخذ فى الحركة والنمو، متغذيًّا بآراء الصحف الحرة القائمة بأمر الوطن، الثابتة على ولائه”، فيعد أديب إسحق من أوائل الصحفيين الذين رصدوا الحوار الوطنى السياسى فى المجتمع المصرى عبر الصحافة الوطنية والخاصة، ولكنه نظرًا لعلاقته بالمفكر التنويرى جمال الدين الأفغانى، وتأثره بمقالاته ومواقفه الجريئة فى جريدتيه “مصر”، و”التجارة” قامت الحكومة المصرية وقتها بغلق الجريدتين ورحل أديب إسحق إلى باريس سنة 1880م، حيث أصدر جريدة باللغة العربية سماها “مصر القاهرة”، وقد اتبعت الصحافة المصرية فى تلك الفترة المبكرة من الحراك حول الحوار الوطنى فى طلائعه أساليب قد تبدو متفقة مع أساليب الحوار الوطنى الجارى.
طلائع الحوار الوطنى فى تاريخ الصحافة
كان الحوار الوطنى كما رصدته الصحف المصرية فى تاريخها المبكر يدور عبر مسارات محددة واضحة المعالم، فكان الاهتمام الكاشف الأول للفكر السياسى المصرى فى هذه المرحلة يهتم بالربط بين العلاقة الصريحة بين حضارة المجتمع ومدى ارتباطها بدرجة الوعى الوطنى عند أفراد المجتمع، وبث روح التضحية لدى الأفراد كسبيل يعتمد عليه الوطن عبر مسيرة تنميته الحضارية، وإن كان مصطلح التنمية لم يكن مدرجًا وقتها ضمن الحوار الوطنى، كما أكدت الصحافة المصرية عند تلك المرحلة على إعلام، وإعلان الشعب بحقوقهم، وواجباتهم تجاه وطنهم، وأخذت الصحافة المصرية منهجًا خاصًّا ببعث الهوية المصرية التاريخية عبر إعادة طرح التاريخ المصرى القديم ومتابعة عمليات التنقيب عن الآثار المصرية، وربط الحاضر بالتاريخ، كما قدمت الصحف مقارنة بين درجة الوعى الوطنى فى دول الغرب، ومثيلها فى مصر، وهناك دراسة إحصائية قدمها رمزى ميخائيل، فى كتابه “تطور الخبر فى الصحافة المصرية”، عن الفترة من 1828م إلى 1881م، حيث كانت الصحف المصرية تعتمد على الصحف الخارجية لتعويض ما لديها من نقص فى الأخبار الداخلية، من أجل الحفاظ على درجة وعى القراء فى مصر بقضايا الحوار الوطنى، ومثيله فى الغرب.
الصحافة المصرية وتوافق قوى المجتمع
أخذت الصحافة المصرية فى إذكاء الحوار الوطنى المستمر، وقد نصبت نفسها راعيًا لحقوق الشعب، فقد نجح الحوار الوطنى الذى تديره الصحف المصرية فى أواخر عهد الخديو إسماعيل فى حسم الصراع بين القوى الوطنية، والسلطة الحاكمة، والقوى الأجنبية، فقد نتج عن الحوار الوطنى الصحفى وقتها أن اضطر الخديو إسماعيل إلى إطلاق حرية الصحافة، ويخضع لنتائج الحوار الوطنى الذى عارض عبر صحفه التدخل الأجنبى، والمطالبة بالدستور، فكان العام 1877م هو العام الذى تبلور فيه مفهوم قيمة الحوار الوطنى وحرية الصحافة كما رصدها سامى عزيز، فى كتابه “حرية الصحافة فى مصر 1798-1924م”، فقد صارت الصحف هى قناة الاتصال بين الحوارات الوطنية بين أهداف الزعامة الوطنية، والشعب، والقيادة السياسية، مدنيين، وعسكريين، فحدث عند تلك المرحلة وفاق عميق بين قوى المجتمع، عبر الصحف.
الصحف المصرية وتاريخ المؤتمرات الوطنية
بعد اغتيال بطرس غالى، بتاريخ 20 فبراير 1910م، حدث فتق كبير بين شقى الأمة المصرية بلغ قمته بعقد المؤتمرين القبطى، والإسلامى “المصرى” فى العام 1911م، للحوار الوطنى ولكن كان لكل انتماء وطنى مؤتمره الخاص، كما يرصده إبراهيم عبده فى كتابه “تطور الصحافة”، حيث بدأ المؤتمر القبطى فى أسيوط يوم 6 مارس 1911م، برئاسة بشرى حنا، وتولت الدعاية له ولفكرته صحيفتا “مصر”، و”الوطن”، بينما دخلت فى الحوار المضاد له صحف “الحزب الوطنى”، وحزب الأمة، بصحيفته “الجريدة”، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، بصحيفته “المؤيد”، وقد انحصرت مطالب المؤتمر القبطى فى اعتبار يوم الأحد عطلة للمسيحيين، وتمثيل جميع العناصر المصرية فى الهيئات النيابية، وتنظيم الشئون الطائفية فى المحاكم الشرعية، والمجالس المحلية، بينما عقد المسلمون مؤتمرهم فى مصر الجديدة، باسم “المؤتمر المصرى”، تأكيدًا على وحدة الأمة المصرية، وقد عبر مصطفى رياض باشا، (1834 – 1911م)، رئيس الوزراء الأسبق بنظرة بعيدة الرؤية حريصة على المصلحة العامة داعيًا إلى الوئام وعدم التعصب، حيث نشرت جريدة “الإجبشيان جازيت” كلمته قبل انعقاد المؤتمر فى جلسته الافتتاحية يوم 29 أبريل 1911م حيث حدد فيها أهداف المؤتمر والمسائل العامة والدعوة للاحتكام لمصالح الوطن، وقررت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الذى يعتبر الجذور التاريخية الأولى للحوار الوطني المنعقد حاليًا، وجعل غرضه النظر فى التوفيق بين العناصر المؤلفة للوحدة الوطنية.
ونتيجة لهذا الحراك السياسي والثقافي والصحفي في هذه الفترة ظهرت صحف ومجلات كانت ولاتزال تلعب دورا مهما في دعم الحوار الوطني كان على رأسها مجلة “المصور” والتي صدر عددها الأول عن مؤسسة دار الهلال بتاريخ 24 أكتوبر 1924، ومن بعدها مجلة “روزاليوسف” التي أطلقتها السيدة فاطمة اليوسف في 26 أكتوبر 1925.
لقد كان لتاريخ الصحافة المصرية دورًا بارزًا فى إذكاء الحس الوطنى، والكيان السياسى المشترك، بدون ميل لأى حزب سياسى أو دينى، فتولدت نتيجة هذه الحوارات الوطنية المستمرة عبر الصحف المصرية لميلاد فكرة الوطنية المصرية التى بدأت فى أكمل مظاهرها منذ ثورة 1919م، حتى ثورة 30 يونيو 2013م.
* منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











