أخبار عاجلة

«وكشفت وجهها».. هدى شعراوي تؤسس لتحرير المرأة المصرية

كتبت: مرام شوقي
فتحت الباب على مصراعيه لأجيال بعدها، مناضلة كانت الوجه الأمثل للتنوير والثقافة والحرية والإبداع. هدى شعراوى التى تصدت لأفكار المجتمع المظلمة وكرست حياتها فى الدفاع عن حقوق المرأة بكافة أنواعها وجاهدت حتى نجحت فى تحقيق ما عاشت تناضل من أجله.
يمكننا التعرف عن قرب عن حياة هدى شعراوى أول ناشطة نسائية مصرية، فى كتاب ألفته حفيدتها سنية شعراوى بعنوان «وكشفت وجهها» الصادر حديثاً عن المركز القومى للترجمة بالقاهرة، والذى صدر أولا بالإنجليزية ثم تمت ترجمته إلى الفرنسية والإيطالية، والعربية من ترجمة نشوى الأزهرى، وتقديم ومراجعة طارق نعمان.
ولدت هدى شعراوى فى 23 يونيو عام 1879 بمحافظة المنيا بصعيد مصر، وكان اسمها عند الولادة «نور الهدى محمد سلطان الشعراوى». تلقت دروسًا منزلية على يد معلمين، وتعلمت اللغات العربية، والتركية، والفرنسية، والخط، والبيانو، وحفظت القرآن فى سن التاسعة وهو إنجاز غير مسبوق لفتاة صغيرة، استمرت فى نبوغها حتى نضجت وأسست الحركة النسائية فى مصر ولقبت بـ«رائدة تحرير المرأة»، وكانت أول رئيسة للاتحاد النسائى المصرى، وأول امرأة تقود مظاهرات فى تاريخ مصر، وأول من خلعت النقاب وكشفت عن وجهها فى عام 1921م أثناء استقبال المصريين الحاشد لسعد زغلول بعد عودته من المنفى، وأول من دعت لإنشاء دور حضانة فى أماكن العمل للتخفيف على المرأة العاملة، فإنها فى الحقيقة هى أم المصريات.
تلك الرحلة يذكرها الكتاب بالتفصيل، كما يوضح كيف اهتمت هدى بحقوق المرأة ونادت بتحريرها من القهر، فدعت إلى رفع سن زواج الفتاة، وحاربت تعدد الزوجات فأسهمت فى وضع قانون يمنع التعدد إلا للضرورة، أيضا لها الفضل فى فتح أبواب التعليم العالى للفتيات، حيث نجحت عام 1908 فى إقناع الجامعة المصرية بتخصيص قاعة للمحاضرات النسوية.
يأتى الكتاب فى 429 صفحة من القطع الكبير ومقسم إلى13 عنوانًا تستكمل فيها حفيدتها سنية شعراوى مسيرة جدتها وتسير على نهجها، حيث كتبت هدى شعراوى مذكراتها فى أواخر أيامها بواسطة سكرتيرها الخاص عبد الحميد فهمي، وبعد وفاتها فى 1947، لم تنشر لأكثر من ثلاثة عقود إلى أن نشرتها «دار الهلال» بتقديم الكاتبة الصحافية أمينة السعيد فى 1981.
اختارت الحفيدة أن تكمل تلك السردية لتبوح بالمناطق المسكوت عنها فى سرد الجدة وإبراز بعض المواقف التى تم إغفالها فى مذكرات جدتها سواء كان عمدا أو سهوا منها فاسترسلت تحكى ذكريات جدتها المخبأة بين طيات الورق والروح والذكريات الحميمة.
أما عن عنوان الكتاب فقد جاء مختلف قليلا عن الكتاب الأصلى الصادر باللغة الإنجليزية لسنية شعراوى الذى كان عنوانه «إسقاط النقاب: حياة هدى شعراوي، نسوية مصر الأولى»، ولكن اختارت المترجمة عنوان «وكشفت وجهها» ليكون أكثر جاذبية.

الطفلة الذكية المتمردة

يبدأ الكتاب بعرض طفولة هدى شعراوى فى بيت والدها محمد سلطان باشا الذى كان فى الخامسة والخمسين عند مولدها، وكان رجلا ذا نفوذ كبير فى المجتمع المصرى والحياة السياسية، وهو مصرى من المنيا وكان شديد الثراء، أما والدتها فكانت من أصل شركسى جِيء بها إلى مصر وهى طفلة. فيعرض كيف تربت وكيف شبت فى بيت ملأه الحزن واتشح بالسواد لفترة طويلة بعد وفاة والدها فى سن مبكرة جدا، بعد أزمة سياسية مر بها أمرضته مرضا شديدا وأدت إلى رحيله مما أثر عليها، ولكن استطاعت والدتها القوية المعتدة بنفسها أن تتولى مسئوليتها وأخيها بمشاركة الزوجة الأولى لسلطان باشا حسيبة.
يوضح الكتاب كيف نشأت هدى الفتاة فى أسرة تتمتع بالسلطة والمال بالإضافة إلى الثقافة فقد اعتاد والدها قبل وفاته عقد صالون أدبي أسبوعي يحضره بانتظام مجموعة من الشعراء والمثقفين، مما جعلها هى وأخوها يقضيان سنوات عمرهما الأولى فى جو ثقافى رفيع المستوى. وقد حافظت السيدتان اللتان توليتا البيت بعد وفاة والد هدى على ذلك الصالون.
كانت هدى طفلة ذكية تقدر قيمة الإنجاز الفكرى وتؤمن أن التعليم فوق كل شيء وكانت متعطشة دائما للتعلم فبدأت القراءة فى وقت مبكر جدا وحفظت القرآن الكريم ولكنها عانت مثلها مثل بنات جيلها الاضطهاد والتميز بينها وبين الذكور وشعرت منذ صغرها بالغضب من الكيفية التى تمحى بها البنات فى الحريم كما لو كن أشباحا، وينتهى هذا الفصل بقصة زواجها فى سن مبكرة ثم انفصالها.

الخطوات الأولى فى العمل الاجتماعى

تحكى سنية شعرواى فى الكتاب خطوات جدتها الأولى نحو العمل الاجتماعي الذي بدأ مبكرا، فأثناء سنوات الانفصال السبع كانت هدى نضجت بشكل كبير وأصبحت على دراية واسعة بالثقافة الشرقية والقضايا الأكاديمية الغربية، ودرست القرآن والعلوم الدينية وقرأت فى التاريخ والأدب الفرنسى، حتى أنها تعلمت الموسيقى وعزف البيانو، مما أهّلها لبناء عقلية مستقلة، فانضمت إلى لجنة لمساعدة تركيا وكانت هذه أول تجاربها فى الحياة العامة، وفى 1908 أنشأت هدى شعراوى أول جمعية خيرية تديرها سيدات مصريات لإقامة عيادة، وبعدها بعام واحد ظهرت مبرة محمد على وأصبحت مقرًا لها. وبدأت مرحلة من النضال نحو حقوق المرأة كحق النساء الصلاة فى المساجد أسوة بالرجال وتعليمهن وتحجيم تعدد الزوجات وقضايا الإصلاح الاجتماعي على الصعيد القومي.

من الشعارات للمسيرات

يستعرض الكتاب أيضا كيفية دخول هدى شعراوى إلى معترك السياسة بعد اهتمامها لسنوات بالعمل الخيرى فقط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وصراعها نحو تحقيق استقلال حقيقى للبلاد، وإيمانها أنه لا يمكن ضمان أى تقدم اجتماعى له قيمة بدون حل سياسي، خاصة مع علاقة مصر المتوترة مع بريطانيا، ولذلك أدركت أنه ينبغى للقضية الوطنية أن تأتى فى المقام الأول.
تحولت هدى خلال تلك الفترة من الشعارات وانتقلت إلى مرحلة تالية للكفاح على أرض الواقع، حيث نظمت مسيرة احتجاج لنساء الطبقة العليا من محيطها وانطلقت فى 16 مارس 1919 المظاهرة التى تضمنت أكثر من ثلاثمائة سيدة مخترقة شوارع القاهرة وكانت رمزًا وتجسيدًا للروح المصرية، حيث شارك فيها مسلمات ومسيحيات ويهوديات من كافة الطبقات.

الاتحاد النسائى أبرز الإنجازات

حرصت هدى شعرواى على السير فى خطوات ثابتة نحو مجتمع جديد يحترم حقوق المرأة، فأنشأت العديد من الجمعيات النسائية وكان تأسيس الاتحاد النسائى المصرى فى 1923 معلما بارزا فى حياتها.
تؤكد سنية شعراوى فى كتابها أن تأسيس مجلة الاتحاد النسائى «ليجيبسان» المصرية الصادرة باللغة الفرنسية كان من أكثر الخطوات أهمية بالنسبة لجدتها، فقد أتاحت لها منبرًا لنشر وجهات نظرها فى القضايا النسوية والسياسية وغيرها من الأمور.

رفضت المساواة في الميراث بين الجنسين

لم تظهر هدى شعراوى حماسا فى نضالها فى بعض النقاط الخاصة بالقضايا الحساسة المرتبطة بالتساوي بين الجنسين، مثل المساواة في الميراث وأكدت شعراوى أكثر من مرة إيمانها بالقيم الأساسية للإسلام، ولكنها كانت تتبنى منظورًا يرى أنه يمكن توسيع نطاق الحقوق المدنية داخل سياق إسلامي من خلال مناقشة القضايا مع العلماء والمشرعين الإسلاميين.

فلسطين جرح فى قلب هدى شعراوى

كانت هدى شعراوى كذلك داعمة أساسية للقضية الفلسطينية فى تلك الفترة الزمنية فعقدت اجتماعا فى 9 يونيو 1936 مع زميلاتها فى الاتحاد النسائى، قررن فيه أن تلك القضية أصبحت من أولويتهن، ونشرت هدى فى مجلتيها بوصفها رئيسة الاتحاد النسائى المصرى ولمؤتمر المشرق نداء إلى كل نساء العالم تدعوهن إلى مساندتهن، بعد أن وجٌهت لها دعوة من منظمات المرأة الفلسطينية والسورية واللبنانية والعراقية تدعوها إلى تمثيلها فى عرض القضية فى المنظمات الدولية وغيرها.
كان مؤتمر التحالف الدولى للمرأة فى دورته الرابعة عشرة 1946 المنعقد فى انترلاكن بسويسرا هو رحلتها الأخيرة، وكان وفد هدى شعراوى هو الوحيد من الشرق الأوسط وكان يمثل رسميا فلسطين وسوريا ولبنان إضافة إلى مصر، وكانت نتائج المؤتمر تاريخية ومثمرة.
وفى 7 ديسمبر 1947 أصيبت هدى شعراوى بذبحة صدرية توفت على إثرها وسط عائلتها، ورحلت واحدة من أهم المناضلات المصريات اللاتى فنين عمرهن للحفاظ على القضية.

*منشور بجريدة القاهرة