من أعظم صور الصداقة.. راغب عياد ويوسف كامل صديقان يتبادلان الوظيفة ليوفرا تكلفة البعثة
كتب: صلاح بيصار
كانت ثورة 1919، أم الثورات المصرية، تعبيرا عن صحوة المصريين من أجل الانتصار لقضيتهم الوطنية الأسمى التى طالبت بجلاء الإنجليز، وارتبطت بازدهار الليبرالية المصرية فى أقوى صورها، بروح الفكر المستنير، وترتب على ذلك تألق الإبداع المصرى فى الثقافة عموما، من الفكر والأدب إلى الفنون البصرية.
ومن هنا، تعد فترة ما بعد الثورة، بدءا من بداية العقد الثالث من القرن العشرين وحتى نهايته «1920-1930»، واحدة من أخصب فترات القرن.
وجاء احتفاء وزارة الثقافة بهذه الفترة من تاريخ مصر، بإطلاق العديد من الفعاليات الثقافية، من أهمها هذا العرض التشكيلى الذى افتتحته الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة بمجمع الفنون «قصر عائشة فهمى بالزمالك»، وضم ما يتجاوز 85 عملا فنيا، لأكثر من عشرين فنانا من جيل الرواد الذين ولدوا أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن العشرين.
وقبل أن نتعرف على روائع الفن التى ضمها المعرض، كان علينا أن نستحضر بعض الأحداث الفنية للعشرينيات، والتى تعد بمثابة صفحات مشرقة من تاريخ مصر الحديثة.
سيدات مصر والحركة الفنية
الفنان راغب عياد، أحد رموز الجيل الأول ممن دخلوا مدرسة الفنون الجميلة، يصور فى كتابه «أحاديث فى الفنون الجميلة فى نصف قرن – 1908 – 1958»، دور المرأة المصرية فى تعضيد الإبداع، حيث يقول: «عندما نتكلم عن فضل السيدات المصريات على الحركة الفنية يجب أن نبدأ أولا بذكر الزعيمة الوطنية هدى شعراوى، ونذكر ما قامت به هذه السيدة فى ميدان الفن، من معاونة ومؤازرة للفنانين والنهوض بهم، وكانت على رأس الحركة النسوية فى قيادة الحركة الفنية، فاحتضنتها من فجر ظهورها فى عام 1919، وقامت مع لفيف من سيدات الأسر العريقة بتكوين لجنة تشجيع الفنانين، وأقيم أول معرض لهم، وشرعن فى اقتناء المعروضات التى تربو على الثلثمائة لوحة وتمثال، بيعت عن آخرها وأخذت مكانها فى قصورهن».
يضيف عياد: «وفى عام 1921 أقيم المعرض الثانى، ولقب هذا المعرض بمعرض الربيع وافتتحه الزعيم سعد زغلول، وهكذا نجحت السيدات فى توجيه الحركة الفنية ورفع الوعى الفنى وتنشيطه بين المواطنين، بواسطة المعارض التى كانت تنظم دون انقطاع عاما بعد عام».
زميلان يطلقان بعثة خاصة
بعد أن تخرج راغب عياد ويوسف كامل من مدرسة الفنون الجميلة عمل كل منهما فى وظيفة مدرس رسم، راغب فى مدرسة الأقباط الكبرى ويوسف فى المدرسة الإعدادية. وبعد أحداث ثورة 1919، شعرا بضرورة استكمال دراستهما بإيطاليا، على يد أساتذتها الكبار، واقترح عياد أن يقوم كل منهما بالتدريس فى المدرستين معا ويسافر الآخر إلى إيطاليا، وقابلا ناظرى الأقباط والإعدادية بعد أن راقتهما الفكرة، فوافقا وشجعاهما وسافر أولا يوسف عام 1921، وزميله راغب يرسل له مرتبه شهريا ولما انتهت مدته عاد إلى مصر، وتولى عمله بالمدرستين وإرسال النقود إلى عياد فى إيطاليا حتى أتم دراسته.
كانت قصة هذين الشابين موضع اعتزاز وإعجاب، لكل من سمع بها، وصورة مثالية لمعنى الزمالة والصداقة والوحدة الوطنية التى تألقت فى أجمل صورها، فلما اجتمعت الدورة الأولى للبرلمان وقف ويصا واصف باشا، وروى قصتهما، ودعا إلى تشجيع الفنون وإطلاق البعثات الرسمية إلى الخارج وكانت بدايتها عام 1925.
تمثال نهضة مصر
فى الحقيقة لم يقدر لتمثال فى تاريخ مصر المعاصرة أن ينال اهتماما شعبيا ورسميا، مثل تمثال «نهضة مصر». ذات صباح سنة 1928، ازدحم سكان القاهرة والأقاليم فى ميدان السكة الحديد «رمسيس حاليا»، يصفقون ويهتفون بحياة بلادهم، حين أزاح الملك فؤاد الاول الستار عن تمثال نهضة مصر، بينما وقف المثال العظيم محمود مختار شامخا مزهوا بالنصب الجرانيتى الذى أبدعته عبقريته من أجل شعبه.
بالإضافة إلى هذا استطاع مختار بأنامله الساحرة تجسيد فكرة البعث وعودة الروح من جديد إلى مصر، من خلال أسلوب من البلاغة التشكيلية جمع بين صلابة البناء وبلاغة الإيجاز، فالفلاحة هى نموذجه الذى تطور به وأودعه إلهامات عصره وهى مصر الحاضر، تقف معتمدة بيدها اليمنى على ماضيها المجيد ممثلا فى أبى الهول الذى يهم بالنهوض، بينما ترفع بيدها الأخرى غطاء رأسها لتكشف عن وجهها: رمزا للتخلص من القيود التى تعوق حركة الأمة ونهضتها.
ومثلما أبدع مختار تمثال «نهضة مصر»، جاءت لوحة «نهضة مصر» أيضا للرائد محمد ناجى، أبدعها فى مرسم خاص يليق بمكانتها، أبدعها فى بيت الفنانين بدرب اللبانة بالقلعة.
حصاد الإبداع
فى المضمار التشكيلى، تميزت فترة العشرينيات بعمق التشكيل والتعبير، فى أعمال فنانين ولدوا مع نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بينهم فنانتين فى طليعة فن المرأة: ايمى نمر، وسوزان عدلى.
وهناك أسماء سطع نجمها، وأخرى لم تأخذ حقها من التعريف بعالمها، وهنا تكمن قيمة هذا العرض الذى يعد اكتشافا للبعض من فنانينا.
يشير الفنان إيهاب اللبان مدير مجمع الفنون إلى ذلك بقوله: «يقدم هذا المعرض بحثا تاريخيا لمرحلة استثنائية تعد بحق مرحلة التكوين الفعلى والقاعدة الصلبة التى ارتكزت عليها الأجيال المتعاقبة من الفنانين المصريين، ويتضمن مختارات من أعمال هؤلاء الرواد الأوائل الذين شكلوا ملامح تلك الفترة الذهبية من مسيرة الفن المصرى»، ما دفع بالفن المصرى فيما بعد إلى هذا التواصل واتساع قاعدته بعد مائة عام.
عرض متحفى
جاءت فلسفة العرض بمساحات من الجمال، تألقت فيه روائع الإبداع، واعتمد على الوحدة فى الإطار العام والتفرد والتنوع والثراء، ما جعل كل عمل يشع بطاقته التعبيرية من خلال خصوصية الخلفيات من المسطحات والإطارات وقواعد التماثيل مع الإضاءات المدروسة وحساب المساحات والمسافات، ساهم فى هذا قصر عائشة فهمى التاريخى بلمسته الكلاسيكية الانيقة، وهنا جاء هذا الحوار التعبيرى بين النحت والتصوير والرسم، وتنوعت الأعمال من اللمسة التاثيرية إلى التعبيرية والرمزية، مع الروح الكاريكاتورية فى بعض الأعمال من رسوم محمود مختار ومحمد حسن.
فمحمود مختار ما زال يعيش بيننا، حياة لا يحدها الزمن، دخل من بوابة التاريخ والخلود بعد أن أطلق الشرارة الأولى فى الإبداع المصرى المجسم، وشكل من الجلباب والملاءة خطوطا منغمة غنية بالدقة والبساطة والاتزان، رسم فيها مصر بملامح القوة والصمود والجلال.
استحضر العرض 30 عملا من أعمال مختار امتدت فى موضوعات عديدة لأيقونته «الفلاحة المصرية» فى حالات وآفاق من التألق التعبيرى، مثل «الحزن» و«الراحة» و«حاملة المياه» و«على ضفاف النيل» و«على شاطئ النهر» و«بائعة الجبن» و«إلى النهر» و«القيلولة» و«العودة من النهر» و«مدخل القرية» و«حارس الحقول». كما يطل تمثاله «عروس النيل»، من وحى فتاة خلال احتفال طقوسى بفيضان النيل فترة حكم الرومان لمصر، مع تماثيله فى الصورة الشخصية لرموز المجتمع مثل راس عبد الخالق ثروت وراس على باشا إبراهيم وعدلى يكن و«شيخ البشارين»، وراس ب.ا.فيس وراس ماجليه، مع أعماله الأخرى من وحى الخيال مثل «ملكة سبأ» و«الفقراء الثلاثة».
أما أحمد يوسف، ففنان قدير من الجيل الثانى يرسم البورتريه والتكوينات البشرية بالألوان الزيتية فى «واقعية متمكنة»، بتعبير الفنان أحمد فؤاد سليم، وهو مؤلف لعدد من الكتب القيمة والمقالات عن الحركة الفنية فى مصر.
أحمد صبرى، رائد الصورة الشخصية فى مصر الحديثة، وتعد صوره بألوان الزيت والباستيل من علامات هذا الفن، صور عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم»، ومن بين روائعه فى الصورة الشخصية لوحة «الراهبة».
فى العرض أربعة أعمال لصبرى، اثنتان 2 صورة شخصية «بورتريه» ولوحة «ذات العقد» واسكتش «بعد المطالعة»، وهو تحضير للوحته الشهيرة.
إيمى نمر، (1902- 1962)، فنانة ذات كفاءة اكاديمية واضحة، فى رسومها عالجت الوجه الإنسانى مثلما عالجت فن المنظر والطبيعة الصامتة، وبتعبير الناقد أحمد راسم: «فن فيه وقار التصوير من صور النوبيين والزنجيات، وصور الفاكهة علاوة على دقتها فى اتباع قواعد الرسم تخلق فى صورها، روحا عميقا يتجلى بالتوازن والانسجام». ولها لوحتان: «الميلاد» و«صورة امرأة».
أما حسين محمد الطيب فله لوحة «عزيزة»، وحسين محمد يوسف صاحب لوحتين بلا عنوان، أولاهما بالرصاص والفحم وباستيل على ورق، والثانية ألوان مائية على ورق.
راغب عياد، فنان طافت ريشته بالأحياء الشعبية والقرى والمقاهى البلدية وحفلات السمر، كما صور الأفراح والموالد الشعبية وحلقات الذكر والرقص الشعبى والتحطيب، وأكملت جولتها فى أديرة مصر القبطية، تشارك الرهبان التقشف والزهد بتعبير الناقد الفنان حسين بيكار، وتعكس هذا المناخ بنفس الزهد اللونى والخطى فى تكوينات غاية فى البساطة، تتميز بطرافة مشبعة بروح صوفية تشوبها زرقة أثيرية ممزوجة برماديات ترابية.
ولراغب عياد لوحة «نافورة» (ألوان مائية)، ولوحة فيلا بورجيزى» (زيت على خشب) و«الزار» (ألوان مائية).
سليمان شفيق فهمى، صاحب لوحة «فى الظلام « (زيت على قماش)، ومحمود إبراهيم تمثال بدون عنوان (طينة محروقة). وسوزان عدلى لها لوحة «زنجية » (زيت على قماش).
وهناك شعبان زكى، من الرواد الأوائل الذين هاموا بالمنظر المصرى وسجلوه فى تصاويرهم، وأعماله تعتمد على تأكيد فكرة الجمال فى الطبيعة والتصوير فى الهواء الطلق. وله لوحة «الغيوم» (زيت على ابلاكاج).
شفيق شاروبيم، ترك دراسة الهندسة وتفرغ للفن حصل على دبلوم من المعهد الملكى بروما، تمتد أعماله من الصورة الشخصية إلى فن المنظر، وتتميز بالبناء المعمارى حين يتناول البيوت والبنايات كما يتناول فى لوحاته بعض الآثار المصرية من الفن الفرعونى. وله لوحة «عارية» (زيت على قماش).
ولعبد اللطيف فهمى لوحة «باب فى روما» (زيت على ابلاكاج). ولعبد المنعم حبيشة لوحة «بخيت» (باستيل على ورق).
على الاهوانى، تخرج فى مدرسة الفنون الجميلة مع جيل الرواد وعمل مدرسا للرسم لفترة وجيزة ثم سافر إلى إيطاليا كأول مصرى يسافر على نفقته لدراسة الفنون. له ثلاثة لوحات: «منظر بشبرا»، و«حى المتولى»، و«حى اللبانة» (زيت على قماش).
على خليل بك صاحب لوحة «طبيعة صامتة» (زيت على قماش). ومحمد حسن، الذى تنوعت أعماله من التصوير إلى النحت وحتى فن الكاريكاتير، وليس أجمل من رائعته «ذات المروحة»، والتى لا يدانيها سوى «ذات المروحة»، للرائد أحمد صبرى مع فارق اللمسة، وله خمس لوحات بين المناظر والبورتريه، هى «بعض الشخصيات فى الاتيليه، (ألوان مائية) و«جبل ماريو» (زيت على قماش)، و«صورة شخصية لعبد الفتاح باشا صبرى»، (تمثال برونز)، و«الممثل زكى طليمات» (زيت على قماش) ولوحته الشهيرة «سيدة بيدها مروحة» (زيت على قماش).
محمد حمدى، لوحة «بدون عنوان» (قلم رصاص على ورق)، ومحمد عباس حلمى، وولى الدين سامح، وهو مصور ومخرج ومؤلف ومصمم ديكور ومناظر سينمائية، اختاره طلعت حرب كمهندس ديكور فى باكورة إنتاج استديو مصر فى فيلم «وداد»، ويعتبر فيلم «لعبة الست» أحد أشهر أعماله، كما قام بإخراج الأفلام التسجيلية منها: المثال مختار – كنوز الفن الإسلامى – هروب العائلة المقدسة – المتحف القبطى – الحياة اليومية عند قدماء المصريين، وله لوحة بعنوان «يونانية» (فحم وباستيل على ورق).
وهناك جورج صباغ، الذى ولد بالإسكندرية لأسرة لبنانية الأصل، عاش صباه وشبابه فى مصر قبل أن يهاجر إلى فرنسا، وصور مناظر طبيعية من الريف المصرى بلمسة تاثيرية، كما عالج بنفس المنهج مناظر أمواج البحر والأجساد العارية، وله لوحة «المناخ الأزرق» (زيت على قماش).
أما محمد ناجى، فارتبط إبداعه بالروح الشعبية الوطنية وجذورها التاريخية عبر العصور الفرعونية والإسلامية، وهو من الرسامين الأوائل الذين طرقوا عدة موضوعات، منها جدارياته التاريخية الصرحية، وبينها مشاهد من الحياة الريفية، وصور الأقصر والقرنة والتراث المصرى القديم الذى عشقه طوال أيامه ورحلته مع الفن.
ولناجى بالعرض خمس لوحات زيتية: «جبل القرنة بالاقصر»، «على شاطئ المحمودية، «وجه الفنان ناجى بريشته»، «مدام جوليت آدم»، و«قط».
وأخيرا، يظل محمود سعيد أيقونة التصوير فى القرن العشرين، فى أعماله تبدو ملامح مصر، خاشعة مثل لوحته «الصلاة»، وتراها مسكونة بالحزن والشجن فى لوحات المقابر، وممتلئة بالخصوبة وقوة الحياة صداحة اللون ومعمارية البناء فى لوحته الصرحية «المدينة».
فى العرض، جاءت أعمال سعيد فى عشر لوحات زيتية بين الصورة الشخصية لأبناء طبقته، ولوحاته لبنت البلد وصور شخصية له، «المصور جورج الخورى»، و«والدة الفنان»، و«سيدة بالرداء الأزرق» و»عارية بالمرسم» و«صديقى بالمحاكم المختلطة» و«زوجة الفنان بالقبعة» و«محمود بك سعيد» و«ابنة شقيقتى» و»أحمد مظلوم» و«صورة شخصية للفنان».
تحية إلى هذا الجيل، جيل الرواد الذى مهد الطريق وجسد روح الحياة ونبض التاريخ، وحفر عميقا فى نهر الفن، وكل التقدير للفنان إيهاب اللبان، وفريق مجمع الفنون.
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..موقع ينقل المعلومة والخبر من كل مكان في العالم وينشر المعرفة والإبداع