كان نور الشريف فنانا مثقفا مجتهدا، كما كان منظما ومرتبا لأبعد درجة، وهذا مدخل مهم لإدراك حجم دوره فى دعم ومساندة العديد من السينمائيين فى بداية مشوارهم، ولا أقصد المخرجين الذين سأركز عليهم فى السطور المقبلة فقط، بل أيضا الممثلين والتقنيين والمؤلفين.
لمست عشقه للانضباط والالتزام فى افتتاح الدورة الثلاثين من مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط فى سبتمبر 2014، حين أبلغنى القائمون على قاعة الحفل، باعتبارى أحد مسئولى المهرجان، بأنه فى شدة الانفعال والضيق بكواليس المسرح.. دخلت غرفته لأجده غاضبا من تأخر بدء حفل الافتتاح عن الموعد المقرر سلفا والمحدد فى الدعوة المرسلة للضيوف، قائلا إن للمسرح – أى مسرح – قدسيته، وللجمهور احترامه.
لم يبد على وجهه الاقتناع عندما قلت له إن التأخير خارج عن إرادتنا كإدارة للمهرجان، وسببه تأخر بعض المسئولين فى الحضور، ولم يبتسم ابتسامته الشهيرة إلا عندما أبلغته بحصول فيلمه «سواق الأتوبيس»، للمخرج عاطف الطيب، على المركز الأول فى الاستفتاء الذى أجراه المهرجان احتفالا بدورته الثلاثين لاختيار أفضل 30 فيلما مصريا منذ انطلاقه عام 1979 وحتى عام 2014، وشارك فيه 30 ناقدا وسينمائيا.
فنان على هذا القدر من الدقة والترتيب والانضباط لابد أنه كان يجرى حسابات معقدة ودقيقة قبل الإقدام على أى خطوة فى مشواره، فما بالك بالتعامل مع مخرج جديد فى عمله الروائى الطويل الأول، سواء كمنتج يغامر بأمواله ويضخها فى مشروعات سينمائيين شبان ليس لهم تجارب سابقة تضمن الاستثمار فى أفلامهم، أو كنجم يغامر بتاريخه الطويل ويضعه بين يدى مخرجين على أول الطريق يخشى أقرانه من النجوم التعامل معهم.
ورغم كل الحسابات، كانت خطواته المدروسة تقوده دائما إلى الانتصار للدماء الجديدة ودفعها حتى تسرى فى شرايين السينما المصرية، ليستحق لقب «رجل البدايات»، ولينضم إلى قائمة قصيرة جدا من النجوم الذين أعادوا ضخ ما ربحوه من صناعة السينما فى الصناعة نفسها، وفى أوقات صعبة كانت تمر خلالها بأزمات، وكان الربح خلالها غير مضمون.. والأهم: أنه لم يلجأ لأى خلطات تجارية مُجرَّبة فى الأفلام التى أنتجها، ولم يحم حتى رأسماله بمخرجين مخضرمين يعرفون خبايا السوق، بل دفع عدة مرات – بجرأة وشجاعة – بمخرجين يعملون لأول مرة، وكان له فضل تقديم أسماء صارت فيما بعد من أهم صناع السينما المصرية، مثل محمد خان فى فيلم «ضربة شمس» «1979»، وسمير سيف فى «دائرة الانتقام» «1976»، ومحمد النجار فى «زمن حاتم زهران» «1986».
وكان نجما كبيرا عندما وثق فى موهبة المخرج عاطف الطيب وقام ببطولة أول عملين من إخراجه: «الغيرة القاتلة» والفيلم الأيقونى «سواق الأتوبيس» «1982»، وكذلك مع المخرج داود عبد السيد فى أول أفلامه «الصعاليك» عام 1985.. وظلت مسيرة الدعم مستمرة حتى شارك فى إنجاح فيلم المخرج مروان حامد الأول «عمارة يعقوبيان» «2006»، فضلا عن تقديمه عصارة خبرته فى نهايات المشوار لدعم العديد من المخرجين الشبان الذين كانوا قد بدأوا مسيراتهم بالفعل مثل محمد ياسين فى «دم الغزال» «2005» وساندرا نشأت فى «مسجون ترانزيت» «2008» وأمير رمسيس فى «بتوقيت القاهرة» «2015»، وهو آخر أفلامه.
كان، فى جميع المراحل، حلا سينمائيا مثاليا للمخرجين الباحثين ليس فقط عن الأداء، ولكن أيضا عن الممثل المثقف الذى يفهم ما يقوله ويستوعب الدور الذى يلعبه، ويستطيع الأداء بأكثر من طريقة ووفق أكثر من منهج، سواء بفضل الموهبة التى يملكها أو المرونة التى يتمتع بها، والأهم: بفضل اجتهاده الشديد فى عمله، وقراءاته اللانهائية، ودأبه على المذاكرة المستمرة ليتفوق على أقرانه.. ويعرف الوسط السينمائى كله أمر كشكول الشريف الشهير الذى كان يسجل فيه مشاهداته وملاحظاته على من يقابلهم فى الشارع، خاصة الشخصيات غريبة الأطوار، إلى درجة تسجيل «اللزمات» الحركية الخاصة بهم للاستعانة بها فى أدواره، ومنها «لزمة» حركة الرقبة الشهيرة التى استخدمها لأداء شخصية «كمال» فى فيلم «العار» «1982».
لذلك أنجز ما لم ينجزه غيره من الممثلين، وجمع الكثير من الأشتات.. سيظل من المدهش – على سبيل المثال – أن يكون قد عمل مع حسن الإمام ويوسف شاهين وتميز مع كل منهما، وأن يكون ممثلا مفضلا لشاهين وكذلك لعاطف الطيب ومحمد خان – مع اختلاف كل من هؤلاء المخرجين عن الآخر، وأن يؤدى الأدوار الكوميدية بنفس التمكن الذى يجسد به الشخصيات التراجيدية، وأن يترك بصمة فيما يسمى بالأفلام التجارية لا تقل وضوحا عن بصمته فى التجارب المختلفة التى تضع الجانب الفنى فى المقام الأول، وأن يحقق فى المسرح والتليفزيون نفس النجاح الذى حققه فى السينما، ليس فقط كممثل، ولكن أيضا ككاتب ومخرج.
ولذلك أيضا كان من الطبيعى أن يصبح من أطول النجوم عمرا فى تاريخ السينما المصرية، فقد بدأ نجما فى منتصف الستينيات من القرن الماضى ورحل نجما فى 2015، أى حافظ على مكانه ومكانته ما يقرب من خمسين عاما.
*منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











