كتبت عنه أكثر من مرة، وتحدثت أيضا فى لقاءات تليفزيونية عديدة عن الفنان الكبير نور الشريف لما أحمله فى عنقى بشكل شخصى من أفضال لذلك الفنان الذى فتح باب السحر أمام عينى سنة ١٩٩٣ كنت شابا يافعا أناهز الثانية والعشرين من عمري، فى ذلك الشتاء فى الصباح الباكر التاسعة تحديدا فى كافيتريا الهناجر، كانت القاهرة مختلفة وكل شىء مختلف، كان يقترب من الخمسين تحديدا فى السابعة والأربعين من عمره، فى عنفوان نضوجه الفنى يبتسم ابتسامة ساحرة وعيونه تلمع تحت نظارته الرقيقة ويسألنى أسئلة متتابعة عن القراءة والتاريخ المصرى القديم والمسرح وأنا أرد فى حماس وهناك داخلى شاب آخر فخور وسعيد باللقاء. شاب يقوم بتصوير المشهد صوت وصورة لكى أحكيه لنفسى مرة أخرى فهى فرصة لن تتكرر ثانية، ولكنها تكررت وامتدت تلك القصة الفنية بيننا من لحظتها وحتى انتقاله رحمة الله عليه سنة ٢٠١٥.
اثنان وعشرون عاما من الصحبة والتعلم مع فنان لم يكن مجرد ممثل عظيم أو نجم كبير أو منتج أخرج من جيبه الخاص نقودا كثيرة لينقلها إلى إنتاج الأفلام التى يحبها، أو مخرج سينمائى ومسرحى يحقق أحلامه التى لا تنتهى، أو مكتشف لكبار المخرجين والكتاب والممثلين ولكن كان إنسان كبير يملك رؤية للفن وللعالم من حوله.
نقفز بالزمن سنتين الآن نحن فى شتاء 1995 وقت مهرجان القاهرة السينمائى وها أنا فى بيته فى المهندسين على موعدى معه كان يقدس المواعيد. وكان يوم مشهود يوم عرض فيلمه «ليلة ساخنة» للمخرج عاطف الطيب، وكان لقائى الأول والأخير بالأستاذ عاطف الطيب قال لى كلمات مقتضبة:«نور الشريف بيحبك وبيقول عليك موهبة كبيرة..هو اللى اكتشفنى على فكرة». وانصرف سعدت جدا بكلماته القليلة ونور الشريف يتابع، قالها بجدية دون أن يبتسم وسألت الأستاذ نور لماذا لا يبتسم أردف الأستاذ:«هكذا عاطف جاد وصادق».
وشاهدت الفيلم وخرجنا كان الأستاذ سعيدا جدا بعمله الجديد وفى طريق العودة هتفت له بحماس: «نفسى أعمل فيلم سينما عن كذا»
ارتجلت فكرة وقصة عجيبة لمجرد أن الفيلم والحالة جعلونى فى حالة إثارة وأريد أن أصنع سحرا مثلهم ابتسم لى وقال: «يا عبدالرحيم شايف الفندق اللى هناك ده ؟»، اشار إلى فندق كبير شهير وأكمل وصف قاعة كبيرة داخله وصفها وصف دقيق وختم كلامه: «لو متعرفش الموضوع اللى بتكتب عنه أوى بكل تفاصيله ما تكتبش»، وساد بعدها الصمت العاقل وكان درسا كبيرا لم أنساه.
وظلت العلاقة الفنية وتوالت الدروس يأتى صوته عبر الهاتف ليلا متأخر ويهتف: «قريت كتاب كولن ولسن العتف… تجيبه الصبح وتقراه ونتقابل بكره فى المكتب»، ونلتقى ويمتد الحوار.
قلت له منتشيا بعد نجاح مسلسلنا «الرحايا حجر القلوب»: «الصحافة. بتكتب عن المسلسل حلو أوى أوى»
ابتسم وربت على كتفى وقال: «وممكن فى عمل تانى يشتموك لا تفرح بالمدح ولا تزعل من الشتيمة المهم أنك تكمل» …
بعد عرض «الخواجة عبد القادر» بطولة دكتور يحيى الفخرانى هاتفنى وقال: «ألف مبروك يا قريبى» هكذا كان يصفنى بلكنة صعيدية «حلو أوى الخواجة»، كان يتحدث بحب حقيقى.
لامنى فى أول طريقى على التأخر فى الموعد وقال لى الميعاد هو أهم شيء. وحذرنى كثيرا من الكتابة يروح الهواية وكان يدفعنى دفعا للاحتراف المنظم.
سمعت يوما من صديق أنه تحدث عنى فى برنامج ومدحنى فشكرته بعدها وقلت له: ألف شكر أن حضرتك قلت أنى تلميذك، فرد بحدة: «محصلش..أنا قلت أنك ابنى».
فى عيد ميلاده الأخير هاتفته وكان صوته واهنا جدا، وانتهى بيننا الكلام ولم ينتهى أبدا داخلى نور الشريف الفنان العظيم الذى سأظل مدينا له بالكثير بل بكل شىء فى ذلك العالم الساحر المسمى بالفن فقد كان بابا كبيرا من أبوابه.
*منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











