أخبار عاجلة

“مثل أذني كلب”.. قصة محمد زهران من مجموعة “هندسة العالم”

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب”المعرض”، قصة “مثل أذني كلب”، للكاتب والقاص الراحل محمد عبدالمنعم زهران.

والقصة من مجموعته الأخيرة “هندسة العالم”، الصادرة عن دار منشورات المتوسط.

“مثل أذني كلب”

كنت أعتقد أنها كانت تكرهني يا “جي جي”، ولهذا بدأت         أكرهها بدوري.

تأكدت أن “بدور” هي المصدر الوحيد لانتشار خبر طلاقي في العمل؛ لأنهم عرفوا تفاصيل كنت مندهشًا من قدرة أي أحد على الاطلاع عليها. في الليلة الماضية خرجت زوجتي بعصبية وهي تحمل حقيبتها، فأغلقتُ الباب وراءها وبدأتُ في إغلاق كل النوافذ وكأنني أخشى تسللها مرة أخرى للداخل، وعند النافذة المطلة على الشارع لفت انتباهي وجه “بدور”، رأيت عينيها تظهران وتحدقان في زوجتي وفي الحقيبة بينما تقف وراء شيش شرفتها المقابلة، اختبأت بدوري وراء شباكي وراقبتها تختلس النظر لزوجتي على الرصيف تنتظر تاكسي. بعد أن غادرت زوجتي، فتحت بدور شرفتها، ورأيتها تراقب نوافذي، تقترب وتمد عنقها لتنصت لأي صوت يصدر من شقتي. من الأمور البشعة في هذه الحياة، أن تكون زميلتك في العمل جارتك أيضًا وفي العمارة المقابلة تمامًا. الأكثر بشاعة أن يكون لديها فضول شديد تجاهك أنت تحديدًا.

في اليوم التالي في اللحظة التي دخلت فيها المكتب، لاحظت صمتاً حلّ على الجميع، فخمنت أنهم كانوا يتحدثون عني. جلست على مكتبي وكنت أشعر أنهم يراقبونني، عندما رفعت وجهي لمحاولة إنهاء هذه الحالة، بادرتني زميلة بالسؤال عن أحوالي، وباغتتني فجأة بسؤال “كيف حال زوجتك؟”.

في الأوقات العادية يبدو هذا السؤال نادرًا وفي معظم الأحوال يأتي بمناسبة ما، كأن تكون زوجتي مريضة مثلاً، لم يكن السؤال طبيعياً، وعندما التفت إلى بدور رأيت وجهها السمين يستدير بعيدًا، كأنما تتجاهل كل شيء، بدا لي يا “جي جي” أن شحمتي أذنيها تتحركان كشحمتي أذني كلب لتترقبا خروج إجابتي، قلت بابتسامة إنها سبقتني إلى أسوان بالقطار لأنها تخشى الطائرات، وإننا سنقضي إجازة منتصف العام في دفء أسوان، وأضفت باستعراض أنني سأستقل طائرة الغد. تحولت كل العيون إلى بدور، فتجاهلتُ وجهها الذي انخطف ناحيتي، كما تجاهلت نظرة الصدمة التي صوبتها إليّ، ولكنني لم أكتف أبدًا، أجريت اتصالاً ووضعت هاتفي على أذني ” ألووو.. آه كيف حالك يا حبيبتي.. هل القطار مريح؟ جميل.. سأكون معك فجر الغد” خرجت وأنا ما أزال أتحدث، وفور أن خرجت ساد ضجيج في غرفة المكتب، وعندما دخلت مرة أخرى، رأيتها تنظر إليّ ككلب غاضب، وكنت أبتسم لها، ولكنها أدارت وجهها بعيدًا.

في يوم تالٍ حضرت زميلة جديدة إلى مكتبنا، كانت جميلة جدًا، وكعادتي بدأت أتعرف إليها بصورة مباشرة، وبدأ حديث متواصل بيننا، كنت أعتقد أنها تنظر إلينا، وحين التفتُ فجأة نحوها رأيتها تنظر في المسافة الفاصلة بيننا، وشعرت بأذنيها تميلان باتجاهنا كأذني كلب لتنصت.

أتمنى أن أعرف ما تريده مني تحديدًا؛ لأنني بدأت أتذكر أشياء كثيرة كانت تحدث ولم تكن تلفت انتباهي، كنت أعتقد أنها مصادفات محضة، كأن أخرج للسوق لشراء كرنب أخضر وفي اليوم التالي أراها تضع طبق محشي الكرنب أمام الزملاء. أتذكر أيضًا عندما عدت متأخرًا جدًا لشقتي، واندلع شجار بيني وبين زوجتي، كان صوتنا مرتفعًا، وفي الصباح دار جدال في المكتب حول الأزواج الذين يتأخرون ليلاً، والزوجات اللاتي يحِلن حياة أزواجهن إلى جحيم لا يطاق، بدأ الزملاء في سرد حكايات تخصهم، أو تخص أقرباء لهم، أحسست على نحو غريب بأنهم كانوا ينتظرون أن أتكلم، ولكنني لم أفعل، راقبتهم فقط مبتسمًا.

كما لم أفهم أبدًا نصيحتها البسيطة لي بأن أبدل دواء السعال الذي أتناوله، قالت إن “كوديلار” ليس فعالاً! كيف عرفت نوع الدواء الذي أتناوله دون أن أذكره؟!

في نهاية الأمر فهمت أن بدور تراقبني، تراقبني كرادار على تبة عالية! لذا بدأت أتخفى كجندي يتحرك في خندق، أتحدث في الهاتف بصوت منخفض جدًا، أحكم إغلاق النوافذ في الشقة، وعندما أشتري شيئًا أحرص على أن أضعه في حقيبة مشتروات سوداء. وفي يوم تالٍ كان الحديث في المكتب عن الكآبة التي يشعر بها المرء في حياته الصعبة، حدقت فيها بغيظ وأوشكت أن أشتمها، لقد كنت مكتئبًا فعلاً!

فجأة ماتت، عرفت أنها ماتت في الصباح، فأصابتني صدمة، لم تكن مريضة، كانت قوية ككلبة ناضجة يا جي جي، من نافذتي راقبت نعشها يوضع على سيارة وتتحرك بها إلى المقابر، حولها أقارب وجيران وبعض زملاء العمل، كان من المفترض أن أكون معهم، ولكنني اعتقدت أنني استرحت منها أخيرًا.

في العمل ارتدت الزميلات ملابس سوداء، وبكين بألم حقيقي، لم أستطع أن أبكي. أصبح مكانها خاليًا، لأيام تالية لم يجرؤ أحد على أن يجلس مكانها. أعادوا ترتيب حجرة المكتب ليتمكنوا من استعمال مكتبها. حتى هذه اللحظة لم أكن أفهم سر رغبتي في شراء كلبة، كنت أكره الكلاب يا جي جي، هل تزمجرين الآن ويرتعش ذيلك لأنني قلت إنني كنت أكره الكلاب؟! تعرفين أن الأمر اختلف الآن، هل تعتقدين أنها كانت تحبني يا “جي جي”؟!

اختفت كل أخباري عن المكتب، أخيرًا أحسست بحرية أن أكون شخصاً ما يجلس على مكتبه. لكنني كنت أجلس وعيناي ثابتتان على مكانها المعتاد، زاويتها في النظر تجاهي، حيث بإمكان عينيها أن تراقباني، وعندما تكلمت لم تكن هناك عينان تراقب نظراتي، لم تكن هناك أذنان تتجولان بيني وبين من أحادثه، بدا وكأن الرادار العسكري الذي يراقبني قد اختفى بفعل غارة جوية مفاجئة، أحسست أنني جندي خرج من خندقه العميق أخيرًا. لم يكن هناك أحد ينصت أو ينظر، لم يكن هناك شيء أبدًا. وعندما بدأ حديث الزملاء يتجه نحوها، أحسست بأذني تتحركان لتلتقطا كل كلمة، كنت أنظر بعيدًا، وأذني تتجول بين المكاتب، تقريبًا أحسست بهبوط مفاجئ ينتابني فغادرت.

في شقتي كنت أقف طويلاً أمام شرفتها المغلقة، وفي هدوء الليل أتجول وحيدًا في البيت، أنصت لأصوات تأتي من الشقق المجاورة، وتلك في العمارات المقابلة، أدهشني أن الأصوات واضحة جدًا، كانت بدور تعيش وحيدة أيضًا.

في الصباح لم أتمالك نفسي، ارتديت ملابسي وهبطت سريعًا وبدأت أدور في الشوارع، لم أفهم أبدًا إلى أين يا جي جي، ولكنني أردت أن أعدو فقط، لا أفهم كيف ومتى التقطتُ رائحتها، فعاودت الجري في شوارع أخرى تفضي إلى مقبرتها، وأمام قبرها جلست على ركبتي، ويداي على الأرض، أبكي ككلب.