إن أى منجز حضارى من بناء وتشييد وتصنيع وزراعة وما إلى ذلك لا يكتمل أبدا ولا يستمر إلا ببناء الإنسان ووضعه فى منظومة ثقافية تجعله قادر على إنتاج المعرفة والحفاظ على المنجزات، ولعل مصر فى أمس الحاجة الآن لوضع رؤية واستراتيجية كاملة لإعادة صياغة الشخصية المصرية لتكون قادرة على إنتاج الحضارة مرة أخرى ولعل هذا المقال يضرب معولا فى هذا المضمار.
فى الحقيقة قبل التفكير فى مشروع قومى للثقافة المصرية؛ يجب أن نفكر أولا فى آليات التنفيذ، حيث أننا دأبنا فيما مضى على وضع النظريات والمشاريع والتصورات التى تبدو مثالية على الورق، ثم ما نلبث أن نكتشف أن هناك معوقات أكثر مما تخيلنا على أرض الواقع؛ قد تعصف بكل شىء، ولذلك فحرى بنا أن نبدأ بالتفكير بحلول مبتكرة خارج الصندوق، حلول ثورية وحقيقية وعلى ذلك لنبدأ فى وضع الهيكلة اللازمة للتنفيذ والآليات قبل التخطيط لهذا المشروع، قد يبدو ذلك عجيبا ومخالفا لأبسط القواعد ولكن نحن اتفقنا منذ البداية على التفكير بشكل غير نمطى وغير تقليدى، وعلى ذلك فان الاقتراح المقدم منى هو بناء هيكل التنفيذ أولا ولان الثقافة هى مشروع قومى تنموى تنمى المناعة الداخلية للمجتمع ضد التطرف والإرهاب والامراض الاجتماعية فيجب أن يشمل الهيكل التنفيذى مجموعة وزارية كاملة وألا يكون العبء وحده على وزارة الثقافة وحدها لأن التردى الذى حدث فى مصر فى الثقافة له أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية متشعبة ليس لوزارة واحدة أى كانت قوتها وتأثيرها ومصادرها أن تتحملها، ولذلك فيجب أن يكون الهيكل التنفيذى لأى مشروع ثقافى كبير أن يشمل كل الوزارات المعنية فى مجموعة عمل واحدة ينتخب رئيسها ويتبع هذا الكيان منظمة الرئاسة مباشرة أو مجلس الوزراء، وأن تشمل هذه المجموعة الوزارية كل من وزارة الثقافة والإعلام والشباب والرياضة والتعليم والتعليم العالي، وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، ووزارة التضامن الاجتماعى بعضوية الوزراء المعنين وبعض من مستشاريهم وكبار الموظفين الفاعلين فى الوزارة وعلى أن تشمل العضوية بعض من الشخصيات الثقافية الفاعلة التى تملك مشروع حقيقى بعيدا عن الشهرة أو التكالب على المناصب وقد يشمل ذلك بعض الفنانين والأدباء الذين يجيدون العمل داخل فريق والدارسين لعلوم الإدارة الحديثة ولديهم قدرة على الإنجاز الحقيقى ومن ثم يكون الاختيار حسب معايير دقيقة تصب فى المصلحة مهما كان موقف العضو من الشهرة أو من التحزب السياسى لكن الاخذ بالعلوم الحديثة كالتكنولوجيا وبعض من المهارات الذاتية فى التفكير وبلورة الأفكار والابتكار هو المعيار الأوحد، كما تضم هذه المجموعة بعض من رجال اعمال القطاع الخاص وعلماء الاجتماع وعلماء النفس مما لديهم باع فى الأبحاث الخاصة بعلم النفس الجمعى ودراسة الظواهر الاجتماعية وإعادة توجيهها لصالح هذا البلد. ولعل السؤال هنا لماذا القطاع الخاص؟ ببساطة لأن القطاع الخاص له نمط مختلف فى التفكير وحل المشاكل بعيدا عن البيروقراطية، كما أن له اتصالات خارجية وداخلية قد تسهم بشكل حقيقى فى إنجاز الأعمال.
الخطوة الثانية فى طريقتنا تلك هى عمل لجنة متابعة لمراجعة مدى ملاءمة القوانين لطريقة التنفيذ تلك لان آفاتنا فى مصر هى عدم زيارة القوانين ومحاولة تعديلها لسنوات طويلة حتى لو انتهت صلاحيتها وأصبحت غير ملائمة للواقع وغير قابلة للتنفيذ مما يدعو الناس للالتفاف حولها، لأنها تصبح قوانين معوقة وليس منظمة بعد فترات طويلة.
تكون هذه اللجنة لجنة متابعة وتطوير وتعمل على تذليل العقبات التى تظهر فى الطرق كما يكون لديها القدرة على التقييم الحقيقى لان تقييم العمل الثقافى والمنتج الثقافى فى غاية الصعوبة لأن النتائج هنا غير مادية ولا يمكن حصرها أو عدها ولذلك جاء تقييم المنتج الثقافى هزيل فيما سبق بإحصاء المنجزات على أنها كم مكتبة فتحت أو كم مسرح وقصر ثقافة لكن كم طفل قرأ كم شخص تثقف كم عادة سيئة تخلصنا منها، مقدار الوعى المجتمعى تجاه قضايا معينة، لا معايير لذلك عندنا وبالتالى فنحن بحاجة إلى دراسة المعايير العالمية فى تقييم المنتج الثقافى ودراسة حركة المجتمع وعلى هذا الأساس فإن علماء الاجتماع والاحصاء المجتمعى لابد من حضورهم. بهذا نكون قد كونا الهيكل وليتساءل سائل وأين المشروع ذاته ولعلى اذكركم هنا أننا نعمل من الخلف للأمام للأسباب التى ستضح فيما بعد، على هذين اللجنتين العمل أولا، المجموعة الأولى فى التنسيق بين الوزارات واختيار الأعضاء وانتخاب الرئيس وتحديد المسؤوليات وتحديد آليات رفع التقارير للمستوى الأعلى أى كان، أما لجنة المتابعة فعليها وضع المعايير التى سيتم على أساسها التقييم وتقديم الاحصائيات عن الحالة الثقافية الحالية ونقاط ضعفها وقوتها وكيفية مواجهة التحديات وبعد الانتهاء من تلك المهام
تأتى الخطوة الثالثة وهى اختيار لجنة الحكماء الذين سيرسمون الخطة الثقافية الاستراتيجية لمصر والتى لا بد من اختيارها بعناية ليس من مثقفى البلد وفنا نوها ولكن من كفاءات تعمل بالآيات والعلوم الحديثة ولديهم القدرة على الإنجاز وليس المناقشات التى لا تنتهى واعلاء الذات وشهوة الحديث لجنة الحكماء هذه تتكون من 15 عضوا بحد أدنى يتم اختيارهم على أساس معايير دقيقة وضعت مسبقا من اللجنتين السابقتين، وعلى لجنة المتابعة متابعة وضع الخطة وتعديل أساليب التقييم الثقافى حسب المستحدثات وعلى لجنة التنفيذ او المجموعة الوزارية تحديد آليات التنفيذ اثناء إعداد الخطة وليس بعدها. بهذه الطريقة يكون لدينا هيكل قوى قادر على التنفيذ والمتابعة للخطة التى سيرسمها مجلس الحكماء والمنظرين. أما عن الخطة ذاتها فلدى بعض المقترحات التى قد تدخل فى صلب خطة متكاملة يضعها مجلس الحكماء ومنها فى نقاط سريعة.
•تفعيل دور قصور الثقافة والثقافة الجماهيرية وربطها بالمجتمع وبالمدارس من خلال برتوكولات بينية
•تفعيل مسرح المدرسة والجامعة بشكل فعال وربطه بالإعلام وتقديم الدعم التقنى والفنى واستقدام فنانين من المسرح الخاص للمساهمة وتسليط الضوء عليه
•تدريس مادة الإبداع والابتكار والبرمجة للأطفال فى المدارس وتقديم مشاريع يسهم فيها القطاع الخاص
•التوسع فى عقد المؤتمرات الأدبية والفنية فى كل محافظات مصر ودعوة أدباء وفنانين عالميين ودمج النشاطات مع المجتمع المدنى
•تدريس مواد خاصة بالمهارات الشخصية مثل مهارات الاتصال ومهارات تقديم العروض والتخطيط ومبادئ إدارة المشروعات فى المدارس وبدء من المرحلة الإعدادية
•دعم السينما المستقلة وعرض الأفلام الجيدة فى دور السينما قبل الأفلام كما كانت الجريدة المصورة تعرض وتخصيص جزء من الإيرادات لأصحاب الأفلام المستقلة وكذلك المساعدة فى بيعها للقنوات الفضائية من خلال مسابقات لضمان جودة الأفلام
•فتح مدارس فنية خاصة بصناعة السينما لتخريج الفنيين العاملين فى الإضاءة وحركة الكاميرا والديكور وغيرهم من الفنيين فبعض الأقسام كالخراطة والنجارة فى المدارس الفنية الحالية لم تعد مجدية مجتمعيا.
•دعم الترجمة من اللغات الأخرى ودعم ترجمة الادب العربى والانفتاح على ثقافات العالم من خلال استقدام أدباء وعروض وفنانين ودمجهم فى الحركة الفنية والثقافية المصرية لحدوث حالة من التلاقح الثقافى مع العالم
•تسهيل إجراءات الحصول على تصاريح تصوير الأفلام العالمية فى مصر ودمج الفنيين المصريين فى كرو هذه الأفلام
•استحداث ثقافة الكرنفالات والاحتفالات الشعبية فى الشوارع فى أعياد المحافظات والاهتمام بالفنون الشعبية وبالطابع الثقافى والجغرافى للمحافظة بما فى ذلك المنتجات والحرف اليدوية والمساعدة فى تسويق المنتجات داخل وخارج مصر
•تدريس الفنون المختلفة فى المدارس وعدم الاكتفاء بالرسم فيمكن فى المراحل الإعدادية والثانوية وحتى الجامعية تدريس مبسط لتاريخ الفن وإنشاء مادة للمسرح تدرس بعض المسرحيات كمادة أساسية
•تفعيل فكرة البعثات الثقافية للجامعات والمنتديات والمؤتمرات العالمية شريطة أن تأتى هذه البعثات بفائدة وطنية من استحداث مشاريع ثقافية وأفكار وتقديم تقارير حقيقية ودمج كل المبدعين على اختلاف أعمارهم واعتبارها مهمة رسمية ليس للمجد الشخصى وإنما لنقل التجارب الثقافية لبلدنا الحبيب.
•عقد الندوات الثقافية والفنية داخل المدارس وإلزام الفنانين والمثقفين من خلال النقابات بتقديم دعم مجتمعى حقيقى من زيارة المدارس والجامعات لتقديم قيمة حقيقية.
•تفعيل دور التربية فى المدارس من خلال تدريس مادة الأخلاق والمعايير المجتمعية واحترام المختلفين والقضاء على التنمر ودمج أصحاب القدرات الخاصة فى المجتمع، وإعلاء شأن الوطن وإعادة ثقافة العمل.
•دعم الأسر المنتجة على تقديم منتجات أسرية حقيقية ودمج ثقافة العمل وغرسها فى الأطفال
وما هذه المقترحات إلا غيض من فيض مطلوب من لجنة الحكماء أن تقدم العشرات منها وعلى لجنة التنفيذ تحديد قابلية التنفيذ من خلال اللجنة الوزارية أما لجنة المتابعة والجودة فعليها متابعة حركة المجتمع والمنجزات الحقيقية فى إعادة صياغة شخصية مصرية جديدة تقوم على العلم ونبذ العنف والمشاركة فى صنع الحضارة والحفاظ على منتجاتها.
*منشور بجريدة القاهرة
شبكة عالم جديد الإخبارية عالم جديد..شبكة إخبارية تتيح مساحة جديدة للمعرفة والإبداع والرأي حول العالم..











